كماشة المضايق.. ماذا يحدث للاقتصاد العالمي إذا أغلق باب المندب؟
تعيد التطورات السياسية والأمنية الجارية في مضيق هرمز وفي اليمن إلى الواجهة احتمال تصعيد التوترات العسكرية لتطال مضيق باب المندب واحتمال إقدام الحوثيين على إغلاقه كورقة ضغط في الصراع السياسي والعسكري.
فقد أعلنت وزارة الدفاع اليمنية اليوم الاثنين استهداف مدرج مطار صنعاء الدولي لمنع طائرة إيرانية من الهبوط، في حين اتهمت جماعة أنصار الله (الحوثيون) السعودية بشن غارات جوية على المطار، وتوعدت بالرد على القصف.وفي اليوم نفسه، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إن بلاده ستعيد الحصار البحري على إيران عقب انهيار وقف إطلاق النار الموقع بين الطرفين قبل أسابيع، وأضاف ترمب أن أمريكا ستمنع سفن إيران وعملائها من استخدام مضيق هرمز، وقال إن واشنطن ستصبح "الحارسة لمضيق هرمز".
كل هذه التطورات تنطوي على مخاطر امتداد التعطيل الحاصل حاليا في مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب، وقد سبق لإيران وللحوثيين أن هددا في أبريل/نيسان الماضي بإغلاق باب المندب.أهمية باب المندب
ويُعَد مضيق باب المندب أحد العقد الاقتصادية الحيوية في العالم، ولا يقل تأثيره عن أي قوة عسكرية في الصراعات الإقليمية والدولية.
ويربط المضيق، الذي يبلغ عرضه في أضيق نقطة نحو 30 كيلومترا، بين اليمن في آسيا وكل من جيبوتي وإريتريا في أفريقيا، ويعمل حلقة أساسية تربط البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب، وصولا إلى قناة السويس والبحر الأبيض المتوسط.
وتمر عبر المضيق يوميا كميات ضخمة من النفط تتراوح بين 7 و10 ملايين برميل، كما يشكّل طريقا رئيسيا لنحو 12% إلى 15% من التجارة العالمية المتجهة إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية والأسواق الآسيوية، ويؤمّن نحو 25% من حاجات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال.
تُقدَّر حركة السفن عبر المضيق بنحو 21 ألف سفينة سنويا، أي ما يعادل 57 سفينة يوميا، بقيمة شحنات تصل إلى نحو 700 مليار دولار سنويا.
وأي تعطيل للمضيق، خصوصا إذا تزامن مع توقف مضيق هرمز، قد يؤدي إلى أزمة نقل عالمية تضاعف زمن الرحلات بين آسيا وأوروبا من 31 إلى 41 يوما، وترفع تكلفة الرحلة لسفينة حاويات متوسطة من مليون دولار إلى نحو 1.7 مليون دولار، دون احتساب مصاريف إضافية كأجور الطواقم والوقود وأقساط التأمين.
تداعيات إغلاق المضيق
يرى خبير أسواق النفط والطاقة عامر الشوبكي في تصريح للجزيرة نت أنه رغم عدم قدرة الحوثيين على فرض إغلاق عسكري كامل لمضيق باب المندب لأنهم لا يسيطرون على ضفتيه، لكنهم أثبتوا قدرتهم على جعله غير آمن تجاريا، وهي نتيجة قريبة جدا من الإغلاق.
إذ نفذ الحوثيون أكثر من 100 هجوم على السفن، وأجبروا شركات كبرى على تغيير مسارها في في السنوات القليلة الماضية، وانخفضت تدفقات النفط عبر المضيق من تقريباً 9 ملايين برميل في عام 2023 إلى 4 ملايين برميل في عام 2024.
خريطة توضح بحر العرب والدول المطلة عليه (الهند - باكستان - سلطنة عمان - الصومال- إيران) إضافة إلى توضيح خليج عدن ومضيق هرمز ومضيق باب المندب
باب المندب شريان حيوي للتجارة العالمية المتجهة إلى أوروبا والولايات المتحدة والأسواق الآسيوية (الجزيرة)
انعكس هذا الوضع في مضيق باب المندب بصورة مباشرة على قناة السويس، إذ هبطت إيراداتها من 10.2 مليارات دولار في العام 2023 إلى قرابة 4 مليارات في الـ 2024. وانخفض عدد السفن العابرة للقناة أيضاً من أكثر من 26 ألف سفينة إلى نحو 13 ألف فقط، وهو ما حرم مصر من أحد أهم مصادرها من العملة الصعبة وزاد الضغط على الموازنة وسعر صرف الجنيه.
