موازنة أكبر ومعلمون أقل.. أزمة التعليم تهز فرنسا وتؤجج الاحتجاجات

اضيف الخبر في يوم الثلاثاء ٠٦ - أكتوبر - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: الجزيرة


موازنة أكبر ومعلمون أقل.. أزمة التعليم تهز فرنسا وتؤجج الاحتجاجات

خرج طلاب ومعلمون وأولياء أمور إلى شوارع مدن فرنسية، اليوم الثلاثاء، وأغلق محتجون مداخل مئات المدارس، في أوسع تحرك منذ بدء الاحتجاجات الاجتماعية في ثاني أكبر اقتصادات أوروبا. وتواجه حكومة باريس مطالب بتوفير المدرسين وإصلاح المباني، بينما تسعى إلى خفض عجز الموازنة العامة وسط تصاعد كلفة الاقتراض.

وسبق التحرك إعلان وزير التعليم الفرنسي إدوار غيفري تعليق الدراسة كليا أو جزئيا في 400 إلى 500 ثانوية أمس الاثنين، لغياب شروط السلامة، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية. ويشكو الطلاب من غياب المعلمين دون توفير بدلاء، وتهالك المرافق، واكتظاظ الفصول وطول اليوم الدراسي.واتسعت الاحتجاجات من ضواحي باريس إلى مدن كبرى، ومنها مرسيليا وليون ونانت وستراسبورغ، وانضمت إليها نقابات وأسر. وقالت وزارة الداخلية إن عدد الموقوفين منذ بدء الاحتجاجات بلغ 6100 شخص، أغلبهم قاصرون، فيما انتقلت بعض المؤسسات إلى الدراسة عن بُعد، حسب رويترز.

ويقول الخبير الاقتصادي المختص في الشأن الفرنسي كميل الساري، للجزيرة نت، إن نقص البدلاء يترك بعض الطلاب من دون دروس في مواد أساسية لفترات طويلة، ويضيف أن المطالب تشمل أيضًا صيانة المباني وتحسين النظافة والمرافق، بعدما تراكمت مشكلات يواجهها الطلاب يوميا.

متظاهرون رفعوا لافتة كُتب عليها "الشباب يقولون تبا للجبهة الوطنية" في ساحة الأمة خلال مظاهرة لطلاب المدارس الثانوية والجامعات (رويترز)
دَين يضيّق هامش الإنفاق
وتبلغ الديون السيادية لفرنسا نحو 3.596 تريليونات يورو (4.05 تريليونات دولار)، تعادل 119% من الناتج المحلي بنهاية الربع الثاني من 2026، ارتفاعًا من 117.5% في الربع الأول، وفق معهد الإحصاء الفرنسي. وتسعى الحكومة إلى خفض العجز من 5.4% هذا العام إلى 5% في 2027، وهو يتجاوز السقف المحدد لدول الاتحاد الأوروبي والبالغ 3%.

وحسب رويترز، تجاوز عائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات لفترة وجيزة 5% الأسبوع الماضي، مسجلا أعلى مستوى في 24 عاما. ويخشى المستثمرون استمرار تراكم الدَّين وضعف النمو الاقتصادي وصعوبة كبح الإنفاق، في وقت تواجه فيه الموازنة خلافات داخل برلمان منقسم.

وتوضح وزارة الموازنة أن ديونًا صدرت خلال أزمتي جائحة كورونا والطاقة بفوائد منخفضة، وأحيانًا سالبة، تصل تدريجيا إلى الاستحقاق، ويجري استبدال اقتراض أعلى كلفة بها. وتوقعت وثيقة صادرة في يوليو/تموز الماضي استمرار هذا الأثر في السنوات المقبلة، مع زيادة أعباء الفوائد.

