من 10 دنانير إلى 50.. كيف تغيرت أسعار غذاء التونسيين في 7 سنوات؟
تونس – تجر السيدة "عائدة" عربة صغيرة تحمل سلة مشترياتها، وتتنقل بين محال السوق البلدي في رأس الجبل بولاية بنزرت التونسية، متفحصة الخضراوات المعروضة عند المدخل، بحثا عما يناسب ميزانية أسرتها.
جاءت عائدة من منوبة، في الضاحية الغربية للعاصمة تونس، بحثا عن أسعار أقل، بعدما أثقلت كلفة التسوق ميزانية الأسرة. وتقول للجزيرة نت إنها لم تعد تكتفي بالسوق القريبة من منزلها، بل تتنقل أحيانا من حي التضامن إلى بنزرت لشراء حاجياتها.وتستعيد عائدة، وهي ربة منزل وأم لطفلين، أياما كان فيها مبلغ يتراوح بين 10 دنانير (3.33 دولارات) و20 دينارا (6.65 دولارات) يكفي لتوفير حاجيات الأسبوع، بينما تتراوح الكلفة اليوم بين 40 دينارا (13.30 دولارا) و50 دينارا (16.63 دولارا)، وفق تقديرها. أما اللحوم والأسماك، التي كانت جزءا من مشترياتها المعتادة، فأصبح شراؤها يقتصر على مناسبات قليلة في السنة.
تعكس تجربة عائدة جانبا من التحولات التي طرأت على ميزانيات الأسر التونسية منذ عام 2019، الذي وصل فيه قيس سعيّد إلى الرئاسة، إذ ارتفعت أسعار الغذاء خلال هذه الفترة بوتيرة فاقت زيادة الأجر الأدنى المضمون.
وزارة التجارة تقول انها تسعى لمراقبة مسالة التوزيع لضمان عدم انفلات الاسعار ( خاص الجزيرة )
وزارة التجارة تقول إنها تسعى لمراقبة مسألة التوزيع لضمان عدم انفلات الأسعار (الجزيرة)
تضخم أسرع من ارتفاع الأجر
تظهر بيانات المعهد الوطني للإحصاء ارتفاع مؤشر أسعار الغذاء والمشروبات غير الكحولية من 124.4 نقطة عام 2019 إلى 204.4 نقاط عام 2025، بزيادة بلغت نحو 64.3%.
وخلال الفترة نفسها، ارتفع المؤشر العام للأسعار من 125 نقطة إلى 186.3 نقطة، بزيادة تقارب 49%.
في المقابل، زاد الأجر الأدنى المضمون بالساعة، في نظام العمل لمدة 48 ساعة أسبوعيا، من 1.984 دينار (0.66 دولار) عام 2019 إلى 2.586 دينار (0.86 دولار) عام 2025، أي بنحو 30.3%. ولا تعكس هذه المقارنة تطور أجور جميع التونسيين، إذ تتباين المداخيل بحسب المهن والقطاعات.
وفي عام 2026، بلغ الأجر الأدنى المضمون بالساعة، في نظام العمل نفسه، 2.713 دينار (0.90 دولار)، بزيادة تقارب 4.9% عن مستواه في العام السابق.
أما أحدث بيانات التضخم، الخاصة بشهر سبتمبر/أيلول 2026، فتُظهر ارتفاع الأسعار بنسبة 5.6% على أساس سنوي، مقابل 8.4% للغذاء، و9.2% للملابس والأحذية، و5.5% للتعليم.
ولا يعني تباطؤ التضخم انخفاض الأسعار أو عودتها إلى مستوياتها السابقة، وإنما استمرار ارتفاعها بوتيرة أبطأ.اللحوم والأسماك تغيب
في السوق المركزية بأريانة، يتصدر الغلاء شكاوى المتسوقين. ويقول عبد الحفيظ، وهو مواطن مغربي يقيم في تونس منذ 37 عاما، للجزيرة نت إن 10 دنانير (3.33 دولارات) كانت تكفي لشراء حاجيات أسبوع، بينما تتراوح كلفة القفة (سلة تونسية قديمة) اليوم بين 50 دينارا (16.63 دولارا) و70 دينارا (23.28 دولارا). ويرى أن الغلاء يتجاوز تونس ويرتبط بالتطورات التي يشهدها العالم.
أما منصف حدّاد، وهو أب لثلاث بنات، فيقول للجزيرة نت إن أسرته باتت تقتصر في مشترياتها على الضروريات، وإن توفير الحاجيات اليومية أصبح أكثر صعوبة.
مؤشرات السكن والنقل
ولم تقتصر زيادة كلفة المعيشة على الغذاء، بل امتدت إلى السكن والتنقل. فبحسب بيانات المعهد الوطني للإحصاء، ارتفع مؤشر أسعار مجموعة السكن والماء والغاز والكهرباء والمحروقات بنحو 32.9% بين عامي 2019 و2025، بينما زاد مؤشر أسعار النقل بنحو 31% خلال الفترة نفسها.
وفي سبتمبر/أيلول 2026، واصلت أسعار المجموعتين ارتفاعها على أساس سنوي، بنسبة 4.3% للسكن والطاقة، و2% للنقل.