ويقدر الخبير النفطي أن الخطورة الأكبر تظهر عندما يجتمع التهديدان: مضيق هرمز وباب المندب، فبعد تعطيل هرمز عقب اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، استخدمت السعودية أنبوب خط "شرق-غرب" لنقل النفط من مناطق الإنتاج في شرق المملكة إلى ميناء ينبع غربا على سواحل البحر الأحمر، ومن ثم ينقل النفط السعودي إلى الأسواق الدولية ولا سيما الآسيوية منها.
وأوضح الشوبكي للجزيرة نت أن طاقة خط "شرق-غرب" قد تصل إلى 7 ملايين برميل يوميا، ولكن خلال ذروة الأزمة في الأسابيع الماضية رُصد تقريبا 4.7 ملايين برميل، كانت نصفها تذهب إلى الصين وحدها.
النفط الخارج من ميناء ينبع إلى آسيا يحتاج إلى عبور باب المندب، بينما يستطيع النفط المتجه إلى أوروبا -مثلا- التوجه شمالا نحو السويس. ومن هنا -يضيف المتحدث نفسه- تصبح ورقة الحوثيين بإغلاق باب المندب قادرة على تهديد أحد أهم البدائل التي استخدمتها السعودية لتجاوز هرمز، وهو خط أنبوب النفط شرق-غرب.
عامر الشوبكي .. قرار رفع الحد الأدنى للأجور جاء لصالح الموظفين والعاملين والعمالة غير المدربة في العديد من القطاعات.. الجزيرة نت
الشوبكي: من شأن إغلاق مضيق باب المندب أن يهدد أحد أهم البدائل التي استخدمتها السعودية لتجاوز هرمز أثناء إغلاقه (الجزيرة)
أكثر الأطراف المتضررة
يقول خبير أسواق النفط والطاقة الشوبكي إن الصين ستكون في مقدمة المتضررين إذا أغلق مضيق باب المندب، لأنها تحتاج إلى الطاقة الخليجية والسعودية على وجه الخصوص، وفي الوقت ذاته تعتمد تجارة الصين مع أوروبا على طريق البحر الأحمر والسويس.
كما أن المسار البديل الذي اعتمدته السعودية لضمان استمرار صادراتها النفطية بعيدا عن هرمز سيتعرض للخطر، فيما ستواجه مصر خسارة إضافية في إيرادات قناة السويس.
وتأتي هذه التطورات بعد أن قالت شركات شحن عالمية مثل "ميرسك" و"هاباغ لويد" إنها بدأت تفكر بعودة تدريجية للبحر الأحمر والسويس، ولكن هذه الأحداث قد تدفع باتجاه تأخير عودة الملاحة إلى تلك المنطقة.
ويخلص الشوبكي أن اجتماع التهديدين (إغلاق هرمز وباب المندب) يوسع دائرة الحرب ويستدعي ترتيبات بحرية دولية أكبر، لأن مصالح مصر والسعودية وأوروبا والصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، ستصبح في قلب الأزمة.
تعبر مضيق باب المندب نحو 21 ألف سفينة سنويا أي ما يعادل 57 سفينة يوميا (غيتي)
رأس الرجاء الصالح
وبحسب منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) ، فإن إعادة توجيه السفن من مضيق باب المندب إلى رأس الرجاء الصالح زادت الطلب العالمي على السفن بنسبة 3% وعلى سفن الحاويات بنسبة 12% حتى منتصف 2024، مما يعكس الضغط المتزايد على الطاقة الاستيعابية للموانئ العالمية وارتفاع أسعار الشحن.
وأشارت خبيرة شؤون الطاقة لوري هيتايان إلى أن التأثير الأكبر لإغلاق المضيق لا يقتصر على النفط والغاز بل يمتد إلى سلاسل الإمداد الأخرى، إذ يؤدي التضييق على باب المندب إلى إطالة زمن وصول البضائع من آسيا إلى أوروبا بمعدل 15 إلى 20 يوما إضافيا، ويزيد تكلفة النقل ويضع ضغوطا على اقتصادات الدول المجاورة.
وفي هذا السياق، حذرت "رويترز" من أن مجرد التهديد المستمر بإغلاق المضيق قد يشل التجارة العالمية، إذ يؤدي ارتفاع أقساط التأمين وتغيير تقديرات الأخطار لدى شركات الملاحة إلى تحويل السفن لمسارات أطول، مما يرفع الأسعار ويؤثر في الإمدادات والسلع الأساسية قبل حدوث أي اعتداء فعلي على المضيق.
فمضيق باب المندب ليس مجرد نقطة جغرافية، بل هو شريان حيوي للطاقة والتجارة العالمية، وأي تهديد لإغلاقه يُترجَم مباشرة إلى صدمات اقتصادية عالمية، تتجاوز النفط لتشمل كل قطاعات النقل والإمداد والتجارة الدولية.
اجمالي القراءات
38