ويقول الساري إن ضخامة الدَّين وكلفة خدمته تدفعان إلى تقليص وظائف الدولة، ومنها التعليم. ويشير إلى أن الجدل الفرنسي حول خفض أعداد الموظفين قديم، وشمل عدم تعويض بعض المغادرين والمتقاعدين، بينما عادت التخفيضات إلى الواجهة مع الضغوط المالية وتراجع أعداد الأطفال.

وفي خضم الأزمة، طرحت زعيمة حزب التجمع الوطني اليميني مارين لوبان اليوم الثلاثاء خطة لخفض العجز إلى 3.7% العام المقبل، ثم 2.2% في 2032، وقدّم حزب لوبان، وهو من أبرز أحزاب المعارضة، الخطة باعتبارها سيناريو لتوليه الحكم بعد الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل/نيسان المقبل، بهدف طمأنة المستثمرين.

موازنة أكبر ومعلمون أقل
يقترح مشروع موازنة التعليم لعام 2027 تخصيص 64 مليار يورو (72.12 مليار دولار)، باستثناء مساهمات المعاشات، بزيادة 1.2 مليار يورو (1.35 مليار دولار). لكنه يتضمن خفضًا صافيًا قدره 1588 وظيفة معلم بدوام كامل، بعد خفض 4000 وظيفة في الموازنة الأصلية لعام 2026.

وتبرر وزارة الموازنة التخفيض بتوقع انخفاض أعداد الطلاب بنحو 180 ألفًا عند بداية العام الدراسي 2027. وفي المقابل، يرتفع إجمالي وظائفها 3257 وظيفة، مع إضافة وظائف للمساندة والحماية ومتدربين في التدريس، وفق وثائق الوزارة، التي تخصص جانبًا من الزيادة لتدريب المعلمين ودعم الطلاب.

وتشمل الوظائف الجديدة 1300 مرافق للطلاب ذوي الإعاقة، و304 وظائف صحية واجتماعية ولتلقي البلاغات، و200 مستشار تربوي، إلى جانب 3041 وظيفة للطلاب والمتدربين في برامج إعداد المعلمين. وتقول الوزارة إنها تحتفظ بمعظم الوظائف التي يتيح تراجع أعداد الطلاب الاستغناء عنها لتحسين ظروف التعلم.

ويربط الساري تراجع الطلاب في بعض المناطق الفرنسية بالتغيرات الديمغرافية وانتقال أسر من باريس إلى الضواحي بسبب ارتفاع أسعار العقارات. ويقول إن بعض المدارس والفصول تواجه انخفاضًا في أعداد الأطفال، لكن الاحتياجات تختلف بين المناطق، مع انتقال السكان وتغير توزيع الأسر.

ويشدد المتحدث نفسه على ضرورة تعويض المعلمين الغائبين وتحسين أوضاع المباني والخدمات، مشيرًا إلى أن احتجاجات الطلاب دفعت الحكومة إلى التحرك. ويرى أن بقاء فصول بلا مدرس في مادة أساسية يراكم الفجوات الدراسية، خصوصًا حين يستمر الغياب لأشهر ولا يتوافر مدرس مساعد أو مؤقت.

أجور ضعيفة وبدائل متفاوتة
ويرى الساري أن تجميد الأجور مع ارتفاع تكاليف السكن والمعيشة في فرنسا يضعف جاذبية التدريس ويقلص القوة الشرائية للمعلمين. وتضم إجراءات ضبط الموازنة المقترحة تجميد أجور القطاع العام وتدابير ضريبية، بحسب وكالة رويترز، في وقت يطالب فيه العاملون في القطاع بتحسين دخولهم وظروف العمل.

ووفق مسح 2024 أوردته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لا تتجاوز نسبة الراضين عن رواتبهم بين معلمي المرحلة الثانوية الدنيا في فرنسا 26.6%، مقابل 38.7% بمتوسط المنظمة. وتقل أجور هؤلاء المعلمين بنحو 10% عن أجور العاملين الآخرين الحاصلين على تعليم عالٍ.