عدد من التونسيين باتوا يتنقلون بين الأسواق للحصول على بضاعة ارخص ( خاص الجزيرة )
عدد من التونسيين باتوا يتنقلون بين الأسواق للحصول على بضاعة أرخص (الجزيرة)
أسباب الغلاء
تتباين تفسيرات التونسيين للغلاء بين من يربطه بالحوكمة وإدارة الشأن العام، ومن يعيده إلى عوامل تتجاوز حدود البلاد. وفي هذا السياق، يقول رئيس منظمة إرشاد المستهلك لطفي الرياحي للجزيرة نت إن أسعار المواد الاستهلاكية ارتفعت بدرجة كبيرة خلال السنوات الخمس الأخيرة، وإن عائلات تونسية تواجه صعوبات في توفير الغذاء.
ويربط الرياحي هذا الارتفاع بتداعيات التوترات الدولية على الواردات والمواد الأولية والأدوية، إلى جانب سنوات الجفاف التي أثرت في الإنتاج المحلي.
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي سامي العرفاوي أن بعض الزيادات الظرفية في الأسعار ترتبط، وفق تقديره، بسياسات مكافحة الاحتكار.
ويوضح أن كثيرا من المواد تتوفر بكميات كبيرة خلال مواسم الإنتاج والجني، ثم يتراجع المعروض منها أو ترتفع أسعارها في فترات أخرى.
في المقابل، تقول وزارة التجارة إنها تعمل على مراقبة الأسواق والتحكم في الأسعار. ودعا وزير التجارة وتنمية الصادرات سمير عبيد، خلال اجتماع بالوزارة، إلى تكثيف اليقظة الميدانية ومتابعة المخزونات ومسالك التوزيع، مؤكدا أن دور الوزارة يشمل استباق اضطرابات السوق قبل تحولها إلى أزمة.
واعتبر الوزير التخزين أداة لتعديل السوق، خصوصا خلال الفترات الفاصلة بين مواسم الإنتاج، مشيرا إلى تأثير التقلبات المناخية الأخيرة في مستويات التزويد والأسعار.
أسعار الغلال شهدت ارتفاعاً كبير في السنوات الأخيرة حتى في موسم قطفها ( خاص الجزيرة )
أسعار الغلال شهدت ارتفاعا كبيرا في السنوات الأخيرة حتى في موسم قطفها (الجزيرة)
المواد المدعّمة
وتشمل منظومة الدعم في تونس الحبوب ومشتقاتها، والزيت النباتي، والحليب نصف الدسم، والسكر، والعجين الغذائي والكسكسي.
ورغم استمرار الدولة في دعم هذه المواد وضبط أسعار بيعها، يشكو مواطنون من صعوبة العثور على بعض المواد الأساسية، خصوصا الزيت النباتي المدعّم والسكر والأرز والفرينة.
وفي سبتمبر/أيلول 2026، أعلنت السلطات برنامجا لضخ 3 آلاف طن من السكر المخصص للاستهلاك العائلي، فيما بلغ مخزون الأرز المعلن نحو 7 آلاف طن، مع الإعلان عن ضخ أكثر من 100 طن يوميا في الأسواق.
وفي الشهر نفسه، نفت وزارة التجارة إقرار زيادات في أسعار السكر والزيت النباتي المدعّم والسميد والفرينة والحليب، مؤكدة التزام الدولة بالأسعار المعمول بها.
لكنّ شكاوى المستهلكين من نقص بعض المواد المدعّمة وعدم انتظام توفرها لدى تجار التفصيل تتواصل، رغم الإجراءات المعلنة.
ورصدت ميزانية الدولة لعام 2026 نحو 4079 مليون دينار (1.36 مليار دولار) لدعم المواد الأساسية، مقابل 3801 مليون دينار (1.26 مليار دولار) متوقعة لعام 2025.
ويطرح استمرار شكاوى النقص تساؤلات بشأن مسالك توزيع المواد الأساسية، والفجوة بين المخزونات المعلنة والكميات التي تصل فعليا إلى المستهلكين.
تتباين المواقف في الشارع التونسي حوّل اسباب الغلاء في الأسواق ( خاص الجزيرة)
تتباين المواقف في الشارع التونسي حول أسباب الغلاء في الأسواق (الجزيرة)
الدولة أمام كلفة المعيشة
تضع هذه المؤشرات شعار الدولة الاجتماعية، القائم على حماية الفئات الهشة وضمان حاجياتها الأساسية، أمام اختبار القدرة على الحد من تآكل القوة الشرائية للأسر مع استمرار ارتفاع الأسعار.
فدعم المواد الأساسية وزيادات الأجر الأدنى وإجراءات مراقبة الأسواق لم تمنع ارتفاع أسعار الغذاء بنحو 64.3% بين عامي 2019 و2025، مقابل زيادة بلغت نحو 30.3% في الأجر الأدنى المضمون بالساعة خلال الفترة نفسها.
وبين أهداف الحماية الاجتماعية وكلفة المعيشة التي تتحملها الأسر، تبقى قدرة السياسات المعتمدة على تحسين القوة الشرائية وضمان انتظام وصول المواد المدعّمة إلى المستهلكين التحدي الأبرز، حتى لا يصبح توفير الغذاء عبئا متزايدا على ميزانيات التونسيين.
اجمالي القراءات
64