بالأصفاد.. واشنطن "تشحن" مئات المهاجرين لبلدان لم يطؤوها من قبل
قيّدت أيديهم وأرجلهم بالسلاسل، وحشروا في طائرات لساعات طويلة، دون أن يعرفوا وجهتهم. وفجأة وجدوا أنفسهم في بلدان أفريقية لا تربطهم بها أي صلة، وبعضهم لم يسمع بها من قبل.
يأتي ذلك في خضم رحلات جدلية أمرت بها إدارة الرئيس دونالد ترامب محفوفة بالمخاطر الإنسانية، وتثير الكثير من الانتقادات الحقوقية.وهذه بعض الوقائع التي وثقتها منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير جديد، كشفت فيه أن إدارة ترامب رحّلت أكثر من 500 شخص إلى دول أفريقية، بينهم أشخاص لا يمكن إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية خشية تعرضهم للاضطهاد أو التعذيب.
ويحمل التقرير، المؤلف من 125 صفحة، عنوان "لإخافة الناس: ترحيل مواطني دول ثالثة من الولايات المتحدة إلى بلدان أفريقية"، ويستند إلى مقابلات أجرتها المنظمة بين فبراير/شباط ويوليو/تموز 2026 مع 24 شخصا رُحّلوا إلى 6 دول هي الكاميرون وجمهورية أفريقيا الوسطى والكونغو الديمقراطية وغينيا الاستوائية وإسواتيني وجنوب السودان.
مهاجر مقيد بالأصفاد خلال عملية ترحيل نفذتها السلطات الأمريكية في يناير 2026 (رويترز)
لا أريد أن أموت
من بين هؤلاء مهاجر إثيوبي يبلغ 35 عاما، فرّ إلى الولايات المتحدة بعدما تعرض للسجن والتعذيب في بلاده.
ورغم رفض طلب لجوئه بسبب دخوله الأراضي الأمريكية بطريقة غير نظامية، أصدر قاض أمريكي قرارا يمنع إعادته إلى إثيوبيا، نظرا لاحتمال تعرضه للتعذيب مجددا.
لكن السلطات الأمريكية قررت ترحيله إلى دولة ثالثة. وقال الرجل للمنظمة إنه رفض توقيع استمارة للمغادرة الطوعية إلى تشاد، إلا أن أحد عناصر وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية وقّعها عنه، بحسب شهادته.
ووصف ما جرى على متن الطائرة قائلا: "كنا مقيدين بالسلاسل والأصفاد، من أرجلنا وأيدينا وبطوننا. لم نكن نستطيع الوقوف، وحتى عندما احتجْتُ إلى استخدام المرحاض لم يزيلوا القيود".
وانتهى المطاف بالرجل في الكاميرون، حيث قال إن ممثلين عن المنظمة الدولية للهجرة زاروه مرارا، وسألوه إن كان يريد العودة إلى وطنه.
وأضاف: "في كل مرة يأتون يسألون السؤال نفسه: هل تريد العودة إلى بلدك؟ وفي كل مرة أقول لهم: لن أعود. توقفوا عن سؤالي. لا أريد أن أموت".رحلات إلى المجهول
ولم تكن شهادة الإثيوبي حالة معزولة، إذ تحدث مرحّلون آخرون عن تقييدهم بالأصفاد فترات وصلت أحيانا إلى 18 ساعة أو أكثر، دون إبلاغهم بوجهاتهم أو منحهم معلومات كافية عنها.
وتقول هيومن رايتس ووتش إن السلطات الأمريكية حرمت المرحّلين من فرصة حقيقية للاعتراض على نقلهم إلى هذه الدول، أو شرح المخاطر التي قد يواجهونها فيها.
وبعد الوصول، اختلفت المعاملة من دولة إلى أخرى. فقد تعرض بعضهم للاحتجاز التعسفي، بينما لم يتمكن آخرون من الحصول على أدوية أو علاجات ضرورية لأمراض خطيرة.
ووجد كثيرون أنفسهم أمام خيار بالغ القسوة: البقاء في دولة غريبة دون حماية فعالة، أو العودة إلى أوطان فروا منها خوفا على حياتهم.
وتؤكد المنظمة أن بعض الدول الأفريقية أعادت بالفعل مرحّلين إلى بلدانهم الأصلية رغم احتمال تعرضهم فيها للاضطهاد أو التعذيب، في انتهاك لمبدأ عدم الإعادة القسرية.
الهدف إخافتهم
وترى المنظمة أن هذه السياسة لا تستهدف تنفيذ قرارات الترحيل فحسب، بل تُستخدم أيضا لتخويف المهاجرين ودفعهم إلى مغادرة الولايات المتحدة.
واستشهد التقرير بتصريح لمسؤول أمريكي لم يُكشف عن اسمه، ورد في وثيقة للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، قال فيه إن التهديد بإرسال المهاجرين إلى دول بعيدة مثل إسواتيني يهدف إلى إشعارهم بإمكانية إلقائهم في أماكن نائية. وأضاف المسؤول: "الهدف هو إخافة الناس".
وقال مايكل غارسيا بوشينيك، المدير المؤقت لبرنامج الولايات المتحدة في هيومن رايتس ووتش، إن ترحيل أشخاص إلى دول لم تطأها أقدامهم من قبلُ جزء من سياسة تستخدم المعاناة الإنسانية وسيلة لردع الهجرة.
ورأى أن واشنطن تستغل الاتفاقات مع الدول الأفريقية للتنصل من مسؤولياتها وحرمان المرحّلين من الضمانات القانونية.
وطالبت المنظمة الولايات المتحدة بوقف ترحيل طالبي اللجوء واللاجئين إلى دول لا تستطيع توفير إجراءات لجوء عادلة، ودعت الحكومات الأفريقية إلى تعليق الاتفاقات التي تسمح باستقبالهم بهذه الشروط.
ومن المقرر أن تنظر المحكمة العليا الأمريكية في ديسمبر/كانون الأول المقبل في الطعون المتعلقة بدستورية سياسة الترحيل إلى دول ثالثة ومدى توافقها مع الحظر القانوني لإعادة الأشخاص إلى خطر الخضوع للتعذيب، بعدما سمحت للحكومة بمواصلة هذه العمليات بشكل مؤقت.
اجمالي القراءات
41