وتُظهر بيانات المنظمة أن متوسط الإنفاق العام لكل طالب، من الابتدائي إلى التعليم العالي، بلغ 13 ألفًا و787 دولارًا في فرنسا عام 2023، مقابل 13 ألفًا و601 دولار بمتوسط دولها، وفق تعادل القوة الشرائية، وانخفضت حصة الإنفاق الحكومي على التعليم من 4.8% من الناتج عام 2015 إلى 4.6% في 2023.

ويقول الساري إن الأسر الفرنسية الميسورة تستطيع اللجوء إلى التعليم الخاص ومتابعة أبنائها، بينما تتقلص البدائل أمام الأسر الفقيرة. ويستشهد بتجربته مع تعليم أبنائه في مؤسسات خاصة، حيث تتوافر، بحسب وصفه، بدائل للمعلمين الغائبين ومبانٍ وفصول أفضل تجهيزًا وصيانة.

ويضيف أن ارتباط الالتحاق بالمدارس العامة بمناطق السكن يركز أبناء الأسر الأقل دخلا في مؤسسات بعينها، وتتسع الفوارق حين تستطيع أسر مساندة أبنائها في اللغة والرياضيات ومتابعة الدراسة، بينما تفتقر أخرى إلى المهارات أو الموارد اللازمة لتقديم الدعم نفسه.

شرطة مكافحة الشغب الفرنسية اشتبكت مع متظاهرين في ساحة الأمة خلال مظاهرة لطلاب المدارس الثانوية والجامعات، بدعم من نقابة المعلمين وأولياء الأمور، في باريس (رويترز)
مشاورة حكومية ومهارات للمستقبل
أطلقت وزارة التعليم مشاورة عبر منصة "أغورا" حتى 23 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، تتيح لطلاب الثانويات عرض صعوباتهم ومقترحاتهم دون كشف هوياتهم. وتشمل أسئلتها المشكلات اليومية والتغييرات المطلوبة لتحسين التعلم، على أن تنشر الوزارة خلاصة وطنية للردود في نهاية الشهر.

وأمر رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو بإعداد مقترحات لتعويض المدرسين الغائبين، ومراجعة الجداول وإصلاح المباني قبل نهاية الشهر الجاري. وتشمل الأولويات الغياب الطويل والوظائف الشاغرة، وتنظيم اليوم الدراسي وفترات الاستراحة، وتحسين وضوح إجراءات التوجيه والقبول الجامعي التي يشكو منها الطلاب.

وتقع مسؤولية مباني الثانويات وتجهيزاتها ومطاعمها وسكنها الداخلي ضمن اختصاص مجالس الأقاليم، وفق رسالة لوكورنو إلى الوزراء. وطلبت الحكومة تحديد الإصلاحات العاجلة وجدول تنفيذها، ووضع أولويات لتكييف المباني مع الحر الشديد، بالتعاون مع الأقاليم وباستخدام التشخيصات والتمويلات المتاحة.

ويطالب الخبير الاقتصادي كميل الساري بإعطاء الأولوية لمهارات القراءة والكتابة منذ السنوات الأولى، ويقول إن ضعف الأساس الدراسي يتراكم لاحقا في الثانوية والجامعة. ويدعو إلى توسيع الدعم عبر الجمعيات والمتطوعين والمتقاعدين، خصوصًا للأطفال الذين لا تستطيع أسرهم مساعدتهم في الدراسة.

ويدعو كذلك إلى تعزيز التعليم المهني وتكوين التقنيين والمهندسين، مستشهدًا بتوسع التعليم التقني في الصين ودوره في تطوير الصناعات. ويرى أن إعداد الشباب يجب أن يرتبط باحتياجات الإنتاج وتحولات سوق العمل، مع ما يفرضه الذكاء الاصطناعي من ضغوط على وظائف أصحاب الشهادات العليا.
اجمالي القراءات 14
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق