رقم ( 5 ) : القسم الأول: المعارضة في عهد عبد العزيز آل سعود
الفصل الثالث من القسم الأول: التكوين الأيديولوجي للإخوان أساس المعارضة السعودية في عهد عبد العزيز

مدخل  عن : التعليم الفاسد

1 ـ التكوين الايدلوجى للأخوان الوهابيين ( الوهابية ) هو الذى حولهم من أعراب بدو الى ما أصبحوا عليه . هذا التكوين الايدلوجى تعلمه البدو على أشياخ الوهابية فى ( الهجر ) أو المستوطنات التى أقامها لهم عبد العزيز . البدوى العادى فى الأغلب ( أُمّى ) لا يقرأ ولا يكتب ، ، بالتعليم داخل الهجر تحوّل الى شخص متعلم يمارس ثقافة البدو فى الغارات والسلب والنهب باسم (الجهاد الاسلامى ) ويبالغ فيه بإقامة مذابح للآخر غير الوهابي ، لا ينجو منها الأطفال والعجائز والنساء .

مقالات متعلقة :

2 ـ هنا يقوم التعليم بدور تدميرى . مع أن الأصل فى التعليم أن يكون فاعلا فى نشر التقدم والتحضر . وخصوصا إذا إرتبط هذا التعليم بدين الاسلام القائم على السلام والعدل والحرية الدينية والحرية السياسية والتسامح والرحمة وما نعرفه اليوم بحقوق الانسان . التكوين الايدلوجى للإخوان كان خيانة للدور الحضارى للتعليم وخيانة للاسلام وقيمه العليا . وبهذا التعليم الوهابى تحول البدو الأعراب الى وحزش بشرية نشرت المذابح فى الجزيرة العربية وما حولها . ثم ما لبثت أن حاولت أن تنهش عبد العزيز نفسه لولا أن قضى عليها قبل أن يفترسوه .

3 ـ  فى المجتمعات التى يسيطر عليها التدين يوجد تعليم دينى فاسد ينتج شيوخا تحترف الجهل وتنشره عبر المعاهد والاعلام والمساجد ، ولا يستطيع أن يتنقدهم أحد ، فقد صارت لهم بالتدين السائد رهبة وقداسة تتيح لهم أن يقولوا ماشاءوا ، وهم عادة يشاءون النقل عما كتبه السابقون ، وإذا كان المجتمع يحاول النهوض و الالتحاق بركب الحضارة  ومعايشة العصر فإنهم يبذلون جهدهم ليقعدوا بالمجتمع ويجعلونه يعيش الماضى ويعبد السلف باسم الاسلام. هذا هو السائد فى الأزهر حين سيطر عليه التصوف وخرافاته . ثم ما لبث  ـــ بالنفوذ السعودى الذى استشرى فى مصر منذ عهد السادات ــ أن أصبح الأزهر شيئا فشيئا قلعة للوهابية ، وتسللت ثقافة الوهابية الى المواد الدينية فى التعليم المصرى العام ، تنشر التعصب والتطرف والتزمت واستباحة الدماء البريئة . والأخطر أن ينشر التعليم ثقافة الوهابية التى تستبيح الدماء للجميع .

4ــــ ــ فى مصر تقوم أجهزتها التعليمية والاعلامية بنشر الوهابية وحمايتها من النقد باعتبارها الاسلام نفسه ثم تطارد من يعتنق هذا الفكر الوهابى ويريد تطبيقه بالرصاص والارهاب . أى تريد من الشباب أن يكون وهابيا سلبيا صامتا طول حياته ، وهذا مستحيل ، فالوهابية تدفع معتنقها لاستحلال الدماء والمال تحت شعار الجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . وإذا سكت الوهابى عن ممارسة جهاده فلأنه يتحين الفرصة المناسبة  ـ

5 ـــ  وقد نجحت الدولة المصرية فى خلق التيار السلفى الوهابى الساكن السلبى المؤيد للحكم ، ولكن تجربة التاريخ تثبت أن هذا التيار الساكن المنافق المخادع عندما تواتيه الفرصة فسيكون أفظع من التتار والمغول ، التيار السلفى يتسلل وينتشر باستمرار واضطراد مستخدما أجهزة الدولة الدعوية والاعلامية ، وفى المستقبل سيتحالف مع من تتهمهم الدولة بالارهاب و السعى لقلب نظام الحكم . السلفيون لن يتخلوا عن إخوانهم فى العقيدة الوهابية من أجل عيون النظام ، بل سيكونون أكبر عون فى هدم النظام ، ثم بعدها سينقسم الوهابيون وسيتقاتلون صراعا على السلطة ، بنفس ما فعل إخوان عبد العزيز مع عبد العزيز ، بل وربما أشد وأعنف لأنه لن يوجد فى مصر مثل شخصية عبد العزيز وظروفه الجغرافية والسياسية . الدولة المصرية تربى وترعى التيارات السلفية وتتيح لها الانتشار لتواجه بهم الاخوان والجناعات المتطرفة التى خرجبت من عباءة الاخوان كالجهاد و الجناعة الاسلامية وغيرها . ولكنه لعب بالنار سيحرق الوطن كله . 

6 ــ وأصل المأساة قيام الدولة المصرية برعاية الفكر السّنّى أساس الوهابية وحمايته من الانتقاد ، وإضطهاد  من يتصدى لمناقشته من داخل الاسلام وبالقرآن ، وهو ما نتعرض له الآن فى مصر.

7 ـــ وفى عام 1982 وفى خاتمة كتاب ( السيد البدوى بين الحقيقة والخرافة ) دعوت الى تنقية المناهج التعليمية والتراثية مما يشوبها من ثقافة التطرف والارهاب التى تتمسح بالدين حتى لا يتحول تعليم الطلبة الى تربية جيل من المتطرفين ، وحذرت من أن تسيل الدماء فى مواجهة بين الشباب والأجهزة الأمنية للدولة . لم يستجب أحد ، وبعدها بعشر سنوات حدثت مواجهات بين الدولة وجماعات التطرف ، وأخمدتها الدولة بصعوبة . وكالعادة فإن المواجهة الأمنية لا تزيد المشكلة إلا تفاقما . لو قمت بقتل كل المتطرفين وأبقيت فكرهم الدينى دون مناقشة فسينتج هذا الفكر أجيالا أخرى .

8 ـــ وفى العامين الماضيين ( 1998 : 1999 ) كنت رائدا لفريق تبنى مشروع ( اصلاح التعليم فى مصر ) الذى حمل رايته مركز ابن خلدون . بدأت فكرة المشروع بمقال نشرته عام 1997 فى روز اليوسف أدعو فيه الى   اصلاح الأزهر ومادة التربية الدينية فى التعليم العام المصرى ،  ثم ناقشنا فى رواق ابن خلدون فى مركز ابن خلدون قضية طرحها بعض الأقباط وهو مشروع انشاء جامعة قبطية فى مصر ، ورفضنا هذا المشروع لأنه يزيد فى انقسام المجتمع المصرى وتحوله الى معسكرين متنفرين ، وقلنا أن الأجدى هو اصلاح التعليم المصرى القائم ليعزز ثقافة التسامح والحرية الدينية . ثم جاءت منحة اوربية لمركز ابن خلدون لمشروع اصلاح التعليم المصرى لنشر ثقافة التسامح بديلا عن التعصب . وأعددنا مقترحات بديلة للمواد الدينية والتاريخية ومادة القراءة ، ودعونا كل من يهمه الأمر لمناقشة مقترحاتنا ، وفوجئنا بهجوم من مجلس الشعب ومجلس الوزراء والأزهر والاعلام ، وتناولتنا الاتهامات بالخيانة والعمالة ، وتم وأد المشروع ، وبسببه تم إغلاق مركز ابن خلدون هذا العام 2000  ولا زلنا حتى الآن ندفع ثمن مشروعنا الاصلاحى نتوقع الاعتقال كل يوم . وهذا هو حالى الآن وأنا أكتب هذا البحث أتوقع عند ما يطرق الباب أن يأتى أمن الدولة لاعتقالى .

9 ـ فقبل إغلاق مركز ابن خلدون بدأ القبض على أفراد من أهل القرآن إعتادوا الحضور لرواق ابن خلدون ، وهو مؤتمر اسبوعى بدأت إقامته مساء كل ثلاثاء فى مركز ابن خلدون أستضيف فيه متحدثين من المفكرين والسياسيين والمثقفين من مصريين وعرب وأجانب ، من كل التيارات ، وفى كل ندوة تتم مناقشة موضوع معين تم إعداده سلفا . وفى هذا الرواق أُتيح لأول مرة فى مصر للشيعة أن يعبروا عن أنفسهم ، وكان من أعمدة الرواق شخصيات سياسية مشهورة كالصادق المهدى وأعضاء مجلس أمناء مركز ابن خلدون . وفيه نوقش الصراع العربى الاسرائيلى و مستقبل ( الحركة الاسلامية فى مصر ) و ( الشفافية ) ووسائل تطبيق الديمقراطية والانتخابات بين القانون والواقع الفعلى ومشروعات لاصلاح الدستور المصرى . وكانت جلسات الرواق تؤرق ( أمن الدولة ) خصوصا وقد كان يحضره مراسلون وصحفيون وبعض العاملين فى السفارات الغربية ليقيسوا من خلاله اتجاهات الرأى العام المثقف فى مصر . ولأننى قائد الرواق فقد كانت فرصة لأهل القرآن فى الحضور والاسهام بآرائهم الاسلامية ، ومن الرواق نبعت مشروعات أغضبت ( أمن الدولة ) منها مشروع الشفافية ومشروع اصلاح التعليم ومشروع تعليم المصريين حقوقهم السياسية . وكنت رائدا فى مشروعى التعليم والحقوق السياسية . وصدر الأمر باعتقال بعض الأحبة من أهل القرآن ، ثم كان بعدها القبض على سعد الدين ابراهيم وغلق مركز ابن خلدون  فى 30 يونية الماضى ( 2000 ). وأنا الآن ( ديسمبر 2000  ) أتوقع دورى فى الاعتقال . وتصلنى معلومات عن تعذيب مستمر لأحبتى المعتقلين من أهل القرآن لاجبارهم على أقوال معينة ، وأتوقع أن تكون هذه الأقوال لتبرير إعتقالى . والله جل وعلا المستعان ..!

10 ـ وأكتب هذا البحث  الآن ، لا أدرى هل أكمله أم لا .

ولهذا أحرص على كتابة هذه السطور أولا  للتسجيل التاريخى لما أعانيه الآن ، وثانيا أكتب هذا مدخلا لهذا الفصل عن التكوين الايدولوجى للاخوان الوهابيين ، لأسجل رأيا مسبقا فيما يجرى فى مصر الآن ، فثقافة الاخوان المسلمين هى السائدة فى مصر ، وهى تكرار أمين لما ساد فى التعليم الوهابى فى المستوطنات ، وهذا يرجح أن يتكون فى مصر جيل لا يفترق كثيرا عن الاخوان الوهابيين الذى نبحث معارضتهم لسيدهم عبد العزيز.فكيف بالجيل الوهابى الذى يجرى الآن إعداده فى مصر بالتعليم الأزهرى والعام؟!     

 

مشاكل البناء الايدولوجى للإخوان الوهابيين النجديين

1- الركيزة الاساسية في مشكلة المعارضة الاخوانية  هي في بنائهم الأيديولوجي ،أو بناؤهم حسب شريعة العصور الوسطي ( فى الحقيقة أشدها تطرفا وتزمتا ) ،ثم عليهم ان يواجهوا بهذا البناء الأيديولوجي المتطرف   عصرا آخر مختلفا عن ثقافة العصور الوسطي . كان عبد العزيز يشاركهم في  هذه  الثقافة  وهو الذى علمها لهم ، ولكنه  ادرك تغير العصر عن غيره من العصور ،وحاول ان يعيش العصر ويتوافق معه . فكان الخلاف ثم الشقاق ثم الصراع.

واذا كان الافتراض جائزا في البحث التاريخي ،فلو اننا افترضنا ان الاخوان هم الذين انتصروا في صراعهم مع عبد العزيز ،فان مصيرهم سيكون الي زوال ،لأنهم لا ينتمون الي نفس العصر . لقد عاش الديناصور بكل جبروته مسيطرا علي الارض ،فلما انتهي عصره وجاء عصر الثدييات اندثر مع اندثار عصره ،ونري أمثلة مشابهة في التاريخ الإنساني ،وفي تاريخ المسلمين ..

2 ـ في واقع الامر كانت  الدولة التي اقامها النبي محمد علي السلام متناقضة مع عصرها ،حيث ساد وقتها تقديس الحكام والكهنوت فيما بين إمبراطوريتي  الفرس والروم .واقام النبي عليه السلام دولة تسير علي المنهج القرآني والسنة الحقيقية للنبي في التطبيق للقرآن ،وهي بمفهوم عصرنا الراهن ،دولة الديموقراطية المباشرة وحقوق الانسان وحرية الفكر والعقيدة والعدل الاجتماعي والسلام القائم علي القوة والعدل .وهذه الدولة طبقت الشريعة الاسلامية الحقة أروع تطبيق بشرى ، وكان الوحى يتابع النبى عليه السلام بالتصحيح والتوجيه ، بما يجعل ممكنا إقامة دولة اسلامية حقيقية بشريعة قابلة للتطبيق  البشرى . ولكن هذه الدولة التي اقامت علي ارض الواقع حلما طالما تغني به الفلاسفة لم تستطع ان تصمد بعد موت النبي ،اذ لم يتركها في حالها اولئك الذين دخلوا في الاسلام متأخرين وهم الامويون القرشيون والاعراب ،والفريقان معا يمثلان الثقافة السائدة في العصور الوسطي المناقضة للاسلام ،ومن الصراع بين الفريقين تم التحول البطيء في دولة المسلمين ،من بيعة السقيفة الي الفتوحات الي الحروب الاهلية الي اقامة دولة استبدادية عسكرية اموية ،ثم في النهاية اقامة دولة دينية عباسية ،تحمل في داخلها كل ثقافة العصور الوسطى وملامحها الاستبدادية وتصوغها بتدين مصنوع يتفق معها ومع السائد في العصر .

والتناقض واضح بين دولة النبي وبين الدولة العباسية التى جرى فيها تدوين شرائع بشرية للمسلمين تجسّد  ثقافة العصور الوسطي . ومن اجل ذلك لم تستمر دولة النبي سوي عشرة اعوام مع كونها اقامت حلم المستضعفين في جنة بشرية علي الارض ،بينما استمرت دولة بني العباس اكثر من خمسة قرون .والسبب واضح .ان دولة النبي كانت تناقض الثقافة السائدة في العصور الوسطي ،بينما كانت الدولة العباسية اصدق تعبير عن هذه الثقافة .لذلك استمرت الخلافة العباسية حتي بعد سقوط الدولة العباسية ،استمرت في الدولة المملوكية تعطي شرعية لحكم المماليك الأرقاء في ما بين (1517:1250) م .واستساغ الناس ان يحكمهم المماليك الظالمون طالما يتمتعون بموافقة الخليفة العباسي الذي كان يقوم بمبايعة كل سلطان مملوكي يصل بقوته وتآمره الي الحكم .ثم بعد ان اسقط العثمانيون الدولة المملوكية حمل السلطان سليم العثماني معه اخر خليفة عباسي من القاهرة الي الاستانة وجعل نفسه الخليفة بعده ،ليحكم بنفس الشريعة العباسية .وظلت الدولة العثمانية تتوارث الخلافة الي ان ألغاها اتاتورك سنة 1924 م أي في منتصف عصر الأخوان الوهابيين النجديين( 1910-1930 ) .

 3- وبدأ عبد العزيز في تأسيس دولته (1902-1930 )علي اساس ديني يقوم علي التدين الوهابي التيمي الحنبلي السني ،ويناضل ضد التدين الشيعي والتدين الصوفي المتسيد حوله. وادرك حاجته الي تحويل قوة البدو الحربية المتقلبة الانتهازية الي قوة عقائدية تتربي علي اساس التدين الوهابي ،فقام بتكوين الاخوان عقائديا بالفكر الوهابي التيمي الحنبلي الذي ينتمي في حقيقة الامر الي العصور الوسطي ويتصالح معها بقدر ما يخالف الثقافة الحديثة التي بدأ العالم يعرفها ،وتقوم اوروبا وانجلترا علي رسم هذه الثقافة وتطبيقها وفرضها علي المستعمرات ومناطق النفوذ، ومن هنا اصبحت ثقافة الاخوان الاصولية السنية مخالفة للعصر والقائمين علي العصر، فكان لابد ان تختفي قوة الاخوان مهما بلغ حماس الاخوان .و لو كان عبد العزيز نفسه متفقا مع اخوانه في كل ملامح هذه الثقافة حينئذ كان سينتهي مصيره الي ما آلت إليه سابقا الدول البدوية المتحركة واصحابها (حركة الزنج ،حركة القرامطة) الذين اجادوا فن التدمير واقامة المذابح وانتهوا سريعا الي لا شئ حتي في العصور الوسطي التى ينتمون اليها .  

ومن هنا يمكن القول ان دولة النبي محمد عليه السلام بكل ما فيها من مثل عليا كانت غريبة عن العصور الوسطي فانتهت سريعا كأي جملة اعتراضية تخالف المألوف. وبنفس المنطق فان حركة الاخوان التي تم بعثها في العصر الحديث بعقيدة وثقافة تنتمي الي العصور الوسطي وتخالف العصر الحديث، كان لابد ان تنتهي سريعا بكل ما فيها من مذابح وحماس وتضحية وفداء واخلاص لما يعتقدون انه الاسلام . وهو نفس المصير الذى ينتظر كل محاولات الحركات الوهابية السياسية  ( أو ما يسمى بزعمهم الاسلام السياسى ) كالاخوان المسلمين وسائر تنظيماتهم السرية و العلنية .

4-ومشكلة عبد العزيز انه اضطر الي تحويل البدو الي اخوان كي يضمن لنفسه جنودا عقائديين يستمر ارتباطهم به كارتباط الانسان بعقيدته ،وبالتالي يتخلون عن انتهازية البدو وعصبيتهم القبلية ،وبالتالي ايضا يمكن ان يفتح بهؤلاء البدو كل ما كان في حوزة جده سعود الكبير .واساس المشكلة في انه اعدهم دينيا بثقافة العصور الوسطي او بالادق اشد ثقافة العصور الوسطي تطرفا وتعصبا وتزمتا ،وهي ثقافة تصلح لتكوين عقيدة حربية ولكنها تحمل في داخلها عوامل فنائها لأنها ان لم تجد ما تأكله تأكل نفسها . وحين اجبرت انجلترا (ممثل العالم في ثقافة العصر الحديث)عبد العزيز علي ان يعيش ثقافة العصر ويتوقف بفتوحاته و ( جهاده ) اذا اراد ان يعيش ملكا في هذا العصر ،بدأت المشاكل بين عبد العزيز واخوانه ، وتحولت شوكة عبد العزيز التي يحارب بها خصومه الي شوكة متفجرة داخل عباءته .وقد صبر علي اذي هذه الشوكة الي ان استفحل خطرها ،واصبح حتما ان يوسع احد الطرفين مكانه للاخر ،وكان لابد من العلاج بالجراحة .

5- ومشكلة الاخوان النجديين  انهم بدو أعراب منعزلون في صحرائهم بعيدون عن العالم الخارجي ،وجاءتهم الدعوة السلفية والتثقيف الايديولوجي في الهجر بما يتواءم مع عقليتهم ،وبما يعطيهم ما يريدون بمسوغ ديني معتمد علي تراث مستمر ومستقر مكتوب وغير مكتوب توارثته ( نجد ) ، استمر من حركة الردة ،مرورا بحركة الزنج والقرامطة الي حركة ابن عبد الوهاب ، وقد جرت معظم احداثه في نجد وحولها  . اذ عاش البدو مرحلة اختلط بها الزمان بالمكان بالماضي والحاضر، وتحول هؤلاء البدو الي اخوان يريدون اعادة دولة النبي ،ليس كما جاء في القرآن ولكن كما دونها المؤرخون في العصر العباسي، والاخوان حين خرجوا للعالم بهذه الايديولوجية وجدوا العالم كله ضدهم ،ليس فقط النصاري الكفار ممثلين في انجلترا التي تهيمن علي المنطقة ولكن ايضا في المسلمين الاخرين الذين يصفونهم بالمشركون ،سكان الشام والعراق .و فى إعتقاد الاخوان فإن هؤلاء ( الكفار والمشركون ) لا يتيحون فرصة للاخوان للاغارة كي يقوموا بفتح الشام والعراق وغيرها بمثل ما حدث في الفتوحات العربية الاولي، والانكي من ذلك ـــ من وجهة نظر الاخوان النجديين ــ  انهم يقيمون داخل بلادهم حصونا لتحمي بلادهم من فتوحات الاخوان !!! ثم الانكي اكثر واكثر أن عبد العزيز نفسه يسايرهم ويوافقهم ويواليهم ..وهذا كله مخالف لما تعلموه علي يد فقهاء عبد العزيز نفسه ..

6 ـ واولئك الفقهاء مشكله اخري .ومشكلة الفقهاء ان الحل الاسلامي السياسي يستلزم اجتهادا يؤكد حقائق الاسلام الكبرى فى الحرية الدينية المطلقة والحرية السياسية والعدل و السلام والاحسان أو التسامح . وهذه القيم العليا هى نفسها القيم التى وصلت اليها البشرية بزعامة العربية فى العصر الراهن ، ودونتها فى المواثيق الدولية الحقوقية ، نلك المواثيق التى تُعتبر أقرب كتابة بشرية للشريعة الاسلامية الحقيقية التى جاءت فى القرآن الكريم ، وطبقها النبى عليه السلام . وبالتالى فليس مقبولا ولا معقولا ان تقيم دولة تحمل شعار الاسلام ظاهريا بينما تعتنق شريعة غاية فى التطرف وفى التناقض مع الاسلام ومع ثقافة العصر الراهن .

 واساس مشكلة فقهاء نجد في ان ظروف نجد الجغرافية ليس فيها الجديد الذي يحرك الفكر بالاجتهاد، فهي منطقة منعزلة بطبيعتها ،والاحساس فيها بالزمن رتيب دون اختلاف .والغرباء الذين يقدمون علي نجد من المسافرين والحجاج لا يري فيهم اهل نجد الا ضحايا للسلب والنهب او الابتزاز، وفقهاء نجد يحملون نفس العقلية المحافظة ،واذا كان العصران المملوكى ثم العثماني هما عصر التقليد في الحواضر الاسلامية في العراق والشام ومصر فان التقليد يتحول في صحراء نجد الي جمود، ولابد للفقهاء في نجد ان يكونوا حراسا لهذا الجمود . وحتي عندما حصل محمد بن عبد الوهاب علي مؤلفات ابن تيمية وتشربها ،وترك نجد وعاد اليها داعيا فانه لم يأت بجديد في دعوته العقيدية يختلف عما قاله ابن تيمية، ثم انه ثانيا اقتصر علي الجانب العقيدي دون ان يتبحر فيه علميا كما فعل ابن تيمية في رسائله الكثيرة ،كما لم يتبحر فقهيا مثل ابن تيمية ،وهنا يكمن الفارق بين المجتهد النجدي محمد بن عبد الوهاب والمجتهد الثاني ابن تيمية مع ان كلا منهما تفوق علي المستوي العلمي لعصره ،وتفوق علي الفقهاء اللاحقين في مدرسته .

7-ولا تقتصر المشكلة في بيئة نجد وفقهائها المحافظين الكارهين للاجتهاد .وانما تتعدى المشكلة طبيعة المكان الي طبيعة الزمان . والزمان والمكان قد تجمدا في نجد عند ثقافة العصور الوسطي، وحين صعد عبد العزيز بنجد الي مستوى العصر الحديث- او حين حاول ذلك  ازدادت المشكلة تعقيدا ،اذ كانت نجد بثوراتها في العصور الوسطي تبدو متطرفة بمقياس العصور الوسطي نفسها ،فكيف بها بنفس التقاليد تواجه العالم المعاصر وبادعاء ان ذلك هو الاسلام الذي يتناقض مع التعصب والتطرف والتزمت وسفك الدماء البريئة؟

ربما كانت المشكلة ستظل محصورة داخل الصحراء اذا اقتصر ابن سعود علي النضال ضد خصومه داخل نجد وبين قبائلها ،ولكنه بحكم موقع  ( نجد ) علي حدود الشام والعراق والخليج الفارسي ،وبحكم الخبرة التاريخية لأهل نجد لابد ان يحتكّ بجيرانه ، أو أن يصعد بهذه الثقافة الفاتحة الي خارج حدود نجد حيث مصالح الانجليز-اكبر قوة في العالم وقتها-وبالتالي لابد من الاحتكاك والصدام ليس فقط بالقوة الاقليمية للمسلمين الصوفية والشيعة من عرب واتراك ولكن بالقوة الاوربية ،أي لابد من الاحتكاك بالعصر وثقافته ،ولأن هدفه الاساسي هو اقامة الدولة ،والاخوان وسيلته في تحقيق هذا الهدف فانه من المنتظر ان يتخلي عن الاخوان، اذا اصبحوا خطرا علي هدفه ودولته . وهو لا يستطيع اصلاح الاخوان او بمعني اخر لا يستطيع تثقيف الاخوان بحقائق الاسلام وقيمه العليا التى تتوافق مع العصر الحالي وتتواءم معه ،لأنه أولا لا يعرفها ، ولأنها ثانيا تتناقض مع هدفه السياسى ، إذ أنه ضد الاسلام أن تتخذ منه وسيلة للحصول على حطام بشرى . ثم إنه أمضى وقتا فى تعليم أولئك البدو تعايم الوهابية ولا يستطيع أن يخرج عليها حتى لو أراد ذلك . وأخيرا فإن العلماء الوهابيين أبعد الناس عن الاجتهاد بما يتفق مع العصر الحديث . وهم مع نفوذهم وتبعيتهم لابن سعود ومحاولة ارضائهم الا انهم اصل المشكلة ..لأنهم حراس الفكر الديني الذي تعلموه وتشربوه عبر تراكم زمني وتاريخي اتفق مع منهج بيئتهم المحافظة المتطرفة بطبيعتها . وبالتالي فانه اذا كان مستحيلا علي فيصل الدويش ان يقلع عن الغزو واستحلال المذابح والاموال للأبرياء فانه من المستحيل ان يري العلماء وصفا اخر لهذا الغزو الا انه جهاد للكفار والمشركين بغض النظر اذا كانوا سالمين او محاربين ..فالاخوان هم تلامذة أولئك الشيوخ ، ومنهم تعلموا الوهابية على أنها صحيح الاسلام .واولئك الشيوخ توقف بهم الزمن عند ابن عبد الوهاب، وابن عبد الوهاب توقف به الزمن عند ابن تيمية ،وابن تيمية توقف به الزمن عند ابن حنبل وابن حنبل كان فقهه انعكاسا لمحنته، وابن تيمية انعكست محنته علي فقهه ،وابن عبد الوهاب لم يجد سبيلا لمواجهة خصومه في العقيدة الا بهذا الفقه المتشدد الذي ينفي الاخر، وفقهاء عبد العزيز عاشوا هذا التراث وواجهوا به العصر الذي يرفضهم فكانوا اكثر رفضا له ، ووجدوا في التراث الديني التابع لهم ما يسوغ لهم تحويل الرفض الفقهي الي قتل وسلب ونهب للابرياء وغير الابرياء ، ومن هنا كانت لدى الاخوان الفتاوي الجاهزة مسبقا في رسائل ابن عبد الوهاب وكانوا يبادرون الي تطبيقها بدون اذن عبد العزيز ليتحمل هو النتائج السلبية او الإيجابية، ولان هذه النتائج تؤثر علي مركزه بل وربما مستقبله وتؤثر علي حقوق الدول الاخري وتحتم علي النفوذ الانجليزى ان يتدخل، فاضطر عبد العزيز للتدخل ضد عقيدة الاخوان ، فأصبح طبقا للوهابية نفسها متهما بأنه يوالي الاعداء المشركين ،ويفزعون للعلماء الذين علموهم (الدين ) فيظهر عجز العلماء عن الاجتهاد بما يلائم العصر ويجعلهم يتفقون مع الاخوان في الاساسيات .وتتحول الخلافات بين عبد العزيز والاخوان من خلافات فقهية الي معارضة سياسية ،ثم تتحول الي معارضة مسلحة وحرب اهلية ، كأن التاريخ يكرر نفسه .

ومن عادات التاريخ السيئة انه فعلا يكرر نفسه احيانا .خصوصا في نجد .

 

 مشكلة ( الأمر بالمعروف وتغيير المنكر ) فى الوهابية النجدية

أولا : الأرضية الثقافية للإختلاف فى موضوع ( الأمر بالمعروف وتغيير ) بين عبد العزيز والاخوان النجديين :

 1-قام التكوين الفقهي للاخوان علي اساس الامر بالمعروف و النهي عي المنكر ، ليس مجرد ( النهى عن المنكر ) بل إغتباره جهادا يستلزم ( تغيير المنكر ) بالسيف والقتل والإكراه والإجبار . لذا نقول ( تغيير المنكر ) وليس مجرد الانكار عليه . ألأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى الاسلام هو مجرد نصيحة قولية ، يتناصح بها المسلمون جميعا  ، دون أن يتخصص بها طائفة تعظ الناس ولا يعظها الناس . وبالتالى فإن التناقض هائل بين (الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ) فى الاسلام ، وأن تقوم طائفة بقتل من يخالفها فى الرأى والمذهب ، كما يعتنق الوهابيون . المذاهب السنية المعتدلة لا تقول بهذا العنف فى التغيير ، والتصوف على النقيض من السنّة يؤمن أهله بعدم الاعتراض ، وترك كل إنسان وحاله وعدم الانكار على العاصى والمخالف فى الدين والمذهب ، وهذا هو الذى ساد ثلاثة قرون من سيطرة التصوف قبل ظهور محمد بن عبد الوهاب . جاءت الوهابية برؤيتها الدموية الجهادية فى تغيير المنكر وفى الإلزام والإكراه على ما تعتبره الوهابية معروفا ، فأقامت مذابح تحت شعار الجهاد وتغيير المنكر ، وأحدثت تيارا قويا من الانكار على الوهابيين فى الدولة السعودية الأولى . وفي تأسيس عبد العزيز للدولة السعودية الثالثة الراهنة ظهر التعارض بين عبد العزيز واخوانه النجديين فى مدى التطبيق لتغيير المنكر واستمرارية الجهاد فى سبيله ، وتحول الخلاف الفقهي الي اقتتال حربي بين فريقين يشتركان في نفس المنهج العقيدي و الفقهي .وفي الظروف العادية قد يمكن حل الخلاف السياسي و الفقهي سلميا ، اما في ظروف نجد في عصر عبد العزيز فقد ادي فهم الاخوان للامر بالمعروف وتغيير المنكر الي طريقة تتعارض مع الفهم السياسي لعبد العزيز ، و من هنا تحول الاساس الذي قامت عليه الدولة السعودية  ـــ وهو الامر بالمعروف و تغيير المنكر  ـــ الي اساس لمعارضة كادت ان تقضى علي الدولة . .

2- ان الخبرة التاريخية لاهل نجد و عزلتهم الجغرافية و طبيعتهم القتالية و توجسهم من الغرباء جعلهم اسرع في اللجوء الي السلاح في حسم الخلافات السياسية والعقيدية . وقد بدأ ذلك في الفتنة الكبري في القرن الاول الهجري ، وظهر واضحا في موقف اعراب نجد من الخليفة عثمان و من الخليفة  علي بن ابي طالب وخروجهم عليه في صفين، ومع انقراض الخوارج و تشتت القبائل النجدية وحلول قبائل اخرى محلهم في نجد الا ان الطبيعة النجدية صهرت السكان بنفس الخصائص ،خصوصا مع الموقع الجغرافي و العزلة التاريخية و اعتياد الغارات بين القبائل و علي القوافل ، مما اعاد الي نجد الطبيعة الجاهلية التي كانت قبل  الاسلام .

3 ـ وعندما ظهرت الدعوة الوهابية اعتمدت على السلاح  ، ووجدت من أحاديث السّنة والترمث الحنبلى التيمى  ما يؤيدها نظريا و عمليا ، و في عصر الدولة السعودية الاولي كانت حواضر العالم الاسلامي تعيش علي التصوف وتستنكر الحنلية السنية المتشددة ، مما جعل الدعوة الوهابية إنقلابا فكريا مذهلا ، مع انها في حقيقة الامر لم تأت بجديد في تاريخ المسلمين العقيدي ، وكل ما هنالك انها ارجعت التراث السني ــــ فى صورته الحنبلية المتشددة ـــ ليحل محل التراث الصوفي المسيطر .وقد واجهت الدولة العثمانية ( المتأثرة بالتصوف ) وواليها فى مصر ( محمد على باشا ) الحركة الوهابية بمعارك حربية اسقطت الدولة السعودية سياسيا ، الا انها لم تستطع القضاء علي الدعوة الوهابية ، بل علي العكس ادت الي مزيد من انتشارها خارج الجزيرة العربية و ادت الي تجمع المؤمنين بها دون شقاق عقيدي او مذهبي . وحتي مع الشقاق الحربي بين السعوديين في الدولة السعودية الثانية فلم تتأثر الدعوة الوهابية بهذا السقوط . بل ادت الدعوة الوهابية الي يقظة فكرية نوعية وسط عالم صوفى مسلم عاش فى الجمود والتقليد قرنين وأكثر فبدأ النقاش والرد على الوهابية ، ولكن الصوفية عجزوا عن الدفاع عن خرافاتهم وتقديس أضرحتهم . مما أدى لانتشار الوهابية أكثر وجعلها تزعم أنها حركة إصلاحية ، مع أن أى حركة إصلاحية تقوم على الدعوة السلمية والإقناع العقلى وليس بالسيف والمذابح والاحتلال والإكراه فى الدين .. على أن الحملة الفرنسية وجهت الأنظار الى بديل إصلاحي مخالف للإصلاح الوهابى القائم على تغيير ما يعتبرونه منكرا بالقوة . هو الأخذ عن الغرب والتعلم منه . وهذا بدأ به الوالى محمد على الذى وقف موقفا اصلاحيا من كل القديم المتوارث ، ( الأزهر ، الجيش العثمانى ، المماليك ) وبدأ حركة اصلاح عسكرية أنشأت على هوامشها إصلاحات مختلفة فى النظام التعليمى المدنى والنهضة الصناعية وتأسيس اسطول وجيش مصرى حديث ، وتابع الخديوى اسماعيل هذا الاصلاح فوصلت أصداؤه الى جعل القاهرة قطعة من اوربا وانشاء مجلس نيابى ثم ـ فيما بعد ـ تكوين احزاب سياسية . وقد ترك محمد على الأزهر يأسا من إصلاح أشياخه ، ولكن النهضة الثقافية التى أسسها محمد على وطورها اسماعيل ما لبث أن تأثر بها الأزهر . والأزهر فى العاده يصحو متأخرا بعد فوات الأوان وهو متخصص فى حرب التجديد والاصلاح ، ثم يوافق عليه متأخرا بعد موافقة المجتمع عليه . هذه النهضة الاصلاحية المتوجهة للغرب أسّست التيار العلمانى ، وأدت فى النهاية الى ظهور مدرسة الامام محمد عبده فى اصلاح الأزهر وفى الدفاع عن الاسلام ضد الملحدين والمتعصبين من المستشرقين ، كما عمل محمد عبده على اصلاح المسلمين فكان ضد الخرافات الصوفية والتشدد السنى الحنبلى الوهابى ، وهذا يتضح فى الجزء الذى قام به فى تفسير ( المنار ). هذا التأثر بالغرب إزدادت وتيرته بالاحتلال الانجليزى لمصر ونفوذها فى المنطقة وهزيمة تركيا وسقوط الدولة العثمانية راعية التقليد والجمود . 

4 ـ   أي انه في الظروف التي صاحبت انشاء الدولة السعودية الراهنة في القرن العشرين (1902-1932)كانت هناك ثلاثة تيارات فكرية سائدة ، الفكر الوهابي الذي تعلمه الاخوان وفق المرجعية التي ارساها محمد ابن عبد الوهاب والتي تحارب لتدمر ما تراه مخالفا لما كان عليه السلف السنى والحنبلى خصوصا ، ثم علي النقيض الفكر العلماني الذي يريد الفصل التام بين الدين و الدولة و الاعتماد التام  علي الغرب، ويقع في المنتصف مدرسة الامام محمد عبده التى كانت تحاول الاجتهاد في ايجاد صورة اسلامية تعايش المستجدات و تفهم النصوص الشرعية من خلال المقاصد الشرعية و اهدافها الكلية دون التوقف الحرفي مع تفسيرات السابقين من الائمة ، علي اعتبار انهم قد اجتهدوا لعصرهم  و نحن اولي بالاجتهاد لعصرنا..هذا مع وجود أغلبية من ( العالم الاسلامى ) واقعة فى إدمان التصوف وخرافاته ، وأقلية شيعية كانت ولا تزال تتلطم الخدود وتشق الجيوب استنكارا لبيعة السقيفة ومواقع الجمل وصفين وكربلاء .

5 ـ   و من هنا اختلفت ظروف عبد العزيز عن ظروف الدولة السعودية الاولي ، اذ كان عليه ان يتعامل مع عصر مختلف سياسيا و فكريا بنفس درجة الاختلاف بين القرن الثامن عشر و القرن العشرين .و يتضخ من سيرة عبد العزيز أنه كان مرنا فى سياساته ، وهذه المرونه كانت تحتاج الى تقعيد فقهى معتدل ، أى مدرسة فقهية وهابية أكثر تفتحا تناصره فى سياساته وتفلح فى ترشيد الإخوان لتعمل سيوفهم وفق مراده .

 حافظ وهبة كان الوحيد الذى كانت له هذه القدرة فى المجموعة المحيطة بعبد العزيز . ولكن دوره إنحصر فى المشورة طبقا لوظيفته الرسمية ، ولم تكن له سُلطة على الاخوان ، ولكن  كان له تأثير ملموس فى تفكير عبد العزيز. كان حافظ وهبة  من تلاميذ الامام محمد عبده ، صحيح أنه تنكب طريق استاذه الامام محمد عبده وعمل لصالح عبد العزيز ( الوهابى ) وهو الأعرف برأى محمد عبده المناقض للوهابية ، ولكن من يقرأ بامعان ما كتبه حافظ وهبه يجد أنه لا يزال يحتفظ فى داخله بقبس من تنوير محمد عبده ، ويتراءى هذا بين سطور حافظ وهبة فى نقده للإخوان ، وربما كانت نصائح حافظ وهبة أثر فى إقتناع عبد العزيز بأنه على حق فى وقوفه ضد الاخوان وتزمتهم الوهابى بما يعوق سياسة عبد العزيز فى التصالح مع مخترعات العصر الحديث وفى التعامل مع الانجليز والمصريين.

عبد العزيز ( الوهابى ) كان من الممكن أن يجد صعوبة فى الخروج على العقلية الوهابية ، إلّا أنه كان لديه إستعداد لقبول الجديد ،ووجد فى مستشاره المصرى حافظ وهبة عضدا له ، وبذلك واجه عبد العزيز الاخوان النجديين وعلماء الوهابية معتقدا أنه على الحق أكثر منهم . هذه هى الأرضية الثقافية التى جرى حولها إختلاف الرؤى فى موضوع ( الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ) بين عبد العزيز والاخوان النجديين .

التأثير السياسى لحديث ( من رأى منكم منكرا فليغيره )

1 ـــ حديث  ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده .. ) إخترعه الفقهاء الحنابلة فى ظل صراعهم مع السلطة العباسية ، والاضطهاد الذى حدث لابن حنبل  فى عهد الخليفة المأمون واخيه الخليفة المعتصم ، وقتل الفقيه الناشط ( أحمد بن نصر الخزاعى ) فى عصر الخليفة هارون الواثق . هذا الحديث يؤسس تشريعا سُنّيا جديدا يعطى سلطة الامر والنهي والتغيير باليد  الي الافراد ، و بالتالي فان من حق أي شخص ان يكون ـــ وفقا لتشريع هذا الحديث ـــ  أن يبادر بتغيير ما يراه منكرا ، بما يعتبره السلطان إفتئاتا على سلطته وتدخلا فى هيمنته على الأمر و على حُكم ( الرعية ). وأوجد هذا فيما بعد تخريبا للعراق فى العصر العباسى الثانى ، حين إنضم للحنابلة مئات الألوف من العوام ، وسيطروا على الشارع فى العراق وفى بغداد بالذات ، وإستأصلوا المعتزلة وإضطهدوا الأشاعرة وهم سنيون أيضا . وحاربوا الشيعة والصوفية . وكان لهم دور ـــ بالفوضى التى أحدثوها ـــ فى سقوط بغداد أمام المغول . ثم برز الفقيه الحنبلى ابن تيمية فى القرن الثامن يرفع هذا  الشعار فى العصر المملوكى ضد الشيعة والصوفية فى وقت سيطر فيه التصوف على الحياة الدينية للمسلمين فتعرض ابن تيمية وأعلام مدرسته للاضطهاد ، ولقى تلميذه المتأخر البقاعى فى القرن التاسع الهجرى بعض الاضطهاد .

2 ــ فاذا جئنا الي نجد و طبيعتها المتشددة و قبائلها المتحاربة كان من السهل ان يزعم كل شخص حقا في السلطة يؤكده بسلاحه الذي يحمله . فإذا وجد ايدلوجية دينية وحديثا يأمر بتغيير المنكر فان النزاع حتمى بين الحاكم و بين أولئك الافراد خصوصا اذا كان لهم سطوة و نفوذ داخل الدولة و اسهموا في اقامتها .

وهنا أساس الأزمة ، فحديث ( من رأى منكم منكرا فليغيره .. ) قد صيغ ليكون مبررا تشريعيا للمعارضة ضد سلطان قائم ، فإذا كان السلطان القائم وهابيا فإن هذا الحديث يستخدمه  الوهابيون الطموحون للمشاركة فى السلطة وللمزايدة على السلطان الوهابى القائم ، وبالتالى يكون وسيلة للإنشقاق والتفرق والصرع داخل الوهابيين أنفسهم ، من هو فى السلطة ومن هو خارجها . ولهذا فإن الشقاق والتفرق والصراع يصاحب أى مشروع سياسى تتبناه وترفعه أى حركة وهابية ، سواء فى مرحلة المعارضة والثورة أو فى قيام الدولة . نرى هذا فى علاقة الاخوان النجديين بسيدهم عبد العزيز ، ونراه حاليا فى حركة الاخوان المسلمين المصرية وإنقساماتها ، وما خرج من عباءتها من حركات سرية وعلنية ، كلها تعتنق الوهابية وتتبنى نفس الشعار ولها نفس الأهداف ونفس المرجعية ولكنها تزايد على بعضها حتى قبل وصولها للسلطة ، ومتى وصلت للسلطة تحولت المزايدة الى صراع سياسى ثم حربى ، وكل فصيل يرى الآخر الوهابى ( منكرا ) يجب ــ بالشريعة الوهابية السنية تغييره وإزالته .

3 ـــ   ونعود الى الاخوان النجديين ومصطلح المعروف و المنكر و قد فهمه الاخوان (حسبما تعلموه في المهجر ) فهما تقليديا يناسب عصر ابن الوهاب ومذهبه والطبيعة النجدية ، و بالتالي يحتاج الي اعادة نظر حين يتطلب الامر تطبيقا سياسيا  علي ارض الواقع  ، و هذا التطبيق الواقعي يحتاج الى اجتهاد سُنّى يخرج عن تزمت الوهابية والحنبلية الى رحاب المذاهب السنية الأخرى المعتدلة والتى صاغت أحاديث سنية تحتم طاعة الحاكم.  كان يمكن اللجوء اليها للتخفيف من غلواء الوهابية  وتعطى السلطة السياسية للحاكم ( الوهابى ) عبد العزيز . وحيث ان ذلك الاجتهاد لم يكن موجودا فان الاختلاف في تحديد ماهية الامر بالمعروف و النهي عن المنكر احتدم بين الاخوان و بين عبد العزيز في القضايا السياسيةو الفقهية ،وتحول الخلاف الي معارضة مسلحة .وصاحب القوة هو الأقوى فى الحُجّة ، فالاحتكام للسلاح هو الذى يفرض ( الحق ) وهو الذى يعطى الشرعية السياسية طبقا للوهابية . وبهذا يستمر الصراع يغذيه حديث تغيير المنكر.

4- وزاد من حدة الخلاف بين الفريقين الاختلاف في تحديد الاوليات لدي كليهما ،ذلك الترتيب الذي تأثر بالفجوة بين رؤية عبد العزيز السياسية ورؤية الاخوان الفقهية الحرفية للامر بالمعروف وتغيير المنكر ، فالأخوان يرون الامر بالمعروف وتغيير المنكر ثوبا فضفاضا يتسع لإلغاء  وتكفير وتدمير كل ما يخالفهم وكل ما لا يعرفونه، يبدأ بإلغاء وتكفير المختلف في الدين من اهل الغرب الانجليز ،وحين اسلم احدهم وهو فيلبي الذي كان مستشارا للملك عبد العزيز ، فإن إسلامه لم يكن يعفيه من الكراهية والمقت لأنه مع تظاهره باسلامه واعتناقه الوهابية كان مختلفا ، وأهل نجد لايأمنون للغريب خصوصا إذا أتى من الغرب .وتمتد هذه الكراهية الي كل ما يأتي من الغرب من مخترعات لا يعرفونها مثل السيارة واللاسلكي والتليفون والموتوسيكل ،ثم يمتد الالغاء الي المختلف  في المذهب مثل شيعة الاحساء، فكل ما يفعلونه منكر يجب ازالته ،وهم ايضا منكر يجب ابعاده او ادخاله في المذهب الوهابي ،ثم يمتد الامر ليشمل الوهابيين  انفسهم الذين هم من خارج الاخوان ،اذ يجب عليهم ان يهاجروا الي المهجر كالأخوان ويرتدوا العمامة دون العقال التقليدي ..اذن هي سلسلة من النفي والالغاء تبدأ بالغرب وتنتهي بأهل المذهب الوهابي انفسهم طالما لا يلتزمون ببعض الشكليات السطحية ..الا ان تلك الشكليات السطحية وغيرها تمثل اولوية في التفكير الاخواني ،واهم معالم الامر بالمعروف وتغيير المنكر لديهم .

اما رؤية عبد العزيز الواقعية فهي تستعمل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى ضوء المصلحة السياسية ، وفى خدمتها ، وبحيث لا تعلو على سلطانه وسلطاته . وباعتباره حاكما له اعوانه ومستشاروه ولديه كل المعلومات المعروف منها والمحظور اعلانه ،وباعتباره حاكما يراعي الحقائق السياسية الداخلية والاقليمية والدولية ويتحرك في اطارها فان حركته في اقامة المعروف وتغيير المنكر  لا يمكن ان تستجيب لرؤية الاخوان المخالفة له فى التعامل مع الشيعة في الاحساء والوهابيين في المدن او في التعامل مع الانجليز والمسلمين الاخرين في مصر والشام والعراق والحجاز ،ومن هنا كانت اولوياته في اقامة دولته ونجاحها في توسعاتها ومواجهة مكائد اعدائها ، وليس من أولوياته التمسك بحرفية الرؤية الوهابية .

5 ــ والامر بالمعروف وتغيير المنكر يعنى مواجهة المحتلف أو الآخر فى الداخل ، كما يعنى الجهاد ضد الآخر المختلف فى الخارج .وقد إستعمله عبد العزيز بسيوف الاخوان حتى حقّق مراده ، وإستعاد ما كان بعتبره ملك آبائه . وهذه هى أولى أولويات عبد العزيز .ولكن الاولوية المطلقة في حركة الجهاد لدي الاخوان هي التوسع في الداخل والخارج ،وهذا ما فعلته الدولة السعودية الاولي في تحركاتها في العراق والشام في عصر لم تكن قد تميزت وترسخت الحدود السياسية …ولأن التكوين الفقهي للاخوان اعتمد علي تراث الشيخ ابن عبد الوهاب المكتوب في تلك الفترة بنفس اعتماده علي تاريخ السعوديين في دولتهم الاولي فأنهم لم يستوعبوا التطور الجديد الذي جاءت به التوازنات الدولية بعد الحرب العالمية الاولي، حيث سيطرت انجلترا و فرنسا علي الشام و العراق و مصر و سواحل الخليج ، و اصبح لانجلترا بالذات الكلمة العليا في المنطقة ، فهي التي تخط الحدود  وهي التي تقيم الدول ، او تسقطها كما اسقطت الدولة العثمانية ، وتتدخل في كل صغيرة و كبيرة تري ان لها مصلحة فيها .. وهذا ما أدركه عبد العزيز بحكم فهمه لحقائق الوضع السياسي و تحتم عليه ان يتعامل مع الانجليز(الكفرة) من اجل مصلحته، بل عليه ان يتوقف بالجهاد عند الحدود التي يتفق معهم عليها خلال المفاوضات بينما تعنى المفاوضات لدي الاخوان  منكرا  يجب ازالته ضمن اهم الاولويات .

6- علي ان هذا الخلاف بين الرؤيتين لم يمنع وجود بعض الاتفاقات او التنازلات بين الطرفين ، ولكل منها ظروفه، فقد استجاب عبد العزيز مؤقتا لطلب الاخوان  فيما يخص منع اللاسلكي واتفق معهم في منع المحمل المصري ، و في غزوهم للحجاز، كما انه انشا هيئة الامر بالمعروف في الحجاز بعد فتحه فأتعبت أهله . و من تتبعنا لمواقفه مع معارضة الاخوان يتاكد لنا انه كان يحاول تفادي الضرر و تفادي الاصطدام معهم بقدر ما يستطيع ادراكا منه الي ان تكويهم الفقهي الذي رباهم عليه هو الذي دفعهم الي هذا التشدد ، و لعل اتفاق العلماء معهم في بداية معارضتهم له جعله يدرك حاجته الي علماء من نوع اخر يوافقونه ويصيغون له من الفتاوى ما يتفق مع اجتهاده السياسي  .

ونعطي تفصيلات تحليلية عن معارضة الاخوان لعبد العزيز تلك المعارضة التي قامت اساسا علي التكوين الايدولوجي للاخوان .

 

 

 فكر إبن عبد الوهاب مصدر البناء الايدلوجي للاخوان

لمحة فى البداية

1 ـ سبق ان تعرضنا لتقرير تاريخي عن بناء ابن سعود للاخوان ،من حيث التوطين ،وتكوين الاخوان ماديا ،وتأسيس الهجر او المستوطنات ،والنظم الادارية فيها وخارجها ..الخ .وهذا هو الشكل الخارجي الوصفي الذي يهتم به البحث التاريخي . أما باحث العقيدة فيهتم بالبناء والتكوين الأيدلوجي الذي يحكم تصرفات الاخوان مع انفسهم وقائدهم الاكبر ابن سعود ،ومع الاخر المختلف معهم في المذهب والطائفة (من المسلمين )او المختلف معهم في الدين (النصاري والانجليز ).  قام عبد العزيز بتكوين الاخوان ماديا في مستوطنات وترتيبات ادارية جديدة وربما حديثة ،و اعتمد في بنائهم الايدولوجي علي فكر محمد بن عبد الوهاب .

2 ـ وعلى هامش تأسيسه لمملكته فإن  عبد العزيز  هو صاحب الأثر الأكبر فى نشر الوهابية فى العالم ، وفى إحتكارها لاسم الاسلام . عبد العزيز هو المسئول عن إجهاض مدرسة الامام محمد عبده المستنيرة المخالفة للوهابية والتى كان ممكنا ــ لو إستمرت ـ أن تقضى على الوهابية وتفضح تناقضها مع الاسلام . ظهر الامام محمد عبده في مصر  ، بثقلها السياسى والحضارى وريادتها فى المنطقة ، ظهر كأكبر مجتهد في اواخر القرن 19 و اوائل القرن العشرين ،ولكنه مات 1905 أي قبل تكوين الاخوان بخمس سنوات ،وبعد موت محمد عبده تحالف تلميذه السورى رشيد رضا مع عبد العزيز آل سعود ليحقق أمل عبد العزيز فى تحويل مصر من تدينها الصوفى السنى المعتدل الى الوهابية ليأمن خطر مصر لو وقفت فى صف العداء ضده . كان رشيد رضا مهندس تأسيس الجمعيات السلفية فى مصر ثم الاخوان المسلمين ، عوضا عن الاخوان الوهابيين النجديين . أدرك عبد العزيز بعد فتح الحجاز خطر الاخوان الوهابيين النجديين فعمل بعد سيطرته على موسم الحج على نشر الوهابية فى مصر ، وتكوين ( إخوان وهابيين مصريين ) يستفيد منهم فى جعل مصر وهابية وفى نشر الوهابية فى العالم ( الاسلامى ) دون أن يكونوا خطرا على مملكته كالاخوان النجديين . وانتشرت الوهابية فى مصر تحت مسمى السلفية والسُّنيّة  من خلال الجمعية الشرعية و الشبان المسلمين وأنصار السُّنّة . وتجنبوا إسم الوهابية الذى كان ممقوتا وقتها فى مصر وخارجها . ثم أسّس رشيد رضا ( الاخوان المسلمين ) وجعل رئاستها لشاب نشيط من ( الشبان المسلمين ، وهو ( حسن البنا ) ، وهى حركة سياسية وهابية تسعى للوصول للحكم باسم الاسلام . وتواجه باسم الاسلام الأحزاب المصرية العلمانية على إختلاف توجهاتها . والجديد الذى أضافه الأخوان ( المسلمون ) ــ وما ظهر من تنظيماتهم وما بطن ــ أنهم أقنعوا العالم بأن حركتهم السياسية الوهابية ـ هى ( حركة إسلامية ) . ومن وقتها وحتى الآن تعارف الناس على لصقهم بالاسلام ، وتسميتهم  ( إسلاميين ) وظهرت مصطلحات ( الاسلام السياسى ) ومرادفاته ، وإختفى تماما الأصل  الوهابى للإخوان ( المسلمين ) . هذا مع أن ما يؤمن به الاخوان المسلمون فى مصر وغيرها ـــ وفى سائر الحركات والتنظيمات السرية والعلنية والدعوية والسياسية ـــ هو نفس ما كان يتعلمه الاخوان النجديون فى ( الهجر ) فى عهد عبد العزيز . هى نفسها تعليمات محمد بن عبد الوهاب . نفس التعليمات التى أسّس بها عبد العزيز مُلكه ، ونفس التعليمات التى ينظر بها الاخوان ( النجديون والمصريون ) للمختلف معهم ، سواء كان من نفس الدين أو نفس المذهب ، أو من غير الدين . وأدى البترول وتشعُّب الاخوان المسلمين فى العالم الى تصدير الوهابية للغرب ، وبنفس تعاليم محمد بن الوهاب التى تحمل إسم الاسلام زورا وبهتانا .

3 ــ وربما أكون الوحيد الذى تصدى من منتصف الثمانينيات ( 1985 ) لتوضيح التناقض بين الوهابية السنية والاسلام . كان ذلك فى خمسه كتب قررتها عام 1985 على الطلبة فى جامعة الأزهر ، وانتهى الأمر بتركى جامعة الأزهر بعد عامين من المحاكمات ، ثم دخولى مع الجيل الأول من القرآنيين السجن . كل ذلك عام 1987 . وكل ذلك بسبب النفوذ الوهابى السعودى فى مصر. والآن تبدأ الجولة الثانية من الاضطهاد باعتقال عشرات الأحبة من أهل القرآن ، توطيدا لاعتقالى . كل ذلك لأننى نجحت فى إحياء مدرسة الامام محمد عبده الاجتهادية التى أجهض عبد العزيز دورها . ولا زلنا نمارس هذه المهمة فى تصحيح واصلاح المسلمين من داخل الاسلام نفسه وبالاحتكام الى القرآن الكريم . وهذا هو أكبر الأخطار على الوهابية والدولة السعودية .

4 ـ نعود الى  ودور عبد العزيز الوهابى فى تعليم الإخوان النجديين التعاليم الوهابية .فماهي اسس الفكر الوهابي التي تشربها الاخوان النجديون واثرت في حركتهم مع ابن سعود وضد ابن سعود ؟. يمكن ايجاز هذه الاسس في العناصر الآتية :كراهية الاخر ،تكفيره واستحلال دمه وماله .ونبحثها فى دراسة مقارنة بالاسلام لتوضيح التناقض بين الوهابية والاسلام

أولا : كراهية الآخر بين الاسلام والوهابية  :

فى الاسلام : فى التعامل الخارجى

1 ـ يتحدث القرآن عن كراهية المشركين المعتدين للمؤمنين المُسالمين ، يقول جل وعلا  (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8)  ( لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُعْتَدُونَ (10)التوبة )

2 ـ فى مقابل كراهية هذا المعتدى للمسلمين المُسالمين فإن المؤمنين مأمورون  ليس كراهية هذا العدو الباغى بل عدم التودد اليه ، يقول جل وعلا : ( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ  ) (22  المجادلة ). وهناك أمر آخر وهو عدم التحالف مع المعتدى الذى: يقاتل المؤمنين بسبب إختيارهم الدينى ، والذى أخرج المؤمنين المُسالمين من ديارهم ، والذى  ساند وأيّد هذا . يحرم  موالاتهم ضد عموم المسلمين ، يقول جل وعلا : ( إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (9)   الممتحنة 9: ) .

3 ـ  أمّا المشرك الذى لا يعتدى على المؤمنين ولم يقاتلهم ولم يخرجهم من ديارهم  فيجب معاملته بالبر والقسط لأن الله جل وعلا يحب المقسطين ( لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) الممتحنة ).

4 ـ ومفروض التعامل بالعدل مع  من نخاصمه ، يقول جل وعلا : (  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)  المائدة )

5 ـ وأن نتسابق فى الخيرات مع أهل الكتاب المُسالمين ، ثم ننتظر الحكم علينا وعليهم يوم القيامة ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) المائدة )، أما أهل الكتاب المعتدين من اليهود والنصارى فيحرُم أن نتحالف معهم أو نواليهم فى إعتدائهم على المسلمين المُسالمين ومن يتحالف معهم ويواليهم فهو ظالم مثلهم : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)  المائدة )

  فى التعامل الداخلى  .

1 ـ فى التعامل داخل الدولة الاسلامية ، حيث يكون جميع الأفراد مُسالمين فى السلوك فإن تقسيمهم ليس على حساب الدين بل حسب الوضع الاجتماعى والاقتصادى . يقول جل وعلا : (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً (36) النساء ). الاحسان هنا  للوالدين والأقارب واليتامى والمساكين والجيران وابن السبيل الغريب . لم يقل جل وعلا الجار المسلم أو اليتم الكافر أو القريب المنافق . لا توجد تصنيفات دينية أو مذهبية. ولكنها تصنيفات اجتماعية واقتصادية ، يكفى أن تكون فقيرا أو مسكينا أو جارا أو يتيما لتنال حقك من الاحسان . ، ونفس الحال فى توزيع الصدقات المالية : (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60) التوبة ) وفى توزيع الغنائم : (  وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41)  ) الأنفال ) وفى ما يفىء الى بيت المال : (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)   ) الحشر ) . و من صفات الأبرار الذين يؤتون المال على حبه : (  وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ )(177) البقرة )

2 ـ ومنه ردُّ التحية بأحس منها أو مثلها ، ليس مهما من بدأ بالتحية ، وليس مهما ضيغة التحية باللسان أو بالاشارة ، أو بأى لغة ، يقول جل وعلا : ( وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (86) ( النساء ). يعنى لو حيّاك يهودى فقال ( شالوم ) أو مسيحى قال بالفرنسية أو الانجليزية كذا ، فيجب أن ترد عليه التحية بمثلها او أحسن منها ، والله جل وعلا سيحاسبك على كل شىء .

3 ـ والتعامل مع المخالف لك فى الدين يجب أن تصفح عنه وتغفر منتظرا حكم الله جل وعلا عليك وعليه ، يقول جل وعلا :  (وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85)  الحجر ) (  وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ (88) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (89) ) الزخرف ) (  قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15) الجاثية ). إذا واجهك باللغو يجب أن ترد عليه بالسلام : يقول جل وعلا : (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً (63)  الفرقان )(  وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55) القصص ) .

4 ـ وعلي هذا الاساس سارت سيرة النبي الحقيقية، وقد وصفه رب العزة بالرحمة ، وبسبب رحمته تجمعوا حوله حبا فيه : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) (159) آل عمران ) ووصفه رب العزة  ببالرحمة فقال  جل وعلا : (وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ  ) (61)(  لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) ) التوبة ) وأرسله جل وعلا رحمة للعالمين (  وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)) الأنبياء )

كراهية الآخر فى العقيدة الوهابية

1 ـ على النقيض من ذلك جعل ابن عبد الوهاب  كراهية الآخر أساسا فى العقيدة الوهابية بعد أن إحتكر لنفسه الاسلام ، وحصر الاسلام فى آرائه التى صارت فيما بعد معروفة بالوهابية ومن ينكرها فهو كافر مكروه مبغوض يجب قتله وقتاله واستحلال ماله ونسائه . و أفتي بكراهية الاخر ليس فقط من اهل الديانات الاخرى ،ولكن المختلف فى المذهب داخل المسلمين ،أي ممن اسماهم المشركين ،داخل الجزيرة العربية وخارجها، من الصوفية والشيعة ،في اطار الصراع السني والحنبلي التيمي الوهابي مع الصوفية ،وعلي هذا الاساس كان فهمه لآيات القرآن التي تتحدث عن المشركين ،فالمشركون عنده هم  المسلمون الصوفية والشيعة والسنيين غير الوهابيين ، ولا فارق إن كانوا مسالمين أم معتدين . يكفى أن لا يكونوا وهابيين ليكرههم الوهابيون ولتكون هذه الكراهية عنصرا من عناصر الايمان الوهابى . يقول ابن عبد الوهاب (ان الانسان لا يستقيم له اسلام ولو وحّد الله وترك الشرك الا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغض )[1]، أى مهما كان المسلم خالص الدين والقلب والعبادة لله جل وعلا وحده فإن دينه لا يستقيم إلا بأن يضيف الى قلبه كراهية المشركين (غير الوهابيين ) ، وأن لا يكتفى بالكراهية القلبية بل عليه أن يعلنها ، وأن يصرّح لهم بالعداء .وبالتالى فالذى لا يكره الآخر لا يستقيم إيمانه فى الوهابية .

2 ـ  ويربط بين الكراهية والتكفير للاخرين فيقول (فالله الله يا اخواني تمسكوا باصل دينكم واوله واخره وأُسُّه ورأسه شهادة ان لا اله الا الله واعرفوا معناها ،واحبوها واحبوا اهلها واحبوا اخوانكم ،ولو كانوا بعيدين ، واكفروا بالطواغيت وعادوهم وابغضوا من احبهم او جادل عنهم ،او لم يكفرهم او قال :ما كلفني الله بهم ،فقد كذب هذا علي الله وافتري ،فقد كلفه الله تعالي بهم ،وافترض عليه الكفر بهم والبراءة منهم،ولو كانوا اخوانهم واولادهم، فالله الله تمسكوا بذلك لعلكم تلقون ربكم لا تشركون به شيئا ،اللهم توفنا مسلمين )[2].  ويؤكد نفس المعني في الربط بين الكراهية والتكفير للاخر ،فيقول (فاذا قيل لك ايش دينك ؟فقل ديني الاسلام واصله وقواعده امران :الاول الامر بعبادة الله وحده لا شريك له والتحريض علي ذلك والموالاة فيه ،وتكفير من تركه ،والثاني الانذار عن الشرك في عبادة الله والتغليظ في ذلك والمعاداة فيه وتكفير من فعله )[3]ويقول (ان من وحد الله وعبد الله لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم )[4] وقال عن معني اكفروا  بالطاغوت (ان تعتقد بطلان عبادة غير الله ،وتبغضها وتكفر اهلها وتعاديها )وقال عن معني الايمان (ان تعتقد ان الله هو الاله المعبود وحده دون سواه وتخلص جميع انواع العبادة كلها لله ،وتنفيها عن كل معبود سواه وتحب أهل الإخلاص وتواليهم ،وتبغض اهل الشرك وتعاديهم )[5].والموالاة في تشريع القرآن تأتي بمعنى التحالف الحربي عندما يعتدي المشركون علي المسلمين المسالمين وليس بالاعتداء علي المسالمين المختلفين في العقيدة ، ولكن دعا ابن عبد الوهاب الي كراهية الاخر المختلف معه في العقيدة والمذهب حتي ولو كان مسلما مسالما ، وقد نفذ الاخوان هذه التعليمات بدقة ،اذ كانوا لا يسلمون علي غير الوهابيين ،ولا يردون عليهم السلام . وحين خرجوا على عبد العزيز رفض ابن خثيلة أن يلقى عليه السلام . وقد سبق هذا فى التقرير التاريخى .

ثانيا : تكفير الآخر واستحلال دمه وماله وبلاده بين الاسلام والوهابية

1 ـ من الكلمات الكثيرة الورود فى القرآن الكريم : الكفر والشرك ، ومرادفاتها من الفسق والظلم والبغى ، ومشتقاتها كلها . وهذه كله يعنى التكفير . ولكنه تكفير يهدف الاصلاح ، بمعنى توصيف لأفعال وعقائد وممارسات الكفر والشرك ، وفى المقابل توصيف للإيمان والتقوى والاخبات والبر والاحسان والعدل ..والبشر لهم الاختيار بين هذا وذاك ، وحسابهم مؤجل الى يوم الدين . وفى القصص القرآنى عن الماضى ( قصص الأنبياء وأقوامهم ) وعن الحاضر ( أى وقت نزول القرآن ) جاء وصف الكافرين بأفعالهم وسلوكياتهم فى إطار التصحيح والدعوة للهداية ، مع الأمر بالاعراض عنهم ، والانتظار للحكم عليهم وعلى المؤمنين يوم القيامة .

 2 ـ وما جاء فى القرآن  (الرسالة الالهية الخاتمة للبشر الى قيام الساعة ) توصيف للكفر ومرادفاته وإشتقاقاته ينطبق على من سيأتى يكرر نفس أفعال الكفار قبل وأثناء نزول القرآن الكريم . وهذا إعجاز قرآنى نراه فى إنطباق صفات الكفر على الوهابيين وتعاليم ابن عبد الوهاب . فهذه الكراهية التى جعلها ابن عبد الوهاب من أُسُس الوهابية نراها فى مشاعر الكفار المشركين المعتدين فى عصر النبوة ، والذين وصفهم رب العزة بالاعتداء : (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8)  ( لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُعْتَدُونَ (10)التوبة ) وهو نفس الوصف لمشاعر المنافقين الذين منعهم خوفهم من قتل وقتال المسلمين فاكتفوا بالبغض القلبى ، وفضحهم رب العزة فقال يحذر المؤمنين منهم : (  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120) آل عمران )

3 ـ التكفير فى الوهابية هو الخطوة الأساس ليس للإصلاح ولكن للإعتداء والبغى . هو تكرار حرفى لما كانت تفعله قريش الكافرة التى إتهمت الرسول عليه السلام والمؤمنين بأنهم ( صبأوا ) عن دن الآباء والأسلاف . ونفس الحال مع الأعراب البدو الذين وصفهم رب العزة بأنهم أشد الناس كفرا ونفاقا . وفيما بعد جرت حركة الردة  يتزعمها مسيلمة الكذاب فى نفس المكان الذى عاش فيه ــ  فيما بعد  ــ محمد بن عبد الوهاب ، ومن نجد وما حولها ا بدأت وانتشرت حركات تكفيرية أخرى تجعل التكفير وسيلة للقتل والتدمير كحركة الزنج والقرامطة ، وكان يلى التكفير إقامة مذابح للمسلمين فى الجزيرة العربية والعراق والشام . ثم ظهر ابن عبد الوهاب ، وكان فى تحالفه مع ابن سعود نفس الشعار ( الدم الدم .. الهدم الهدم ) . وكان التكفير هو المسوغ الشرعى الوهابى للإعتداء على الجيران وقتالهم وإحتلال بلادهم . وبهذا قامت الدولة  السعودية الأولى . وبنفس تعاليم ابن عبد الوهاب قام عبد العزيز بإعداد  الأعراب ليكونوا ( الإخوان ). يحكمون اولا بكفر الآخر ثم يقاتلونه ويستولون على بلاده وثرواته. هذا هو الفارق بين التكفير بهدف الاصلاح و التكفير بهدف الاعتداء والقتل والبغى.

التكفير الوهابى للاخر :

حكم عبد الوهاب بكفر الشيعة كلها ،واعتبر بلادهم بلاد حرب ، وقال(وان كلهم يشهدون ان لا اله الا الله وان محمد رسول الله ويصلون الجمعة والجماعة ،فلما اظهروا مخالفة الشريعة في اشياء دون ما نحن فيه اجمع العماء علي كفرهم وقتالهم وان بلادهم بلاد حرب، وغزاهم المسلمون حتي استنقذوا ما بايديهم من بلاد المسلمين )[6].

وحكم بتكفير الجميع بمجرد كلمة ،مثل ابن تيمية ،يقول (ان الانسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل فلا يعزر بالجهل وقد يقولها وهو يظن انها تقربة لله كما يظن المشركون ) واستدل علي ما قاله الفقهاء السابقون في بيان حكم المرتد والمسلم الذي يكفر بعد اسلامه ،ثم ذكر انواعا كثيرة يترتب عليها الكفر واستحلال الدم والمال ،منها اشياء يسيرة عند من يفعلها مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه او كلمة يذكرها علي وجه المزاح [7] .

واتجه ابن عبد الوهاب الي اهل عصره ليحكم بكفرهم ويؤكد علي انهم اشد كفرا من الكفار السابقين يقول(ان شرك الجاهلين السابقين اخف من شرك اهل زماننا بأمرين ،احدهما:ان الاولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والاولياء والاوثان مع الله الا في الرخاء واما في الشدة فيخلصون له الدعاء ،كما قال تعالي [واذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون الا اياه ]،الامر الثاني :ان الاولين يدعون مع الله اناسا مقربين عند الله اما انبياء واما اولياء واما ملائكة ،او يدعون احجارا او اشجارا مطيعة لله ليست عاصية ،واهل زماننا يدعون مع الله اناسا افسق الناس)[8] .

واحتج علي علماء عصره الذين يسمون البدو مسلمين ويقولون بحرمة دمائهم واموالهم مع ان اولئك العلماء حسبما يقول عبد الوهاب يقرون بأن البدو تركوا الاسلام وانكروا البعث ويستهزئون ممن يؤمن بالبعث ، ويقول عبد الوهاب علي علماء عصره (ومع كل هذا يصرح هؤلاء الشياطين المردة الجهلة ان البدو اسلموا ولو جري منهم كل ذلك، لأنهم يقولون لا اله الا الله )ثم يقارن بينهم وبين المرتدين في خلافة ابي بكر ،ويجعل بدو عصره اكثر كفرا من المرتدين السابقين،ثم يقول عن العلماء (ثم يفتي هؤلاء المردة الجهال ان هؤلاء البدو مسلمون ولو صرحوا بذلك كله طالما قالوا لا اله الا الله ، سبحانك هذا بهتان عظيم ،ويحكي ان بدويا جاء إليه وسمع شيئا من الاسلام ،وقال (اشهد اننا كفار ) [9].

الوهابية واستحلال دم الاخر وماله ونسائه :

1 ـ ويرتبط التكفير باستحلال الدم والمال في فكر ابن عبد الوهاب ، ويربط في اسلوبه بين كلمتي (الكفار )ووصف (الذين قاتلهم رسول الله ) ليجعل الكفر مرتبطا باستحلال الدم حسب السّنّة ،وليفسر غزوات النبي بأنها كانت للاكراه في الدين واجبار المشركين علي الدخول في الاسلام خلافا لحقائق الاسلام التي سنعرض لها فيما بعد .

2 ـ ونعطي بعض امثلة لما تناثر بين سطور الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الربط بين الكفار واستحلال دمائهم: (القاعدة الاولي )من اربعة قواعد تميز بين المؤمنين والمشركين يقول عنها ابن عبد الوهاب (ان تعلم ان الكفار الذين قاتلهم رسول الله كانوا مقرين بان الله هو الخالق الرازق المحيي المميت ..وما ادخلهم ذلك الي الاسلام )والقاعدة الثالثة (ان النبي ص- ظهر علي اناس متفرقين في عبادتهم وقاتلهم النبي ص- وما فرق بينهم )[10].

واستدل بقوله تعالي ( وقاتلوهم حتي لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله )، وأوّل  معني الفتنة بالمفهوم التراثي السياسي الذي يعني الحروب والثورات ،مع ان معني الفتنة في هذا السياق القرآنى هي الاضطهاد في الدين فيما يخص علاقة الناس ببعضهم البعض ،كقوله تعالي عن المشركين الذين كانوا يضطهدون المؤمنين ويقاتلونهم ليجبروهم علي الرجوع الي عبادة الاسلاف (والفتنة اكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتي يردوكم عن دينكم ان استطاعوا: ) البقرة 217)وقوله تعالي عن تعذيب وحرق اصحاب الاخدود(ان الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم .:البروج10) وكقول بعض المنافقين للنبي يطلب منه  ان يأذن له بالتخلف عن المسير للجهاد الدفاعي ولا يجبره عليه( ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ،الا في الفتنة سقطوا :التوبة 49)أي ائذن لي ولا ترغمني علي الخروج . والفتنة في تعامل الله تعالي مع الناس هي الاختبار والامتحان ولذلك سقط المنافقون في امتحان الايمان فقال تعالي عنهم (الا في الفتنة سقطوا)وقال عن الابتلاء بالخير والشر (ونبلوكم بالخير والشر فتنة والينا ترجعون :الانبياء 35).

 ونتابع ابن عبد الوهاب وهو يعلق علي احد القضايا فيقول (فمن هذه المسألة التي وضحها الله في كتابه وهي ان المشركين الذين قاتلهم الرسول ص- يدعون الله تعالي ويدعون غيره في الرخاء )ويقول( اذا تحققت ان الذين قاتلهم رسول الله اصح عقولا واخف شركا من هؤلاء )[11].ويقول في تفسير كلمة التوحيد (ان تعرف ان الكفار الذين قاتلهم رسول الله وقتلهم واباح اموالهم واستحل نساءهم كانوا مقرين لله سبحانه وتعالي بتوحيد الربوبية وهو انه لا يخلق ولا يرزق ولا يحيي ولا يميت ولا يدبر الامور الا الله )..ومع هذا فلم يدخلهم ذلك في الاسلام ولم يحرم دمائهم ولا اموالهم ولكن الذي كفرهم واحل دمائهم هو انهم لم يشهدوا بتوحيد الالوهية ..الي ان يقول ..(وتمام هذا ان نعرف ان المشركين الذين قاتلهم رسول الله كانوا يدعون الصالحين فكفروا بهذا ..وهذا هو الكفر الذي قاتلهم عليه رسول الله )[12]. بتكرار قوله ( الذين قاتلهم رسول الله ) يحاول ابن عبد الوهاب التأكيد بأن الله جل وعلا أرسل رسوله لحرب العالمين وقتل العالمين وارهاب العالمين ، وليس رحمة للعالمين .!

واستدل ايضا بحرب الردة التي حدثت في خلاف ابي بكر وقد دارت اهم معاركها في نجد .وكان يقارن بين اولئك المرتدين والبدو في عصره وموطنه .ويجعل اهل عصره اشد كفرا من المرتدين ومشركي العرب الجاهليين [13]وبالتالي يستحقون القتل والقتال .ويقول ان الرجل اذا صدق رسول الله في شئ وكذبه في شئ فهو كافر وكذلك كمن آمن ببعض القرآن وكفر ببعضه ،ومن اقر بذلك كله وجحد البعض فقد كفر بالاجماع ،وحل دمه وماله، ومن صدق الرسول في كل شئ وانكر وجوب الصلاة فهو كافر حلال الدم بالاجماع .ومن رفع رجلا الي مرتبة النبي كفر وحل ماله ودمه ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة [14]. كل شىء ( فهو كافر حلال الدم .. وحل  ماله و دمه ) . هذا دين السفاحين وقُطّاع الطرق ، وليس دين الله الرحمن الرحيم . وبالتطبيق العملي لهذه الفتاوي فان الحكم عام باستحلال قتل الجميع وسلب اموالهم وانتهاك اعراضهم الجميع ما عدا اتباع محمد بن عبد الوهاب طالما لم يختلفوا فيما بينهم ،فاذا اختلفوا وعارض بعضهم بعضا فان تلك الفتاوي ستجد مجال عملها فيما بينهم.

علي ان هذه الفتاوي اتت اكلها في عصر الدولة السعودية الاولي وبها تحول الغزو الي ( جهاد اسلامي ) بناء علي تكفير اصحاب البلاد المجاورة واستحلال دمائهم واموالهم واوطانهم، ثم اعاد عبد العزيز زخم الفكر الوهابي حين انشأ علي اساسه الاخوان في القري او الهجر، حيث كانوا ينقطعون للعبادة والتدريب الحربي وحفظ مؤلفات ابن عبد الوهاب والاستماع الي دروس المطوعة ،وهم فقهاء نصف اميين تلقوا العلم علي ايدي علماء لا يسمع عنهم احد خارج الجزيرة العربية، ولكن اولئك العلماء هم الذين كونوا الايدولوجية الفكرية للاخوان ،وجعلوا فتاوي محمد بن عبد الوهاب تتحول الي واقع بالنار والدم في العقدين الثاني والثالث للقرن العشرين .

وكل ذلك يناقض الاسلام القائم على السلام والحرية والعدل والاحسان والتحذير من البغى والظلم والإكراه فى الدين

أخيرا : لمحة عن تشريعات الاسلام فى القتال :

نزلت آيات القرآن ترصد وتعلق على إعتداءات مشركى قريش الذين اخرجوا المسلمين من ديارهم واموالهم وأذوهم وقاتلوهم بسبب انهم اختاروا دينا غير دين الاجداد  ، وأول إذن الاهى بالقتال الدفاعى جاء فى حيثياته أن المشركين أخرجوا المسلمين المُسالمين من ديارهم وأموالهم ، وبعد هجرتهم ظل المسلمون المُسالمون فى المدينة  يواجهون الاعتداء الحربى من كفار مكة دون دفاع عن النفس . قال جل وعلا : ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الحج ). ولأنهم مُسالمون تعودوا الصبر على الأذى  ولم يتعودوا الدفاع عن أنفسهم فإن بعضهم رفض القتال الدفاعى وتمسك بالأمر السابق وهو ( كفّ اليد عن القتال ) فقال جل وعلا : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77) ( النساء )، أى طلبوا مُهلة لأنهم ( كرهوا ) الحرب الدفاعية مع أنها لحمايتهم من الإستئصال ، من عدو لا يزال يقاتلهم منتهزا فرصة عدم دفاعهم عن أنفسهم . لذا يقول جل وعلا عن فريضة القتال الدفاعى : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (216)   ) البقرة ) واستمر المشركون  فى الاعتداء على المسلمين فى المدينة حتى فى الأشهر الحُرُم ، فتحرج بعض المؤمنين من القتال الدفاعى فى الأشهر الحرم ، وسألوا النبى عليه السلام فى ذلك فقال جل وعلا: ( يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) البقرة  ). ونزل لهم فى نفس السورة أن يكون القتال دفاعيا فقط دون إعتداء لأن الله جل وعلا لا يحب المعتدين : (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) البقرة ). فإن كفّ المشركون عن إعتدائهم انتهى القتال معهم (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192)  البقرة ) وأن الهدف الأسمى من القتال الدفاعى هو منع الفتنة فى الدين ، أو منع الاكراه فى الدين أو منع الاضطهاد فى الدين ، حتى تتحقق الحرية الدينية ، ويختار كل إنسان دينه بحرية ويكون مسئولا عن هذا الاختيار يوم ( الدين ) أو يوم الحساب ، وبهذا يكون الدين كله لله ، بحرية البشر التى منحها الله جل وعلا لهم ، وبمسئولية البشر أما الله جل وعلا وحده يوم القيامة ، وهذا هو الهدف الأسمى للقتال الدفاعى : منع الفتنة وأن يكون الدين كله لله جل وعلا : ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193)  ) البقرة ) فإن انتهوا عن العدوان فلا عدوان إلا على الظالمين المعتدين فقط ، والله جل وعلا هو العليم بما يفعلون (  وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39)  ) الأنفال ). وليست الكراهية للعدو مبررا للإعتداء عليه . بل حتى ليس قيام العدو بصد المسلمين عن المسجد الحرام مبررا للعدوان عليه ، يقول جل وعلا : ( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)  المائدة ). التعاون هو على البر والتقوى . أما فى الوهابية فالتعاون على الُم والعدوان .

والحمد لله رب العالمين أن حفظ القرآن الكريم ليكون حُجّة على كل أعداء الاسلام الذين يستخدمون اسم الاسلام فى البغى والظلم والعدوان .

الهوامش

1-الشيخ محمد بن عبد الوهاب :كتاب كشف الشبهات ،و13 رسالة اخري .القاهرة .الطبعة الرابعة /1399.نشر قصي محب الدين الخطيب .رسالة ستة مواضع منقولة من السيرة 28.

2- رسالة تفسير كلمة التوحيد :35 .

3- رسالة تلقين اصول العقيدة للعامة :41.

4- رسالة ثلاث مسائل :42.

5- رسالة معني الطاغوت :43.

6- رسالة كشف الشبهات :12.

7- كشف الشبهات :5،12.

8-كشف الشبهات :10، رسالة تفسير كلمة التوحيد 35، رسالة اربع قواعد للدين 39.

9- رسالة ستة مواضع منقولة من السيرة :31،32.

10- رسالة الرابعة قواعد من الدين تميز بين المؤمنين والمشركين :37،38.

11- رسالة كشف الشبهات :10،11.وانظر ايضا 3،4،6،10.

12-رسالة تفسير كلمة التوحيد :34.

13- رسالة ستة مواضع منقولة من السيرة النبوية :31،32.

14- رسالة كشف الشبهات:12:11.

 

 

 

 انعكاس فكر ابن عبد الوهاب علي الخلافات بين الاخوان وعبد العزيز :

التحالف بين العلماء والاخوان ضد عبد العزيز :

لمحة

1 ـ الدولة الاسلامية الحقيقية التى أقامها خاتم المرسلين عليهم جميعا السلام ــــ والتى لا تزال أسُسُها فى القرآن الكريم ـــ هى دولة الديمقراطية المباشرة ، أو الدولة العلمانية التى يكون مصدر السلطة فيها هم الناس ، ويكون أولى الأمر هم أصحاب التخصص فى الأمر المعروض ، ويكون كل مسئول معرّضا للمساءلة لأن الله جل وعلا وحده هو الذى لا يُسألُ عما يفعل ، وقد فصلنا هذا فى بحث منشور عن ( الشورى الاسلامية ) عام 1990. وفى بحث آخر لاحق صدر عن مركز ابن خلدون عن ( القضاء والمجتمع المدنى ) أوضحت أن دور الدولة فى الاسلام ليس هداية الناس وإدخالهم الجنة لأن الهداية مسئولية شخصية ، ولكن دور الدولة الاسلامية هو توفير الحقوق الفردية فى الحرية المطلقة فى الدين وفى المشاركة السياسية وفى العدل وفى الأمن للجميع والتكافل الاجتماعى للمحتاجين .

2 ـ  لقد نزل القرآن حربا للكهنوت الدينى الذى يحتكر لنفسه زورا وبهتانا الحديث باسم رب العزة ، ويقتنص لنفسه وأربابه التقديس الذى يجب أن يكون لله جل وعلا وحده . المستبد العلمانى يستعين بالكهنوت الدينى يركبه ، ويركب به الناس . وقد يصل الكهنوت للحكم منفردا ويطيح بالسلطان المستبد ، حدث هذا فى تاريخ مصر الفرعونية قديما ، وحدث مؤخرا فى ايران حين حكمها الخومينى . وبوصول الكهنوت للحكم تتأسس الدولة الدينية ، وهى أفظع نظام يظلم الناس ويظلم رب الناس ، لأنه يمارس الظلم والقتل والاغتصاب والاكراه فى الدين مستخدما إسم الله جل وعلا ، ورافعا شعار الدين ، وهو فى الحقيقة يمارس آراء بشرية تنسب نفسها زورا لدين الله جل وعلا .  وكل الدول الدينية  ــــ حسب علمى ـــ تأسست على أساس مذهبى أو طائفى ، شيعى ، سُنّى ، كاثوليكى بروتستانتى . وهى تضطهد مخالفيها فى المذهب ومخالفيها فى الدين . ثم تنقلب على نفسها وتتصدّع   ولا يمكن حلّ الخلافات إلا باللجوء للسلاح . أى تحمل عوامل فنائها فى داخلها .

3 ـ  أساس هذا الشقاق فى الدولة الدينية يتمثل فى كونها ( دولة دينية ) ، أى فى علاقة الدولة بالدين ؛ هل تكون الدولة فى خدمة دينها ؟ أم يكون دينها فى خدمة دولتها ؟ . الدين هنا هو شعارات يسهل الصراخ بها ، ولكن يصعب تطبيقها بحذافيرها فى الداخل والخارج . الذى يكون فى السلطة يدرك هذا ، ولكن فقهاء الدين وأعوانهم يريدون التطبيق لتعاليم دينهم مهما كانت العواقب .والمثل الشعبى المصرى يقول ( اللى إيده فى النار مش زى اللى إيده فى الميّة ) ويقول ( اللى على البرّ خيّال ) ، اى من السهل أن تُزايد بالأقوال والشعارات ، ولكن الذى يقوم بالتطبيق فى أرض الواقع هو الذى يُعانى .

4 ـ  ولو كان الحاكم فقيها متخصصا فى دينه كالخمينى يؤمن بولاية الفقيه أى تحكم رجال الدين فى الدولة وتطبيق آرائهم ــــ فإن تطبيق دينه بالكامل يوقع دولته فى كوارث . الخمينى رفع بدون مبرر سياسى العداء لأمريكا وأسماها ( الشيطان الأكبر ) ، وبكل المخالفة للعهود والمواثيق الدولية ـــ ولتعاليم الاسلام الحقيقية ـــ بادر باحتلال  السفارة الأمريكية فى 4 نوفمبر 1979 واتخاذ من فيها رهائن . وتم  تحرير الرهائن فى 20 يناير 1981 ، وبسبب هذا الاعتداء أدخلت أمريكا ايران فى حرب مع العراق فى سبتمبر 1980 : واستمرت الى اغسطس 1988 . طالت مدة الحرب بسبب طول الحدود المشتركة بين العراق وايران ، وكسبت أمريكا وانتقمت من ايران الخومينى . تعلم خلفاء الخومينى الدرس فاحتفظوا بصورة الخومينى مقدسة بعد وفاته 3 يونية 1989 ولكن خالفوا سياسته ، فجعلوا الدين الشيعى فى خدمة دولتهم وليس فى إثارة المشاكل لها .

5 ـ نفس المشكلة واجهت عبد العزيز آل سعود ( الوهابى ) . لم يكن بوسعه تنفيذ كل آراء ابن عبد الوهاب التى علّمها للإخوان على أنها دين الاسلام . ولكن كان بوسع الاخوان ــ وهم القوة الحربية ـ وعلمائهم  الوهابيين المزايدة على عبد العزيز ، وإحراجه . عبد العزيز يريد للوهابية أن تكون فى خدمة الدولة ، وفقهاء الوهابية والاخوان يريدون الدولة أن تكون فى خدمة الوهابية .

6 ـ وفى كل المعارضات الوهابية القادمة بعد عبد العزيز سنشهد نفس المشكلة : المعارضون يريدون ان تكون الدولة فى خدمة الوهابية ، وخلفاء عبد العزيز من أبنائه يريدون ان تكون الوهابية فى خدمة الدولة . هدف المعارضين ليس خدمة دينهم ولكن فى تدعيم سلطتهم وأن يشاركوا الملك فى سلطاته ، أما الملك السعودى فهو يريدهم ويريد وهابيتهم فى خدمة سلطانه .

7 ـ  الهدف النهائى هو الثروة والسُّلطة . هذا هو هدف الكهنوت داخل أو خارج السلطة ، وهو هدف السلطان سواء كان علمانيا أو يحكم بشعار دينى . هذه هى الحقيقة التى لا يفهمها العوام المخدوعون بالشعارات ، والذين يدفعون حياتهم ثمنا للمتاجرين بالدين ، والذين يخسرون الدنيا والآخرة . ويوم القيامة سيكونون فى النار مع سادتهم ، يلعنون سادتهم . يقول جل وعلا عنهم : (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (68) ( الأحزاب )

8 ـ وبعدُ : نسترجع بعض القضايا الاساسية التي تحولت الي مشاكل بينه وبين الاخوان ،وفيها نري فكر ابن عبد الوهاب حاضرا ينطق به الاخوان

أولا : في مؤتمر العلماء

 في مؤتمر العلماء الذي ناقش بأمر عبد العزيز خمسة قضايا او مشكلات، كلها تعبر عن العقلية السائدة ،ونسترجع تلك المشكلات الخمس:

هل يطلق الكفر علي البدو والمسلمين الثابتين علي دينهم القائمين بأوامر الله ونواهيه؟

والواضح هنا ان الاخوان يحكمون بكفر الوهابيين الاخرين الذين يؤيدون عبد العزيز ودولته ولكن لم يقوموا بالهجرة الي الهجر او المستوطنات الجديدة- ومعني هذا ان محنة التكفير امتدت لتشمل حتي الاخوة في المذهب وفي الخندق الدفاعي ذاته ،بسبب انهم لم يهاجروا مثل الاخوان الي القري الجديدة .ومن الطبيعي ان الاخوان اختاروا في فهم ادلة محمد بن عبد الوهاب الذي يستخدم ايات القرآن وفق نظريته في التكفير والاستحلال.

وايات القرآن تتحدث عن مؤمنين يعانون الاضطهاد في بلد ظالم يقولون تحت وطأة العذاب (ربنا اخرجنا من هذه القرية الظالم اهلها :النساء 75) . هنا تكون الهجرة واجبة علي المستطيع، والله تعالي يعفو عن العاجزين عن الهجرة (النساء 98) . أما ان يهاجر بعض الناس دون ان يظلمهم احد ولكن لكي يتدربوا علي القتال والغزو وكراهية الاخرين والاستعداد لحربهم بعد تكفيرهم، فلا شأن لهم بالهجرة الاسلامية ،ومنها هجرة المسلمين الذين كانوا مضطهدين في مكة .لقد دعا ابن عبد الوهاب للهجرة وفهم منها المطوعة او فقهاء الهجر ان من لم يهاجر فهو كافر حتي لو كان من الوهابيين فاصبحت مشكلة .

واضيفت لها مشكلة اخري وهي خاصة بارتداء الزي المعتاد للاخوان ،وهو زي الامام محمد بن عبد الوهاب وهو العمامة دون العقال المعتاد ،ولأنهم اعتبروا انفسهم وحدهم المسلمين فقد اصبح سهلا اتهام غيرهم ممن لا يرتدي العمامة الوهابية بأنه كافر حتي لو كان يعتقد مثل اعتقاد الاخوان .وبالتالي فاذا كان الوهابيون الاخرون خارج نطاق الاخوان متهمين بالكفر مرشحين للاعتداء عليهم وعدم اكل ذبائحهم.. فكيف بالاخرين ؟ ولخطورة هذا التساؤل في التأسيس لحرب اهلية بين الاخوان وبقية الوهابيين فان مؤتمر العلماء ــ الذى ضم كبار العلماء ــ واجه القضية بكل حسم، خصوصا وان اولئك العلماء  الكبار كان معظمهم من الحضر وممن لا يقيمون في الهجر، ولذلك افتي العلماء بما يقرب التكفير لمن يكفر الاخوة الوهابيين ،وجعلت للمعاداة والموالاة مرجعية موحدة هي الولاية السياسية ، أى  ترجع لعبد العزيز  وعلمائه الكبار فقط ؛ هم الذين يحددو‍‍‍ن الكفار المرشحين للاعتداء عليهم في الدنيا والمرشحين ايضا عندهم للدخول في النار في الاخرة ‍‍‍‍..‍‍‍‍ طالما ان بأيديهم مقياس الشريعة الالهية ..وهنا وقف العلماء في صف ابن سعود ،وكان حججهم سياسية اكثر منها فقهية مع ان ظاهر المشاكل كان فقهيا اكثر منه سياسيا .وبالتالي اسفر مؤتمر العلماء عن منع الاحتكاك بين الاخوان وبقية الوهابيين ،ولم يعد للاخوان استطالة علي الاخرين من الوهابيين.

ثانيا :

وبعد عودتهم محبطين الي نجد بعد نجاحهم في ضم الحجاز الي املاك عبد العزيز هدد زعيمهم الدويش باستعمال السيف ضد عبد العزيز اذا سار في نفس طريق الشريف حسين ،وفي العام التالي 1927 وجهوا ثمانية انتقادات اخري موجهه له شخصيا .وايضا نجد فيها ملامح الفقه الوهابي الذي تعلموه في الهجر ونستعرض تلك الانتقادات :

نقموا عليه ارسال ولده سعود الي مصر وهي بلاد الشرك وارسال ولده فيصل الي لندن وهي بلاد الكفر. أي لابد من مقاطعة المشركين والكفار واظهار العداوة والبغضاء لهم طبقا لما نادي به عبد الوهاب، وبالتالي فلا يصح ان يأتي المحمل المصري من بلد الشرك بلد المقوقس كما يقولون الي الحرم وهو مسلح ومصحوب بآلات اللهو والمجون . ولا يصح استيراد المخترعات الحديثة الاتية من بلاد الشرك مثل السيارات والتلغرافات والتليفونات لأنها من السحر المحرم. وطلب لتفسير منع التجارة مع الكويت ،(فان كانوا مسلمين تعاملنا معهم وان كانوا مشركين حاربناهم) أي اما واما ..وليس هناك حل وسط ان كانوا مسلمين ( أى وهابيين )  تعاملنا معهم وان كانوا مشركين حاربناهم .اما ابيض واما غير ابيض ،اما وهابى علي نفس عقيدتنا ومذهبنا وملبسنا فيكون مثلنا ،واما ان يكون غير ذلك فنقاتله .وهي المعادلة الطبيعية لفكر التكفير والاستحلال .وجاءالانتقاد الخامس يستنكر القوانين الوضعية الخاصة بالمكوس والضرائب التي لم يعرفها العصر العباسي وما بعده،  اذن فهي ليست من الشريعة، وكان الانتقاد السادس يستنكر السكوت علي الشيعة (الكفرة )وعدم ادخالهم (بالقوة والاكراه )في دين الجماعة ،أي فالدين الوهابي النجدى هو دين الجماعة. ويستنكر الانتقاد السابع السماح للبدو في العراق وشرق الاردن بالرعي في مراعي المسلمين (أي الوهابيين ) مع ان هذه المراعي كلأ مباح علي جانبي الحدود ترعاه إبل الأعراب منذ قرون .وجاء التساؤل الاخير عن هدم القبور... والاتهامات هنا تخص عبد العزيز وحده وسياسته ولا شأن للعلماء بها مثل الاتهامات السابقة التي كانت تطول الوهابيين خارج نطاق الاخوان .ولذلك وجد العلماء فرصتهم لاستنطاق الشيخ ابن عبد الوهاب بعد وفاته ، خصوصا وقد كان من بين هؤلاء العلماء الخمسة عشر مجموعة لا بأس بها من آل الشيخ ، وبالتالي لابد لفكر الشيخ ان يكون حاضرا بحذافيره ،وهم ورثة ذلك العلم والقائمون علي حفظه .

وتستعرض فتاويهم ورودهم :-

فقد توقفوا عن الافتاء في موضوع التلغراف ،ولم يقولوا بأنه مباح او انه محرم لأنه ما قرءوا عنه حكما في فقه ابن حنبل وابن تيمية وابن عبد الوهاب ولأنهم ايضا لم يقفوا علي حقيقته ..وذلك اقرار صريح بالعجز عن الاجتهاد في ابسط المسائل .وافتوا لابن سعود بهدم القبور المقدسة موافقين لرأي الاخوان، ووافقوهم ايضا في وقف القوانين الحديثة ولا حكم الا للشرع المطهر (الحنبلي ) أي التطرف في تقديس اراء ابن حنبل ومنع الاراء الاخري المخالفة ووافقوهم ايضا في منع الحجاج المصريين من الدخول بالسلاح ومنع المحمل ومنع اظهار الشرك وجميع المنكرات، وأيّد العلماء  الاخوان في هذه المسألة مما يعد موافقة من العلماء علي موقف الاخوان من الاعتداء على المحمل المصري قبلها.

ويبدو الامر كما لو ان ثمة اتفاق بين العلماء والاخوان علي اثارة هذه المشاكل فالاخوان، يتساءلون عن معني السكوت عن الشيعة في الاحساء والقطيف والتغاضي عن ادخالهم في دين الجماعة ،وتأتي اجابة العلماء غاية في التطرف كأنما كانت تنتظر وترجو مثل هذا التساؤل لتوضح ( للامام ابن سعود ) ما يجب عمله ،تقول الفتوي (واما الرافضة أي الشيعة-فافتينا الامام ان يلزمهم البيعة علي الاسلام أي يجبرهم علي اعتناق الوهابية (ويمنعهم من اظهار شعائر دينهم الباطل ) . أي اكراه لهم علي ترك معتقدهم ،ووصف له بالبطلان وهم أي الشيعة يحتفظون للوهابية بنفس الوصف ولكن صاحب القوة هو الاعلي صوت ونفوذا .ثم تستطرد الفتوي لتزيد وتؤكد بصيغة الإلزام ليس للشيعة وحدهم بل  الالزام للامام ابن سعود ايضا (وعلي الامام ان يلزم نائبه عن الاحساء ان يحضرهم عند الشيخ ابن بشر ويبايعوه علي دين الله ورسوله،وترك دعاء الصالحين من اهل البيت وغيرهم وعلي ترك سائر البدع ،من اجتماعهم علي مآتمهم  ( يوم عاشوراء ،ذكري استشهاد الحسين ) وغيرها مما يقيمون به شعائر مذهبهم الباطل ).. ونلاحظ هنا الحرص علي ان تكون مكانة  ابن بشر الفقيه اعلي من مكانة امير الاحساء ،وهو عبد الله بن جلوي  ابن عم الملك واهم من أقام معه دعائم دولته  الوليدة، ومبعث هذا الحرص هو الايحاء بتكاسل ابن جلوي عن اكراه واضطهاد الشيعة في الاحساء. وقد كان ابن جلوي مشهورا بقسوته مع قبائل العجمان المتحفزة للثورة  ، كما كان حازما مع الاخوان، ولم يكن يمكّن احدا منهم ان يمارس نفوذا في الاحساء ، وبالتالي عاش الشيعة في امن تحت ولايته عليهم ، ومن هنا تمتع ابن جلوي بكراهية العلماء والاخوان معا، واظهر موقفهم منه مدي الوحدة الفكرية والسياسية بين العلماء والاخوان  ، حيث يجتمعون معا حول فكر ابن عبد الوهاب الذي افتي بتكفير الشيعة لأنهم رفضوا دعوة ابن عبد الوهاب حين وفد الى البصرة والعراق . ودفع الشيعة الثمن فى الدولة السعودية الأولى الكثير ، سواء من كان منهم في الجزيرة العربية وفي العراق .وجاءت قصة المعارضة الاخوانية لتعيد فصلا من فصول الاضطهاد الديني في العصور الوسطي . ولا تكتفي فتاوي العلماء بما قالته عن الشيعة ،بل تضيف إليه برنامجا كاملا لمحو التشيع واحلال الوهابية محله ،تقول الفتوي (ويمنعون من زيارة المشاهد أي القبور المقدسة كذلك يلزمون بالاجتماع علي الصلوات الخمس هم وغيرهم في المساجد) أي منعهم من دخول مساجدهم ،والزامهم بدخول المساجد السنية الحنبلية الوهابية ،(ويرتب فيهم ائمة ومؤذنون ونواب من اهل السنة )أي وبالتالي منع شيوخهم من الصلاة معهم ،او الاجتماع بهم ،وتقول الفتوي بتعليمهم كتب ابن عبد الوهاب( ويلزمون بتعليم ثلاثة الاصول ،وكذلك ان كان لهم محال مبنية لاقامة البدع تهدم )أي هدم مساجدهم ومقدساتهم لأنها بدعة لدي التدين الوهابي، فماذا اذا مارسوا نفس البدع في المساجد السنية والوهابية ،وكأن الفتوي تتحفز للرد علي هذا السؤال فتقول مباشرة (ويمنعون من اقامة البدع في المساجد وغيرها ) أي حتي في البيوت حتي لو اضطروا لممارسة طقوسهم خفية ( في دار الارقم ابن الارقم ‍!! . فما الحكم اذا رفض بعض الشيعة ذلك الاكراه في الدين ،تسرع الفتوي بالاجابة وتقول (ومن ابي قبول ذلك ينفي من بلاد المسلمين ) . أي ان الاحساء اصبحت بلادا للمسلمين أي الوهابيين ،  واهل الاحساء وسكانها الاصليون اذا لم يقبلوا ان يكونوا وهابيين فليتركوا بلادهم التي لم تعد بلادهم .

وتنظر الفتوي ( بعين الرعاية ايضا ) الي شيعة القطيف ،ويوجب العلماء علي الامام عبد العزيز ان ينفذ نفس الاوامر والنواهي الصادرة بحق الاحساء علي شيعة القطيف ،تقول الفتوي المباركة (واما الرافضة (الشيعة ) من اهل القطيف :فيلزم الامام ايده الله الشيخ ابن بشر ان يسافر اليهم ويلزمهم بما ذكرنا .) أي ان العلماء يلزمون عبد العزيز ،والشيخ ابن بشر يلزم شيعة القطيف .أي ان اولئك العلماء هم اصحاب الولاية الحقيقية حتي علي السلطان القائم ، تماما كما يقول الشيعة في ولاية الفقيه علي الحاكم السياسي .

وتتعرض الفتاوي الي نقطة اخري لم ترد في اسئلة الاخوان ،وان كان لا مانع من التكليف بها وهي (البوادي والقري )التي دخلت في ولاية المسلمين :فأفتينا الامام ان يبعث لهم دعاة ومعلمين ،ويلزم (الامام)نوابه أي الامراء في كل ناحية بمساعدة المذكورين علي الزامهم بشرائع الاسلام ، ومنعهم من المحرمات ). وهذه الناحية الجديدة التي افتي فيها العلماء دون ان يستفتيهم فيها احد تعطي للعلماء وظائف جديدة ،ونفوذا سياسيا في المناطق المفتوحة يزيد علي نفوذ الامراء فيها . وتقول الفتوي عن رافضة او شيعة العراق (واما رافضة العراق الذين انتشروا وخالطوا بادية المسلمين فافتينا الامام بكفهم عن الدخول في مراتع المسلمين أراضيهم )وعن المكوس قالوا (انها من المحرمات الظاهرة ،فان تركها فهو الواجب عليه ،وان امتنع فلا يجوز شق عصا طاعة المسلمين والخروج عن طاعته من اجلها ) (واما الجهاد فهو مخول الي نظر الامام .وعليه ان يراعي ما هو اصلح للاسلام و المسلمين علي حسب ما تقتضيه الشريعة الغراء ).

ويلاحظ ان الفتاوي تجاهلت احراج الملك عبد العزيز في الرد علي الانتقاد الموجه إليه بخصوص ارسال ابنه الي مصر وابنه الاخر الي لندن .كما تجاهلت الاجابة الصريحة علي الموقف من اهل الكويت ،اهم مسلمون تجوز التجارة معهم ام كفار يجب قتالهم ،واجابت الفتوي اجابة عامة عن تخويل الامام ابن سعود في موضوع الجهاد علي ان يعمل حسب الشريعة ،أي حسب رأي العلماء .وبالتالي يضعون انفسهم في موقع السلطة بقدر ما يستطيعون .معظم الفتاوي كانت في صالح الاخوان ضد الملك .وإزاء تحالف الاخوان مع العلماء ضد عبد العزيز فقد إضطر عبد العزيز للمسايرة  كسبا للوقت . يقول مستشار الملك عبد العزيز حافظ وهبة (ازاء هذه الفتوى اضطر الملك الي عدم قبول المحمل ، كما اضطر الي هدم مسجد حمزة وتعطيل التلغراف اللاسلكي ،فعمل بذلك علي تلافي الفتنة او تأجيل وقتها )[15]

ويلاحظ ان هناك بين كلمات حافظ وهبة كلاما مسكوتا عنه حمل الملك علي ان يضطر علي فعل اشياء لا يرضي عنها حتي يتلافي الفتنة او يؤجل وقتها .وربما كان ذلك الاضطرار بناء علي نصيحة من مستشاره المؤرخ حافظ وهبة ،ولكن المؤكد الذي سيظهر فيما بعد ان الملك عبد العزيز لم ينس هذا الموقف للعلماء ، وربما ادرك انهم يلعبون معا من خلف ظهره ، خصوصا وانه بعد المؤتمر هاجم فيصل الدويش قلعة بسية استنادا الي فتوي اولئك العلماء بمنع شيعة العراق من الدخول في مراعي المسلمين .

واستفحل تمرد الدويش حتي انه رفض استدعاء عبد العزيز له واشتدت دعاية الاخوان ضده ،ومحتمل جدا ان يكون قد شارك فيها المطوعة في الهجر ،لأن اتهاماتهم لعبد العزيز منذ ذلك الوقت كانت تقترب من تكفيره بحجة انه تحالف مع الانجليز علي حساب التزامه الاسلامي حسبما يعتقدون .

ثالثا :

 وفي المؤتمر العام للرياض في 5/11/1928 كان واضحا ان عبد العزيز قد حاول ما امكن السيطرة علي علمائه ليقفوا الي جانبه بعدما تبين خطورة الموقف .ولكونهم في قبضته وقد اصبحت المسألة حياة او موت فان موقف العلماء اصبح اقرب الي مهادنة عبد العزيز،ولذلك كان كلامهم بمثابة تبرير او اعتذار لما سبق منهم من التلويح باتهامه بالكفر اذ اقسموا انهم لم يكتشفوا قط أي فتور في غيرة ابن سعود علي الدين ، وان كان قد اخطأ فلا بأس اذ لا يعطي هذا الخطأ المبرر لأحد ان يدير ظهره للملك ،وحتي لا يتهمهم احد بالخوف من عبد العزيز ومن الواضح فعلا انهم كانوا خائفين فانهم اكدوا علي انهم لا يتحدثون خوفا من عبد العزيز ولكن للنصح والارشاد .

وادرك ممثلو الاخوان تراجع العلماء في المؤتمر فاصروا علي احراجهم بطرح نفس الاسئلة التي يعرفون مسبقا رأي العلماء فيها وانه مخالف لرأي عبد العزيز وموافق لرأي الاخوان حيث يؤمن الفريقان (العلماء والاخوان )بنفس الفكر الذي كتبه الشيخ ابن عبد الوهاب دون تجديد .وهكذا طرحوا اسئلة للعلماء واقسموا علي اتباع ما يقوله العلماء : وهي حكم الاسلام في التلغراف ،الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وتساهل عبد العزيز فيه ،موضوع القلاع ومنع الاخوان من الجهاد .والملاحظ ان كل تلك  القضايا قد تمت صياغتها باسلوب فقهي ديني لمزيد من احراج العلماء ،كقولهم" وقف الناس عن القيام بالجهاد ولماذا اوقف نشر كلمة الله ."

وهذه المسائل الاربعة هي تقريبا فحوى مؤتمر الارطاوية في ديسمبر 1926 ،والتي رد عليها العلماء في مؤتمر يناير 1927 بما يرضي الاخوان وبما يزايد علي عبد العزيز ومطالب الاخوان معه .فعلي سبيل المثال الزم العلماء عبد العزيز باتخاذ موقف حاسم ضد الشيعة في الاحساء وفصلوا فيما يجب عليه ان يفعله بما يعطي لهم سلطة تفوق السلطة السياسية لابن جلوي حاكم الاحساء وربما تفوق سلطة عبد العزيز نفسه .وجاء الاخوان في المؤتمر العام التالي ليذكروا العلماء بنفس الموضوع تحت مصطلح ديني لا يجادل فيه احد وهو "حض القرآن الكريم عن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر" ومدي تساهل عبد العزيز في هذا الموضوع الذي كان يشكل احد اهم بنود التحالف بين محمد بن عبد الوهاب والامير محمد بن سعود .والامر بالمعروف والنهي عن المنكر يعني لديهم تنفيذ الاجراءات التي الزم بها العلماء عبد العزيز في المؤتمر الماضي ،ولم يتم تنفيذ شيئ منها نظرا لان ابن جلوي يحمي الشيعة في الاحساء بقدر ما يمنع الاخوان من التسلط في ولايته .وطلب عبد العزيز رأي العلماء في الرد علي تلك المشكلات ، فجاءت فتواهم اكثر تقدمية في موضوع التلغراف ، فبعد ان كانوا قد توقفوا في حكمهم بدون تحريم او اباحة ، نجدهم في المؤتمر العام يكررون نفس موقفهم مع اضافة موجهة للاخوان تقول "طالما لا يستطيع المعارض ان يقدم دليلا شرعيا علي حرمتها فانهم لا يرون حرجا في استعمالها) أي القوا بالكرة في ملعب الاخوان .

ورد عبد العزيز بالنيابة عن العلماء في موضوع الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بانه ارسل الدعاة واذا كان هناك تقصير من المسئولين فعليهم ابلاغه به ، وقال ان القلاع انشئت بسبب غارات فيصل الدويش وخوفا من الاخوان وبمعني اخر انها حصون دفاعية وليست للهجوم علي الاخوان بل خوفا من هجوم الاخوان .واصر الاخوان علي رأيهم في القلاع ، وصمموا علي استفتاء العلماء فيها، فجاءت فتوي العلماء مؤيدة للاخوان، فاضطر عبد العزيز للموافقة. وفي موضوع الجهاد اوغزو البلاد المجاورة اجتمع عبد العزيز بخمسين منهم اجتماعا خاصا لاقناعهم، ورغم الاقتناع الظاهري فان المؤتمر كان في الحقيقة تميهدا لتحول المعارضة السياسية الي تمرد عسكري حسمته معركة السبلة .

وفي هذا التحول اسهمت الهجر وفقهاؤها بدور كبير في الدعاية المضادة لابن سعود وحشد انصار للاخوان، واكد الدويش علي موضوع الغزو والجهاد ليزيد في احراج عبد العزيز ،وليتهمه بالكفر تأسيسا علي اتهامه بالتحالف مع الانجليز، او انه باع نفسه اليهم ،ويقول له (ولكنك الان تعاملنا بالسيف وتتغاضي عن النصاري ودينهم ..)

رابعا

 ـ وبعد انتصار السبلة كشر عبد العزيز عن انيابه للعلماء وشيوخ القبائل معا،وهددهم بلهجة حاسمة بنفس مصير الاخوان اذا كرروا ما سبق . والملاحظ ان مؤتمري الدوادمي والشعراء قد اختفي فيهما صوت العلماء ،ولم يعد احد يستفتيهم او يجعلهم حكما بينهم وبين الملك .بل اصبح الملك هو الذي يتحدث عن الشرع ويهدد خصومه بلهجة حاسمة .وبانتهاء التمرد الثاني انتهت معه سطوة العلماء مما اعطي لعبد العزيز حرية الاجتهاد السياسي بعيدا عن الانغلاق الفقهي الذي كان يمثله الفقهاء ،وينفذه بسيوفهم الاخوان ، وبذلك انهي عبد العزيز نظاما انشأه بنفسه ،نظام الاخوان ، وجعل الوهابية فى خدمة سلطانه ودولته .

الهوامش

15 ـ - حافظ وهبة :الجزيرة العربية في القرن العشرين :293:291.

 

 

 تثقيف البدو ليكونوا اخوانا يقتلون النساء والصبيان :

أولا : آلية تثقيف البدو ليكونوا اخوانا يقتلون النساء والصبيان :

1 ـ قامت هذه الالية علي طريقتين : بالنسبة لشيوخ القبائل ،كان يتم استدعاؤهم لاخبارهم بغلظة انهم كفار ويجب ان يعرفوا الاسلام، ثم  يؤمرون بالانتظام في مدرسة العلماء المحلية في الرياض . بينما يتم  ارسال ستة من العلماء  في حراسة مشددة الي نفس القبيلة لتفقيه اهلها ،وعندما يصبح شيخ القبيلة متفقها في الوهابية يقام  له بيت في الرياض ليكون بجانب عبد العزيز وتحت سيطرته رهينة فى يده .

2 ـ وقام بالتثقيف العلماء ثم المطوعة .

العلماء هم اساتذة المطوعة، ويشتركون في القتال يوم الجهاد، وهم فلاسفة في غير اوقات الجهاد ، ومثلهم في ذلك المطوعة ،ويدور المطوعة بين القبائل في الصحراء في لباس تقشف مع القدرة علي الاقناع وقوة الشكيمة ايضا .ولكن يعرف الحدود الفاصلة بين استعمال الحجة واللجوء الي القوة .وبالطبع كان اولئك المطوعة همزة الوصل بين عبد العزيز والرعية العاديين والمسئولين .

3 ـ اما المحتوي الثقافي الذي تكونت علي اساسه عقلية البدو  ليكونوا اخوانا فكانت رسائل مبسطة كتبها الشيخ عبد الله ابن محمد بن عبد اللطيف ، وتم توزيعها علي القبائل ،وقام علي تدريسها العلماء والمطوعة لشيوخ القبائل وافرادها.  واحتوت هذه النشرات علي التحذير الشديد من الشرك والامر بانذار البغاة وارباب البدع و الضلال ،والحرص علي ( هدايتهم ) و ( ارشادهم وتنوير اذهانهم ) ،فاذا اصروا علي الضلالة وجب تأديبهم.  مع الامر بالتنكيل لكل من يوالي اعداء الدين ( الوهابى ) علي اخوانه او يعمل بما يجر الضرر للمسلمين ( الوهابيين ) ..الخ .

ثانيا : تهديد الآخر بقتل أسرته وسلب امواله

1 ـ وننقل نماذج  من الدعوات للانضمام الي الوهابية وهى تحمل التهديد لمن لا يستجيب بقتله وأسرته وسلب ماله وممتلكاته .

2 ــ  : ( بسم الله الرحمن الرحيم . من ثياب الدهاسى الى السلطان ومحمد العبود . السلام على من اتبع الهدى . نتعهد لك بالأمن ، وكل من سينضم الينا يحظى برضا الله ، وتسلم أيضا عائلته وممتلكاته .إن من ينضمون الينا سيُسلمون أنفسهم لله ، وينعمون بحماية السلطان ابن حُميد والاخوان ) ،

( بسم الله الرحمن الرحيم : من ثياب الدهاسى الى مسفر بن سمران الدهاسى . قبل كل شىء نحن نضمن الأمن لكم جميعا ذكورا وإناثا . إن من ينضم الينا يأمن على ممتلكاته وأسرته ، ويسلم نفسه لله ، ويلتزم السلطان ابن حميد هو الاخوان حمايته . وأنت أيها المسفر وأيها الشايلى إذا دخلتما فى الاسلام فسوف تحصلان على إبلكما وستنعمان بالسلام مع الله ) .

( من ثياب الدهاسى الى الدهاسة . نحن ندعوكم للدخول فى الاسلام ، ومن ينضم الينا منكم سيكون فى حمى الله وسيسلم نفسه له ويتمتع بحماية السلطان ابن بجاد والاخوان )

( بسم الله الرحمن الرحيم : من عساف بن حسين المنصور الى الأخ رشيد بن سمير . تحياتى . أنت تعلم أن سلطان العرب جميعا هو الامام عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل قد أمرنى بالبقاء فى الجوف . ومع ذلك فقد أصدر لى أمرا بأن أكتب لك هذه الرسالة بأنك يتعين عليك أن تبلغنى عن طريق مراسل خاص إن كنت تتبع دين عبد العزيز أم لا . السلامة لأولئك الذين يفهمون . إن الامام هو و كل المسلمين يوجهون لك هذا السؤال . لقد حذرناك ، فلا تلومنّ إلا نفسك . وهذا هو كل ما عندى . تحياتى الى أحبائك ، ولك التحية من إخواننا .28 ذى القعدة 1340 .عساف بن حسين )

3 ـ واضح فى الرسائل إحتكارهم للاسلام ، وأنهم الناطقون باسم الله والممثلون له فى الأرض . وقيام دعوتهم على الإكراه فى الدين ، واتخويف الآخر بقتل أسرته وأهله وسلب ماله . كان يقوم بهذا أعوان عبد العزيز من قادة الاخوان مثل سلطان ابن بجاد ومرءوسيه ، يرسل أحدهم رسالة الى قبيلته بدون ذكر اسم عبد العزيز ، ولكن بتنسيق شفهى معه . أما خارج الجزيرة العربية فقد كانت الاشارة تأتى الى عبد العزيز ، ولكن بطريقة يتمكن عبد العزيز من إنكارها .

4 ـ وحتى يتقبل البدو قتل الأطفال والنساء فقد أدخلوا في روعهم تصويرا محببا لنعيم الجنة تتضاءل الي جانبه متع الدنيا، وهذه المُتع نادرة لدي البدوي في بيئته القاحلة . وكان الجهاد الوهابى يعني ذروة الخلاص للبدوي في الدنيا والاخرة، اذ يعني الغنائم الحلال في الدنيا والنصر ،و الجنة ونعيمها في الاخرة . ومن أجل هذا يهون قتل المخالف للوهابية ذكرا كان أم أنثى . بدون الوهابية كان البدوى يحترف الغارات وسيلة لكسب الرزق فقامت الوهابية بجعل ذلك جهادا يضمن له الغنائم فى الدنيا ونعيما كاملا فى الآخرة . وحددت ضحاياه مقدما ، وهم المخالفون للوهابية لأهون الاسباب . وعبد العزيز وعلماؤه هم  الذين يمتلكون ناصية التكفير ويستعملونه حسبما يشاءون .[16]

5 ــ وبهذه الالية توحدت الايدولوجية بين العلماء والمطوعين للاخوان ،وعزز هذه الايدولوجية اشتراك اساتذة الاخوان (وهم العلماء ) مع الاخوان في القتال . لذلك انتهت سطوة العلماء بانتهاء سطوة الاخوان ، خصوصا وان اسلوبهم في الحرب كان انعكاسا لتلك الثقافة الوهابية .

ثالثا : الحرب تجسد البناء الايدويولوجي للاخوان :

1 ـ تثقيف الاخوان في الهجر توزع بين الصلاة وقراءة السيرة النبوية في الجهاد ورسائل الفكر الوهابي ،وكانت الحرب هي التجسيد الحي لهذا التثقيف ،ففي المعركة يشعر الاخواني انه علي وشك اجتياز الحاجز بين الدنيا والاخرة . والحرب ليست فقط المنفذ الوحيد لدخول الجنة ،بل هى ايضا المخرج الوحيد للخروج من الحياة الرتيبة داخل الهجر ،وهي المحك العملي لما يتعلمونه في صلاتهم وتثقيفهم .وصيحاتهم اثناء المعركة عكست هذه الايدولوجية ،ومنها (هبت هبوب الجنة ..وين انت يا باغيها ..انا خيال التوحيد ..اخو من اطاع الله ..بين رأسك يا عدو الله اهل التوحيد اهل التوحيد اهل العوجاء اهل العوجاء )(أي اهل الرياض ).وعند افتتاح الهجوم يصيحون :( اياك نعبد واياك نستعين ).

2 ـ وعقيدتهم في التشوق للجنة واعتبار الحرب هي القنطرة التي توصلهم للجنة تتجلي في صياحهم (هبت هبوب الجنة وين انت يا باغيها )وموالاة انفسهم او التعصب الذاتي وتكفير الاخر واستحلال دمه يظهر في قولهم (انا خيال التوحيد اخو من اطاع الله ..بين رأسك يا عدو الله ). ( 17 )

3 ـ ومعني انهم يبدأون الهجوم (بأياك نعبد واياك نستعين )ان الجهاد اصبح قرين الصلاة لديهم ..اذ تداخلت فريضتا الصلاة والجهاد لديهم ، ففي كل هجرة توجد فى المسجد اسماء الرجال ،وهي تُراجع قبل كل صلاة ،كما تُراجع ايضا قبل كل غزوة ،والمتخلف عن الصلاة وعن القتال عقوبته الموت . وحين يؤدون فرض الصلاة يتخذون الشكل العسكري اذ تظل البنادق مرافقة لهم حتي داخل المسجد ولكن تكمم افواهها وتظل مدلاة في اجنابهم او توضع امامهم في الصلاة ثم يقفون في صفوف متماسكة خلف الامام في الصلاة [18] وخلفه في القتال، وامامهم في الصلاة ،وهو قائدهم في الحرب .

4 ـ ونأخذ تطبيقا لذلك مما حدث في موقعة تربة اشهر معارك الاخوان والتي هزموا فيها اقوي جيش للشريف حسين .يقول عبد العزيز يصف المعركة : ( كان لدي الشريف حسين عشرة آلاف جندي متمركزين في المدينة وسبعة آلاف جندي في الحجاز اضافة الي عشرين مدفعا واربعين رشاشا ومؤن وذخيرة يحملها عشر آلاف جمل، بينما وصل عدد الاخوان الي حوالي الفين ، كان من بينهم خمسمائة اخ بدون سلاح اللهم الا السيوف والخناجر .كان الشريف حسين قد حفر خنادق يكفي عمق الواحد منها لتغطية قامة رجل من الرجال ،واقام تحصينات ،كما قام ايضا بوضع المدافع والرشاشات في كل موقع من المواقع .وقد بدأ الاخوان تقدمهم عند منتصف الليل، وبعد ان ادوا صلاة الفجر استعانوا (بلا اله الا الله ) علي مدافع الشريف حسين وبدأوا الهجوم عليه في الصباح واستمرت المعركة طوال النهار بكامله والليلة الثانية الي الباقية ..). ( 19 )

وعن نفس الموقعة يقول من الجانب الاخر من الهاشميين الشريف عون بن هاشم وقد شهد الموقعة وهو في الخامسة عشر من عمره وعاشت ذكراها فى مُخيلته بعدها . يقول للريحاني: ( رأيت الدم في تربة يجري كالنهر بين النخيل ،فبقيت سنتين عندما اري الماء الجارية اظنها والله حمراء ،,رأيت القتلي في الحصن متراكمةومن اعجب ما رأيت، رأيت الاخوان اثناء المعركة يدخلون الجامع للصلاة ثم يعودون للقتال !!).

5 ـ والارتباط بين القتال والصلاة لا يظهر فقط في افتتاح القتال بالفاتحة (اياك نعبد واياك نستعين )وليس فقط باطلاق الرصاص مفاجأة كالآذان للصلاة ،وانما يظهر هذا الارتباط ايضا بمواقيت القتال التي جعلوها اشبه بمواقيت الصلاة وتميزت بذلك عن غارات البدو العادية . وقد جعلوا للقتال مواقيت اربعة ،الصباح او التصبيح في الصباح ،والغارة او اللقوة ،وهي في الضحي  ،والرباح أي التراويح بعد الظهر ،والهجاد او المجهاد في الليل مما بين غروب الشمس الي طلوع فجر اليوم التالي ،ومعركة تربة تنتمي للنوع الاخير [20].

رابعا  : تحول الجهاد الوهابى لمذابح حقيقية للأطفال والنساء

1 ــ وهذا الارتباط الديني والعقائدي بين القتال والصلاة ادي الي تحول القتال الي استحلال و مذابح ، وهذه المذابح شملت النساء والاطفال ، فكان من تكتيكاتهم الحربية : التقدم الطويل للقيام ببغزوة على طريقة :إضرب و إهرب والرغبة فى الاستشهاد، وقتل جميع الذكور بما فى ذلك الأطفال والاناث فى بعض الأحيان .

و ادت هذه المذابح بدورها الي  نشر الفزع من الاخوان . وفى رسالة للممثل البريطانى فى الكويت أن أعدادا كبيرة من البدو فى الكويت يلتزمون بغطاء الراس الأبيض الذى يرتديه الاخوان خوفا من الاخوان ، كما يدخنون الدخان سرا . وهذا الرعب من مذابح الاخوان ساعد علي سهولة استيلاء عبد العزيز علي بعض المدن كما حدث في ضم مكة والمدينة وجدة .

2 ــ وكان الاخوان انفسهم ضحايا هذه المذابح ،اذ اشتهروا بالتهور وهذا منطقي طالما يعتقدون ان الجنة تنتظرهم بما فيها من نعيم وحور عين وليس بينهم وبينها الا الموت والقتل ،علي نحو ما يتردد في كتب التراث الذي تربوا عليه ،وساعد علي هذ الروح هتافاتهم الحماسية بالتقدم نحو الجنة ،كما ساعد علي ذلك ايضا هجومهم العشوائي بأسلحة بدائية امام اسلحة حديثة مثل المدافع والرشاشات والمركبات الحربية ،وحدث هذا عندما واجهتهم الاسلحة البريطانية في جنوب العراق وشرق الاردن عندما خرجوا خارج نطاق الجزيرة العربية . فى شرق الأردن هاجمت قوة من الاخوان تتكون من 1500 رجل ـ بعد غزو حائل بفترة قصيرة . انطلقوا من وسط نجد وبسرعة قياسية وصلوا قلب شرق الأردن وأقاموا مذابح فى المدن القريبة من عمّان ، ودمروها ، ووصلت أنباء قتل الأطفال وغيرهم الى الانجليز فارسلوا طائراتهم الحربية فقصفت جيش الإخوان وأبادت معظمه ، ولم ينج منهم إلا ثمانية أفراد . وبسبب ذيوع نبأ هذه الحملة وهزيمتها عاقب عبد العزيز أولئك الناجين الثمانية ، وأعلن أنه لم يُرخّص لهم بهذا الغزو .

3 ــ اما المذابح التي اقامها الاخوان لخصومهم فالحديث عنها يطول ،ورأينا جانبا منها في روايتين لابن سعود والشريف عون بن هاشم عن موقعة تربة .والواقع ان الاخوان كانوا يهجمون علي الهدف بشكل خليط همجي من الرجال والخيول والابل والمشاة يدمرون معسكر العدو ويقتلون كل من يجدونه من البشر دون رحمة . فاذا كان الهدف مدينة او قرية اضيف الاطفال والنساء والشيوخ الي قائمة الضحايا .ففي هجومهم علي الكويت في معركة الجهرة قتلوا النساء سنة 1920 ،ونفس الحال في هجومهم علي ثريب في شرق الاردن سنة 1924 ،وقتلوا النساء والاطفال والشيوخ عندما افتتحوا الطائف في 7/9/1921 .

4 ــ وسجل المراقبون الاجانب ان الاخوان لايحتفظون بالاسري وانما يذبحون كل من يقع في ايديهم، و ظلوا لا يخيفون الاطفال وحدهم وانما الكبار ايضا ..وقد قتلوا جميع الرجال والنساء والاطفال في المنطقة ما بين المويلة وشرق الاردن، وقد ادت هذه الوحشية الي انشاء البريطانيين قلعة بسية التي كانت سبب المعارضة السياسية والحربية بين الاخوان وعبد العزيز .

5 ـ وقد اعترف اثنان من الاخوان الاحياء الي جون حبيب ،وقد قالا انهما شاركا في الغارة التي توغل فيها الاخوان داخل العراق ،وقد استغرقت المسيرة عشرة ايام، وانهما فيما بينهما قتلا حوالي الف شخص ، وكان القتال يجري ليل نهار ،وانهما لم يناما سوي ثلاث ساعات فقط في اليوم ،وكان طعامهما من التمر والخبز والقهوة ،وحفنة من التمر.

ولنتخيل العدد من الضحايا : إثنان فقط من الاخوان قتلا فى رحلة واحدة ألف شخص من سكان العراق فى رحلة استغرقت عشرة أيام ، ويعتبران هذا جهادا . ومن أسف أن هذه المذابح لا تزال مجهولة ، حيث كان يمارسها المجاهدون الوهابيون فى حملات تتوغل فى القرى تقتل السكان الآمنين المنسييين الذين لا يسمع عنهم أحد ، وتعود . وهذه المذابح الوهابية المسكوت عنها تتضاءل أمام وحشيتها ما فعله الصهاينة فى دير ياسين وغيرها . ولكن دير ياسين وغيرها معروفة وتحظى باستنكار العالم حتى من اليهود غير الصهاينة . أما المذابح المجهولة للإخوان الوهابيين المسكوت عنها فلم يقترب أحد منها بالنقد . والسبب أنها لا تزال محسوبة على خانة الجهاد ، وبالتالى فهى مرشّحةُّ للإستمرار طالما بقيت الوهابية تنتشر على أنها هى الاسلام .

6 ــ وعندما سمع العالم بمذبحة الطائف إضطر عبد العزيز لكفّ الاخوان عن مذابحهم . وبهذا بدأ الخلاف بينهم وبينه. ورأينا كيف كان فيصل الدويش ورفاقه يريدون ان يكرروا ما فعلوه في الطائف في المدينة وجدة ..وحين رفض عبد العزيز انسحب الدويش غاضبا ..ورأينا كيف اشترطت تلك المدن الا يدخلها الاخوان مما جعل عبد العزيز يرسلهم الي نجد، وكانت بداية مرحلة حاسمة للمعارضة الاخوانية . وعندما تمردوا وهاجموا اخوانهم الوهاببين من اتباع عبد العزيز، فأنهم قتلوا الشيوخ والنساء والاطفال، بحُكم العادة طبعا .! .

الهوامش

16-المختار : المرجع السابق 2/147 .

     الريحاني :ملوك نجد   2/68،87،88،216.

     فيليب حتي :تاريخ نجد ،305.

     حبيب :المرجع السابق  68-،69،93،112،115. 85 : 86

HoPWOOD  ,OP  . CIT  ,  P.64

HOWARTH  .OP  .CIT  ,   P. 71

MEULLEN  ,OP  .CIT   pp. 78-79.

DICKSON  ,OP  .CIT  P. 152

17-    وهبة :الجزيرة العربية في القرن العشرين :295 .

        الريحاني :ملوك العرب 2/82

        تاريخ نجد 222.

        حبيب :المرجع السابق  126 : 127.

18-                                                     DICKSON   ,OP  . CIT  .PP.  156,126.

19-الريحاني :تاريخ نجد  ، 256.

        حبيب :المرجع السابق 126،165 .

 20-ام القري : العدد  302 في 19 سبتمبر 1930 .

                  : العدد 292 في 11 يوليو 1930.

       الريحاني :تاريخ نجد ،   406،407.

حبيب :المرجع السابق  : 165

 21-خلة :محمود كامل :التطور السياسي في المملكة الاردنية .  317،318.

GLUBB  ,   WAR   IN THE  DESERT  .   PP.193:194.

حبيب : المرجع السابق : 83 : 84 ،  85 : 86 ، 123 : 125 . 163 : 165 ، 185 : 186 ،  191 : 193 ، 207 : 208 .

 

الأعراب والاخوان وقتل النساء والصبيان  :

أولا : محاولة حافظ وهبة للدفاع  عن السفاحين

  1 ـ  يقول حافظ وهبة  تحت عنوان( الاخوان ) : ( إذا  ذُكر الاخوان علي حدود العراق او شرق الاردن او الكويت استولي الرعب علي قلوب السكان ،وهب البدو ( غير الوهابيين ) يطوون الصحراء لائذين بالبلاد القريبة منهم يحتمون بجدرانها وابراجها، فهم ( أى الاخوان ) رُسل الذعر والرعب في بلاد العرب ) .

ثم انطلق في التاريخ لهم الي ان قال (وقد ظهرت قوة الاخوان الحربية في هزيمة اهل الكويت هزيمة منكرة في موقعة حمض سنة 1919،ثم في حصار شيخ الكويت في الجهرة 1920 ،وفي ابادة جيش الشريف عبد الله في موقعة تربة 1919 وفي هجومهم المتكرر علي العراق والكويت وشرق الاردن .). هنا إعتراف بإعتداءات الاخوان على غيرهم ، ووحشيتهم  فى هذا الاعتداء. وهذا هو الجهاد الوهابى .

2 ـ ويتجاهل حافظ وهبة  أن سيده عبد العزيز هو الذى لقّنهم هذه الوحشية على أنها جهاد اسلامى ، وأنها تطبيق لما جاء فى (إفتراءات ) السيرة النبوية ـ التى كتبها العصر العباسى بالمخالفة للسيرة الحقيقية للرسول عليه السلام فى القرآن الكريم . ولكن هذه السيرة المفتراة كانت ـ ولا تزال ـ المصدر التشريعى للوهابية .

ويحاول حافظ وهبة الدفاع عن سيده عبد العزيز فيقول إن بعض هذه الغزوات والغارات كانت بدون اذن عبد العزيز فيقول:  ( وبالرغم ان امامهم كان ينهاهم كثيرا عن هذه الغزوات وانه كان يأمرهم بالرفق وعدم القتل، وعلي الرغم من ان علماءهم كانوا يوصونهم بعدم قتل الاسير او المستجير فانهم لم يصغوا لاحد .) 

3 ــ أى كانوا يقتلون الأسير وهذا خلاف الشريعة الاسلامية التى تمنع قتل الأسرى ، بل تعرض النبى عليه السلام والمؤمنين للتقريع والتأنيب لأنه أطلق سراح الأسرى بعد موقعة بدر مقابل المال ، فقال جل وعلا (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) الانفال ) ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنْ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمْ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (70)  الانفال )  وجعل رب العزة التصرف فى الاسرى بطريقتين فقط : الفداء أى تبادل الأسرى ، أو المنّ باطلاق سراحه بلا مقابل (فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ) (4) محمد ) وجعل للأسير حقا فى الصدقة طالما كان فى بلاد المسلمين باعتباره ابن سبيل . وحثّ جل وعلا على إكرامه وإطعامه أفضل الطعام : (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً (9) الانسان ) . أما المقاتل الذى يتوقف عن القتال ويستجير بالمسلمين فى أرض المعركة فلا بد من نجدته وإسماعه القرآن ثم إيصاله سليما معاى الى مأمنه ، يقول جل وعلا للرسول عليه السلام : (وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (6) التوبة ) .

وفى كل الأحوال ففى ساحة المعركة وإحتدام القتال فإنه إذا قال الجندى المعادى فى الجيش الذى يعتدى على المسلمين ، إذا قال ( السلام ) مجرد تلفظ بكلمة السلام يجب حقن دمه ، فقد أصبح مسلما بمجرد نطقه بكلمة السلام: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (94) النساء ) ، والاسلام مبنى على السلام ، والقتال فيه لرد العدوان فقط . يقول جل وعلا : ( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) البقرة )   .

4 ـ ويقول حافظ وهبة بعدها : (وان من يقرأ رسائل العلماء في الانكار عليهم وعلي انصاف المتعلمين الذين سمموا افكارهم يري ان علماء نجد لم يقصروا في النصيحة ويعلم ان ما يأتيه بعض الاخوان مما تأباه طبائع العرب ولا تقره الشريعة الاسلامية ، ولا يصح ان تلقي بتعته علي علماء نجد او الملك عبد العزيز )[22] .

دفاع حافظ وهبة لا يتفق مع الثابت فى تاريخ الاخوان من التحالف بين الاخوان والعلماء واشتراك العلماء والمطوعة مع الاخوان فى هذه النوعية من القتال الوحشى . ونعرف أن حافظ وهبة كتب هذا بعد القضاء على الاخوان وطىّ صفحتهم بعد صراعهم الحربى مع عبد العزيز طلبا للسلطة ، وكان طبيعيا بعد إنتصار عبد العزيز عليهم أن يتبرأ من وحشيتهم ويُحملهم وحدهم المسئولية ، وينجو منها عبد العزيز وعلماؤه التابعون له .وحافظ وهبة نفسه هو الذى أرّخ  للعلاقات بين الاخوان و عبد العزيز ، وكيف تمردوا عليه الاخوان وكفروه .وأن علماء نجد  كانوا الي جانب الاخوان حتي اظهر لهم الملك عبد العزيز انيابه فاضطروا الي الانحياز إليه ،اما المطوعة وفقهاء الاخوان ،فقد ظلوا مع الاخوان حينما تحدد الاختيار بين نجد او الاخوان او بين الوهابيين التقليديين الحضريين والاخوان البدو الصحراويين .

ثانيا وحشية الاخوان فى قتل النساء والصبيان لها أصل تاريخى فى أسلافهم

1 ــ و ننتقد حافظ وهبه ( بعض الاخوان ) بعد انتهاء الاخوان . يقول : ( إن ما يأتيه بعض الاخوان مما تأباه طبائع العرب ولا تقره الشريعة الاسلامية ). والصحيح ان الشريعة الاسلامية الالهية ترفض قتل المدنيين كما ترفض قتال من لم يعتد ولم يبدأ في القتال، ولكن تاريخ الأعراب من نجد وما حولها فى العصر العباسى  عرف استحلال قتل الاطفال والنساء في العصور الوسطي. وجاء الاخوان وسيدهم عبد العزيز يكررون الماضى فى عصرنا الحديث .

2 ــ لقد عاش شيخ المؤرخين العرب محمد بن جرير الطبري وادرك بداية القرامطة ورأى علي الطبيعة تخريبهم للعراق والشام، ولعل ذلك ما جعله يخشي علي حياته لأن دُعاة القرامطة انتشروا فى العراق . لذا نراه يوجز التاريخ في السنوات الاخيرة من تاريخه على خلاف المُعتاد . يقول بايجاز سريع عن القرامطة ( وفي هذه السنة-286- ظهر رجل من القرامطة يعرف بابي سعيد الجنابي من البحرين ،فاجتمع إليه جماعة من الأعراب والقرامطة، وكان خروجهم في ما ذكر في اول هذه السنة وكثر اصحابهم في جمادى الاخرة ، وقوي امره فقتل من حوله من اهل القري ) أي قتل كل الاحياء في القري .!.

3 ــ ثم يتحدث الطبري عن غزوات ابن زكروية القرمطي في الشام سنة 290هـ وكيف اطاعه اهل البوادي وغيرهم فاشتدت شوكته : ( وصار الي دمشق وصالحه اهلها علي خراج يدفعونه اليهم فانصرف عنهم، ثم سار الي اطراف حمص فتغلب عليها وخطب له علي منابرها وتسمي بالمهدي ، ثم سار الي حماة ومعرة النعمان وغيرهما ،فقتل اهلها وقتل النساء، ثم سار الي بعلبك فقتل عامة اهلها حتي لم يبق منهم فيما قيل الا اليسير ،ثم سار الي سلمية فحاربه اهلها ومنعوه من الدخول ،ثم وادعهم واعطاهم الامان ، ففتحوا له بابها فدخلها ، فبدأ بمن فيها من بني هاشم ،وكان بها منهم جماعة فقتلهم ، ثم ثني بأهل سلمية فقتلهم اجمعين، ثم قتل البهائم ثم قتل صبيان الكتاتيب ،  ثم خرج منها وليس بها عين تطرف، وسار فيما حوالي ذلك من القري يقتل ويسبي ويحرق ويخيف السبيل))[23]. من يقرأ هذا يعذر الطبرى فى إختصاره لرواية تاريخ يحدث فى ايامه وحوله ، ومن يقرأ هذا لا يجد فارقا بين إستحلال الاخوان الأعراب فى العصر الحديث واستحلا أسلافهم فى العصر العباسى .

4 ــ لقد إعتاد الأعراب ان يفعلوا ذلك تحت رداء أى شريعة يتمسحون بها وينسبونها ظلما وزورا الى الاسلام . بدأ هذا مع الخوارج  الذين إحترف أوائلهم إستحلال دماء الابرياء حتي الاطفال والنساء .. يقول أبو الحسين الملطى الفقيه السّنى المتوفى عام 377 فى كتابه ( التنبيه والرّد ) عن  أول فرقة من الخوارج : ( الفرقة الأولى من الخوارج هم المحكمة الذيم كانوا يخرجون بسيوفهم فى الأسواق فيجتمع الناس على غفلة فينادون : لا حكم إلا لله ، ويضعون سيوفهم فيمن يلحقون من الناس فلا يزالون يقتلون حتى يقتلوا وكان الواحد منهم إذا خرج للتحكيم لا يرجع أو يقتل فكان الناس منهم على وجل وفتنة ، ولم يبق منهم اليوم أحد على وجة الأرض بحمد الله .) . هذا ما قاله عنهم فى عصره فى القرن الرابع الهجرى . ولم يكن يعلم بأن الأعراب إذا تمسحوا بالدين فتكوا بالناس جميعا فى قتل عشوائى لا يفرّق بين طفل وامرأة . ولأنهم يعتبرونه جهادا فقد كانوا يمارسونه طلبا للإستشهاد ، أى ( عملية انتحارية ) أو ( إستشهادية ) فى المصطلح السائد حاليا . والأخوان النجديون أعادوا هذا لعصرنا الراهن ، وإنتشر بعدهم ولا يزال . وأغلب الضحايا هم المدنيون والأطفال والنساء فى الأسواق ووسائل المواصلات .

5 ـ وبدون هذه التستر بالدين احترف البدو في العصور الوسطي السلب والنهب بالطريق (العلماني )أي بدون مبرر ديني .وكان الاطفال والنساء والشيوخ من بين الضحايا ايضا ،خصوصا في قوافل الحج. مع ان رب العزة يؤكد علي حصانة الحجاج وقوافلهم وحيوانات الهدى معهم حتى القلائد التى توضع فى عنق مواشى الهدى اثناء سيرهم الي الحرم بالاضافة الي حصانة الحرم في حد ذاته ، يقول جل وعلا ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)  )(المائدة ). نهى رب العزة عن ( إستحلال القتال فى الشهر الحرام والاعتداء على قوافل وقاصدى البيت الحرام والحيوانات المهداة للحرم . وعلى النقيض استحلها الأعراب فكانوا يهاجمون القوافل فى الشهر الحرام . وانتهاك الأشهر الحرم المحرم بالقتال فيها خطيئة كبرى وقع فيها كبار الصحابة فى الفتوحات وفى الحروب الأهلية التى لم يتوقف فيها القتال إحتراما للشهر الحرام . وعلى سُنّتهم سار الوهابيوم يقتلون بالاعتداء النساء والصبيان والمدنيين فى الشهر الحرام وغيره .

ثالثا : الفارق بين غارات الأعراب وجهاد الأعراب : البناء الايدولوجى للإخوان جعلهم مختلفين عن الأعراب

1  ــ والفارق بين غارات الاعراب العادية أو ( العلمانية ) وجهاد الاعراب تحت شريعة  دينية بشرية ان غارات الاعراب العاديين كانت تستهدف السلب والنهب اساسا ولا تلجأ الي القتل المباشر الا مضطرة ، فاذا تبين للاعراب ان القافلة تستعصي علي الاغارة اعرضوا عنها ، واذا اشترت منهم القافلة سلامتها بالاموال سارت في حماية الاعراب انفسهم .ويختلف الامر مع ( جهاد الاعراب ) الذى يستهدف الابادة جنبا الي جنب مع السلب والنهب والتدمير ..وأعطينا مثالا ساطعا رواه شيخ المؤرخين الطبري وكان شاهدا عليه يوضح طبيعة الجهاد القرمطي لابن زكروية الذي تسمي بالمهدي ، وهو لقب ديني.  وجهاد القرمطى لا يختلف كثيرا عن جهاد الاخوان في عهد عبد العزيز الذي رصده حافظ وهبة وغيره من المؤرخين المعاصرين له .

2 ــ وبقي ان نذكر شهادة اخري لغارات البدو (العلمانية) في القرن الخامس الهجري وقد ذكرها اشهر مؤرخي عصره عبد الرحمن بن الجوزي، وقد حدثت هذه الغارة سنة 545 هـ ،وعاش ابن الجوزى الي ان مات 597هـ ، وكان في الخامسة والثلاثين من عمره في ذلك الوقت، وذكر الحادثة في تاريخه المنتظم، وملخصها ان العرب بعثوا يطلبون الاتاوة فرفض الحجاج واستمروا في سيرهم (فخرج عليهم العرب بعد العصر ليوم السبت رابع عشر من محرم فقاتلوهم، فكثرت العرب،فاخذوا من الثياب والاموال والاجمال والاحمال ما لا يحصي، واخذوا من الدنانير الوفا كثيرة، فتحدث جماعة من التجار انه اخذ من هذا عشرة آلاف ومن هذا عشرون الفا ومن هذا ثلاثون الفا، واخذ من خاتون  اخت سعود ما قيمته الف دينار ، وتقطع الناس وهربوا علي اقدامهم يمشون في البرية ،فماتوا من الجوع والعطش والعري ، وقيل ان النساء طين اجسامهم بالطين لستر العورة) [24] ومع شناعة الوصف فان الواضح ان اهتمام البدو بالسلب والنهب وليس بالقتل ،ولو كان اولئك البدو متدينين اصحاب عقيدة تستحل الدماء وتجعله جهادا لتكفلوا بقتل الجميع .

3 ـ اذا هو المنهج الثقافي الوهابى الديني الذي علّمه عبد العزيز للأعراب فقام بتغيير البدو وطور حركتهم من اجل الكسب في الحياة الدنيا كما طور وغير  نظرتهم الي هذه الحياة الدنيا ،ومن هنا اختلف البدو عن الاخوان ،واختلف الاخوان عن البدو . فما هو حكم الاسلام فى هؤلاء ؟

الهوامش

22- حافظ وهبة :جزيرة العرب في القرن العشرين : 297،285،288.

  وتفاصيل أخرى فى :

الزركلي :شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبد العزيز :332.

     حبيب :84،85،123،125،124،137،191،207:192.

DICKSON   ,THE ARAB OF  THE DESERT  .  P. 128    

23-الطبري :محمد بن جرير (224-310) تاريخ الطبري  10/71،100.

الملطى : التنبيه والرد 47

24-المنتظم لابن الجوزي ،18/78.

 

أثر ثقافة الوهابية والمعادلة الصفرية : القتل ونفى الآخر

 أولا : فى الخلافات السياسية

( أ  ) شهادة مؤرخ معاصر للاخوان فى التفريق بين البدو والاخوان النجديين الوهابيين  :

1 ـ يقول حافظ وهبة عن البدو وحالهم بعد ان تشربوا الايدولوجية الوهابية واصبحوا اخوانا (لقد عرفت البدو في حروبهم وفي حياتهم البدوية ،وعرفتهم بعد ما سكنوا الهجر ، وعرفت كثيرا من قاداتهم في جاهليتهم أي قبل الدخول في الوهابية واسلامهم أي بعد دخولهم الوهابية فرأيت ان الدين قد غيرهم تغييرا تاما . كان البدوي لا هم له الا النهب والسلب وقطع الطريق ،ثم هو يعد هذا العمل من مفاخر البادية ،والويل للضعيف في البادية ،وكان لسان حالهم يقول : ( المال مال الله ،يوم لي ويوم لك ،نصبح فقراء ونمسي اغنياء ،ونصبح اغنياء ونمسي فقراء ) والقوافل التجارية كانت تحت رحمة البادية لا تمر من المنطقة الا باتاوة او مجيز، والبدوي لا يمكن ابدا ان يخاطر بحياته ،فاذا رأي ان النهب سيكون من ورائه خطر تركه ،وكذلك اذا رأي دفاعا قويا من خصمه تركه ،والبدوي لا يعرف قلبه الاخلاص تقريبا ، شيمته الرياء والنفاق،لا تنفع معه الا الشدة المشوبة بالعدل، لذا فلا يعول الامراء كثيرا علي عددهم ولا علي قوتهم ،وكثيرا ما كانوا وبالا علي صديقهم ،فاذا بدرت منه بوادر الهزيمة فانهم يكونون اول الناهبين له، ويحتجون بأنه مادام صديقهم منهوبا او مأخوذا كما يقولون فهم اولي به ) .

2 ـ ثم يقارن بأحوال البدو بعد ان اصبحوا اخوانا فيقول (اصبح الاخوان لا يهابون الموت بل يندفعون إليه اندفاعا طلبا للشهادة ولقاء الله ، واصبحت الام حين تودع ابنها تودعه بهذه الكلمات :جمعنا الله واياك في الجنة ،واصبحت كلمة التشجيع علي الحرب :هبت هبوب الجنة وين (اين )انت يا باغيها )وكلماتهم عند الهجوم (إياك نعبد واياك نستعين ). ولقد شاهدت بعض مواقعهم الحربية ،فوجدتهم يقذفون بأنفسهم الي الموت قذفا، ويتقدمون الي اعدائهم صفا صفا ، ولا يفكر احدهم في شئ الا هزيمة العدو وقتله .والاخوان علي العموم لا تعرف قلوبهم الرحمة علي الاعداء ولا يفلت من تحت ايديهم احد ،فهم رسل الموت اينما حلوا .) .[25]

( ب  ) : التعليق

1 ـ أي كان البدوي يحترف السلب والنهب وابتزاز القوافل طالما لا يخاطر بحياته،واذا تقابل مع من هو اقوى منه نافقه ووافقه الي ان يجد فيه ضعفا فينقلب عليه، ومع هذا الصنف المتقلب المنافق فالحل هو الشدة والعدل،او بالتعبير القرآني : (واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ).

2  ــ والتحول الذي طرأ علي اولئك البدو بالثقافة الوهابية أنهم إقتنعوا بواسطة شيوخهم  ان  الجنة تنتظرهم ، لا يفصلهم عنها سوى الموت قتلا  ، مع الفوز بالغنائم  لو فاتهم الموت ، ومن هنا كانوا يقذفون بانفسهم الي الموت قذفا ،واصبحوا رسل الموت لاعدائهم ،لا تعرف قلوبهم الرحمة علي اعدائهم .

والعدو هنا- وهذا هو الفارق الاساسي مع الاسلام ـ  هو من ليس منهم .أي هو ( الآخر ) غير الوهابى .  وهذا ( الآخر)  أساسا من المسلمين المسالمين من الشيعة والسنة الذين لم يبدأوا الوهابيين بالعتداء ، بل إن الوهابيين هم الذين إعتدوا عليهم واحتلوا بلادهم . ثم اضيف ( للاخر ) الوهابيون من البادية ومن الحضر ،ممن لم يهاجر و لم يعش  في الهجر مع  الاخوان ولم يرتد مثلهم العمامة.  وعندما منع عبد العزيز ذلك في مؤتمر العلماء سنة 1919 اصبح عبد العزيز نفسه مرشحا ليكون هو ( الآخر ) المطلوب قتله بعد تكفيره . كان إمامهم وسيدهم ، ثم جعلوه خصما لهم و تمردوا عليه ،وقتلوا النساء والاطفال والشيوخ من الوهابيين المسالمين في تمردهم الثاني .

3 ـ  بهذا يختلف الاخوان الوهابيون عن البدو العاديين . أو بهذا حدث التحول فى عقلية وثقافة البدو بعد أن صاروا إخوانا وهابيين . فالبدوي العادي غاية ما كان يفعله ان يتخلي عن عبد العزيز ويهرب عنه حين يشتد القتال ، وقد يثور علي عبد العزيز اذا وجد الثورة في مصلحته ولكنه في كل الاحوال يحرص علي حياته ودمائه ، وفي سبيل حرصه علي حياته قد يحرص علي حياة خصمه اذا كان قويا يخشي منه او كان يريد سلب امواله .  . نسي البدو ذلك حين اصبحوا بالايدولوجية الوهابية اكثر حرصا علي قتل انفسهم وقتل الاخرين . وبالتالي اصبحت معارضتهم لا تعرف الوسط ولا تعرف الحدود السياسية المصلحية ،والسياسة هي فن الـ ( COMPROMISING) أى ( المواءمة ) والحلول الوسط والتفاوض فى المناطق الرمادية ، من الأبيض وما يتلوه من الأوان حتى الأسود . وفيها لاينفي فيها طرف الطرف الاخر . ليس فيها المعادلة الصفرية ( أبيض أو غير أبيض ) أو ( القتل أو القتل ) أو ( أنا أو أنت ) . إما أن آخذ كل شىء أو لاشىء . هذه هى المعادلة الصفرية التى زرعها عبد العزيز الوهابى فى الاخوان الوهابيين ، وكما قال جل وعلا (  وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً (43) فاطر ) فقد دفع عبد العزيز الثمن ، فكانت الساحة لا تتسع له وللإخوان معا بعد خلافهم معه . تطور الخلاف ، إذ لم يقتنع أحد الطرفين بحجة الآخر ، فتحول الخلاف السياسى الى مواجهة حربية ، لا بد أن تنتهى بالقضاء التام على طرف من الطرفين .  كان عبد العزيز يستطيع ان يصل الي نوع من التراضي مع البدو ،لكن بعد ان حولهم الي اخوان ما كان يستطيع ذلك ،والدليل علي ذلك ان عبد العزيز جرب معهم التساهل والتسامح فما افلح ،فازدادوا طغيانا ،وجرب معهم الشدة ثم عفا عنهم ،فعاد الدويش للثورة وعادت عتيبة للثورة مرتين .وادرك عبد العزيز في النهاية انه لا سبيل امامه الا بنفيهم من حياته السياسية .

ثانيا : العصبية القبلية البدوية والعصبية البدوية الاخوانية :

1 ــ والبدوي مشهور بتعصبه للقبيلة التي ينتمي اليها .والقبيلة في الصحراء هي الدولة المتحركة طالما لا توجد دولة قوية تسيطر علي تلك الصحراء. والعصبية القبلية هي التي تربط البدوي بقبيلته، تحميه ويحميها في نوع من المصلحة المشتركة لمن يجمعهم النسب الواحد. ولكن التعصب للقبيلة يحمل في طياته نفيا للقبائل الاخري ،وحيث تعيش القبائل في معارك حول الماء والمرعي والمال والسلب والنهب والثأر فان التعصب القبلي يجعل البدوي لا يري في القبائل الاخري الا عدوا حاضرا او محتملا .

2 ــ وحين كون عبد العزيز نظام الاخوان مزج بين الولاء القبلي والولاء للدعوة فكان يحرص علي ان يضم إليه اكثرية القبيلة ما استطاع ،ولكن يؤاخي بين ابناء القبائل في اطار الاخوان ،وهكذا اصبح بدو مطير مع بدو عتيبة وبدو حرب وغيرهم اخوانا، ومع ان المستوطنات او الهجر كانت في الاغلب لأبناء قبيلة واحدة الا انه كان يضم إليها عناصر من قبائل اخري لمزج الولاء القبلي بالولاء الديني .

3 ــ الا ان هذا المزج لم يضعف العصبية القبلية ،بل حولها الي عصبية اشد ،وهي العصبية الدينية .فاذا كانت العصبية القبلية عصبية محلية تتعامل في محيط الجزيرة العربية ومع القبائل القريبة منها والتي تشاركها نفس المكان والمرعي ،فان العصبية الدينية بطبيعتها عالمية ،تتسع وتضيق دوائرها من التعصب ضد الاخر في نفس  المذهب والطائفة والدين ،تبدأ بالتعصب ضد الكافر الوثني ،ثم اهل الكتاب ،ثم المسلمين من اهل العقائد الاخري (الشيعة والصوفية )،ثم تضيق ليكون التعصب ضد السني غير الحنبلي ،ثم ضد الحنبلي غير الوهابي ،ثم ضد الوهابي غير الاخواني ،ثم ضد الاخواني المؤيد لعبد العزيز وهكذا . وفي كل دائرة يتم التعامل مع الاخر بالنفي والتكفير والقتل .

4 ــ والعصبية القبلية العادية ينتج عنها معارك وقتية حتي وان طال زمنها مثل ايام العرب في الجاهلية ،ولكن عادة ما يتم الاتفاق ويتم التراضي بالقصاص نادرا وبالدية غالبا .اما العصبية الدينية الوهابية فهي حرب مستمرة الي ان يتم ابادة الطرفين معا . يبدأ الأمر بابادة الطرف الأضعف وبقاء الطرف الأقوى المنتصر ، ثم ينقسم الطرف الأقوى على نفسه يزايد هذا على ذاك ، وتعود الحرب البينية داخل المعسكر الواحد ويبقى الطرف المنتصر الذى لا يكاد يهنأ باستمراره حتى تظهر من داخله معارضة تزايد عليه وتتحول الى حرب صفرية أخرى ، وهكذا .

ثالثا : لا يمكن للدولة الدينية أن تستمر أو أن تستقر

1 ـــ  ولذلك لا يمكن لتلك الحركات الدينية المتعصبة ان تنشئ دولة مستقرة موطدة الاركان . مهما بلغ نجاحها فلن تنشىء سوى دولة مؤقتة أو متحركة حسب الظروف . أنشأ الزنج والقرامطة دولا متحركة تنشر المذابح والخراب ثم إنتهت . وأنشأت الوهابية دولتين سعوديتين مؤقتتين ، الدولة السعودية الأولى ( 1745 : 1818 ) والدولة السعودية الثانية التى أسسها تركى بن عبد الله آل سعود عام 1819 ، بمساندة مصرية  ثم دمرها عبد الله آل الرشيد أمير حائل عام  1891.  سقطت الدولتان السعوديتان الوهابيتان ، وهو نفس المصير الذى ينتظر الدولة السعودية الثالثة الراهنة التى أنشأها عبد العزيز آل سعود بسيوف الاخوان . وكان أول إرهاص للسقوط  هو ثورة الاخوان الوهابيين الذين أسسوا هذه الدولة نفسهم عليه ، ثم فيما بعد نشبت معارضات وهابية أخرى . وستتوالى الانشقاقات والمعارضات الى أن تسقط الدولة السعودية الراهنة ، هذا إذا لم تسقط بتدخل خارجى دولى أو اقليمى . عاجلا أو آجلا ستنتهى الدولة السعودية الراهنة الثالثة لتلحق بما سبقها . تظل الدولة الدينية تعيش بل وتتوسع إذا استطاعت طالما بقيت الدول الاخري حولها ضعيفة . فإذا وُجهت بدولة قوية سقطت . ولو تُركت الدولة الدينية فى حالها فستأكل نفسها بنفسها بسبب لعنة ( المعادلة الصفرية ) ونفى الآخر تماما ، وشريعة إما أن أقتلك وإما أن أقتلك .

2 ــ وقد لاتستطيع الحركة الدينية المتعصبة إنشاء دولة من الأساس . نشر الخوارج الرعب فى العراق والشام وخراسان ، ولم يستطيعوا إقامة دولة برغم مئات الألوف من القتلى المدنيين وغير المدنيين . كل ما فعلوه هو الإنقسام فيما بينهم و إنهاك الدولة الأموية مما أدى الى الإسراع بسقوطها ، ثم ما لبثوا أن إنتهوا فى بداية العصر العباسى . نجا بعض الخوارج من هذا .عاش الاباضية من الخوارج حتي الان ،لأنهم اكثر تسامحا مع انهم بدو.

3 ـ  ولو ربط عبد العزيز نفسه بالاخوان لانتهي معهم، لذا كان لابد ان يتخلص منهم سريعا لتستمر دولته، فالعصور الوسطي نفسها ـــ وهي عصور التعصب الديني والمذهبي ــ  لم تكن لتسمح لحسن الصباح الشيعي بتكوين دولة حقيقية ، فظل يهدد المسلمين المخالفين له من الشيعة والسنة ،وويهدد الصليبيين وصلاح الدين الأيوبى معا ، وينشر فدائيين يحملون معهم الموت للدعاة والزعماء والخلفاء والسلاطين والقادة . واولئك الفدائيون كانوا يعرفون  باسم   الحشاشين، ومنهم اشتق المصطلح الانجليزي عن الاغتيال . ومع ذلك لم يكن الحسن  الصباح سوي زعيم عصابة في قلعته المنيعة في (آلموت ) . ظل هو وخلفاؤه سجناء فى تلك القلعة ، ينشرون الرعب الى أن دمر هولاكو قلعتهم . وبالتالي فان استعادة فكر التعصب وتطبيقه بالدماء والنار والخراب لا يمكن ان ينشئ دولة في العصر الراهن .

4 ـ  وهذا كلام نوجهه للاخوان المسلمين وتنظيماتهم الوهابية التي خرجت من عباءتهم تحمل نفس المعتقد ونفس الاستحلال .

الهوامش

(  25 ) حافظ وهبة :المرجع السابق 285-286.

 

 

  الخوارج الآباء الحقيقيون للأخوان الوهابيين

أولا :  بين التطرف البدوي والتطرف الاخواني :

1 ــ وضُح مما قاله حافظ وهبة أن البدوي العادي اقرب الي التطرف فى سعيه للبقاء حيا فى بيئة صحراوية شحيحة قاتلة يعتمد الرزق فيها على الإغارة والسلب والنهب . هذا يفرض عليه أن يسير في طريق،ثم يتنكب عنه ليسير في الطريق المضاد ،وهو في الحالتين يسير متحمسا لبلوغ المصلحة التي ينشدها . وهذا التطرف يرتبط بالتقلب السريع مع الحماس المتوهج مع المحافظة على الحياة بقدر الامكان ، فهو يُغير ليأكل ويعيش ، وليس ليقتل نفسه . وابرز ما يعبر عنه هو تحالف البدو مع قائد جيش ،ثم الهجوم علي نفس الجيش إذا ظهرت عليه بوادر الهزيمة ، فالبدو بذلك ينأون بأنفسهم عن الموت ويكسبون الغنائم قبل أن يلتهمها الجيش الآخر . هو  تناقض سريع في نفس الموقع ونفس الوقت تبعا للمصلحة الآنية . ويصحب هذا التناقض السريع حماس في الهجوم علي من كان صديقا وسلب امواله، ثم يأتي التبرير بعد ذلك ،انه ما دام صديقهم منهوبا او مأخوذا فهم اولي به ..،ليسوا اولي بحمايته ونصرته واخذ حقه ،ولكن همهم  الاولي هو سلب امواله .اذا فالتطرف لدي البدوي هو التقلب والاندفاع في الاتجاه النقيض تبعا لمصلحة دنيوية ، مع التبرير الجاهز السريع.

2 ـ وبالتبرير الدينى تكون الطامة الكبرى ، وفيها يتحول الشّغب البدوى العادى الى ( جهاد ) يقتل النساء والأطفال والمسالمين لمجرد إختلاف وجهات النظر والرأى ، ويلجأ سريعا للسيف فى حل الخلافات الفكرية ، وتتشعب الاختلافات الفكريه فى داخلهم  من ناحية الكمّ والعدد لتزيدهم إنقساما، كما تتشعّب من ناحية  الكيف والموضوع الى التقلب من الرأى الى نقيضه وبنفس الحماس ـ أى هو تطرف فى التقلّب فى المواقف والآراء وتطرف فى الانقسام وتطرف فى اللجوء للسلاح  ثم تطرف يصل بالقتال الى قتل الأبرياء . ويتجلى هذا التقلب والتطرف والارهاب فى سيرة الخوارج . وهم  الآباء للإخوان النجديين . وهناك فاصل زمنى بين الخوارج فى عصر الصحابة والاخوان النجديين فى عصر عبد العزيز ، ولكن بيئة ( نجد ) التى عاش فيها الفريقان تفعل العجائب .!!ونعطى لمحة تاريخية عن ظهور الخوارج . 

 ثانيا : مولد الخوارج فى تاريخ المسلمين

1 ـ كان الاعراب يقتتلون فيما بينهم فى إغارات مستمرة ، بينما يتركون قوافل قريش فى رحلتى الشتاء والصيف تتمتع بالأمن حيث ضمنت قريش سكوت قبائل الأعراب عن طريق إحتفاظها بصنم لكل قبيلة فى الحرم المكى ، وحيث كانت قريش تسيطر على الحج الذى يفد اليه العرب من كل فج عميق. وهكذا عاش الأعراب فى جوع  وإنعدام للأمن بينما نعمت قريش بالأمن والرخاء بسبب الايلاف ( سورة قريش ) (29 / 67 ) ( 28 / 57 ). بظهورالاسلام حاربته قريش وقادتها من الأمويين ، وعلى هامش الصراع بين المسلمين والقرشيين أسلم بعض الأعراب ، وثار جدل حول عبادة الأصنام ، ومدى ربح تجارة قريش ببيع هذه  الأوهام ، واستغلالها للعرب فى الحج. وحتى من ظل على كفره من الأعراب أدرك كيف إستغلته قريش ، وادرك عجز آلهة قريش عن حمايتها. ورأى أن مصلحته فى التحرر من النفوذ القرشى. والكهنوت فى كل وقت يتعيش على جهل الناس ، ولذلك يعادى التنوير ويكره النقاش فى الثوابت وما وجدنا عليه آباءنا. أدى ظهور الاسلام وانتشاره سلميا الى تعرية قريش وانهيار سطوتها المعنوية ، فقام الأعراب بتهديد القوافل القريشية في رحلتي الشتاء والصيف. وأخيرا رأت أغلبية قريش أن مصلحتهم التي كانت تحتم عليهم محاربة المسلمين تستوجب عليهم الآن الدخول في الاسلام ،وهكذا كان فتح مكه سلميا بعد فترة الهدنة .و طبقا لما جاء فى سورة التوبة فقد ثار أئمة الكفر من القرشيين بعدها فى مكة وتم إخضاعهم وعادت مكة وقريش الى تبعية دولة النبى محمد قبيل موته، حيث حكمت قريش نفسها بنفسها وكذلك الاعراب .وكانت الزكاة تؤخذ منهم لتوزع فيهم دون قسر او اكراه .لأن تشريع الزكاة يمنع اخذ الزكاة عنوة ،بل ان الله تعالي منع النبى من اخذ الصدقات من المنافقين لأنهم كانوا يقدمونها كارهين بدون طيب خاطر (9 / 54) والتغير الجديد الذي نعم به الاعراب هو المساواة والعدل بلا تفوق للقرشيين كالذي كان ،وذلك طبقا للقاعدة القرآنية فى المساواة بين البشر جميعا لأنهم أبناء لأب واحد وأم واحدة ، وأنه خلقهم شعوبا وقبائل ليتعارفوا لا ليتقاتلوا.( 49 / 13)

2 ـ  حركة الردة : وبمرض النبي ثم وفاته وتولى أبى بكر الخلافة وعودة النفوذ القرشى للظهور إمتعض الأعراب من الاتحاد الجديد بين المهاجرين القرشيين السابقين فى الاسلام و القرشيين الداخلين فى الاسلام حديثا ، وفهموا أن هذا الاتحاد القرشى سيكون على حسابهم فى ظل الوضع الجديد. فى وقت مرض النبى محمد الأخير أراد أعراب نجد مسبقا تأكيد وضعهم في مرحلة ما بعد النبي،ولأنهم فهموا النبوة امتيازا قرشيا فقد تحولت معارضتهم السياسية الي إدعاء دين جديد اقترنت فيه حرب الردة السياسية بادعاءات مضحكة للنبوة والوحى،قام بها مسيلمة الكذاب فى ( نجد ) في وادي حنيفة (مقر الدعوة الوهابية فيمابعد) وهو الذى كتب رسالة الى النبى محمد وهو فى مرض الموت يقول له فيها: (من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك ، فإني قد أشركت في الأمر معك،وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشا قوم يعتدون ) (تاريخ الطبرى 3 : 146). وبعد موته عليه السلام ثارت حركات أخرى للردة. وفهم الأمويون وسادة قريش حركة الأعراب على أنها  ثورة على السيادة القرشية فكانوا قادة المسلمين فى مواجهة حركة الردة. وبعد إخماد حركة الردة رأت قريش أن تشغل الأعراب فى الفتوحات لتستنفد طاقتهم الحربية بعيدا عن الجزيرة العربية و لتجنى العائد بالسيطرة على أغنى المناطق النهرية. و أقنع الأمويون جحافل الأعراب بفكرة نشر الاسلام بالسيف وجعلوه جهادا، والأعراب قامت معيشتهم على السلب والنهب ، وجاء التسويغ الدينى للسلب والنهب باسم الاسلام والجهاد ملائما لهواهم  فاقتنعوا بأنهم فائزون إما بالنصر والغنائم وإما بالشهادة والجنة ، فحاربوا باخلاص وأنجزوا أكبر نصر عالمى فى العصور الوسطى حين هزموا أكبر قوتين فى العالم وقتها. وكسبت قريش بسيوفهم أعظم خزائن العالم وقتها ، من فارس ومصر والروم وغيرهم..

3 ـ ثم حدث النزاع بين قريش والأعراب حول الغنائم وتحول الى حرب أهلية بين الصحابة عرفت بالفتنة الكبرى التى أفرزت الخوارج .وبدأ النزاع حول  ( أرض السواد ) فى العراق الواقعة علي حدود نجد والعراق ، والذى كان يريده الاعراب ملكا  لهم بعد أن فتحوه بسيوفهم ، ورضوا به تاركين كل ما فتحته سيوفهم فى الشام ومصر وفارس وشمال أفريقيا للأمويين يستاثرون به. عاندهم عثمان الخليفة الثالث بسبب سيطرة مروان بن الحكم عليه ، فاشتعلت الثورة على عثمان وانتهت بقتل عثمان فى داره وانتهت الثورة بأن حاصر الاعراب عثمان فى بيته فى المدينة ، ثم قتلوه وعينوا (عليا بن أبى طالب ) خليفة مكانه.  وبدأت الفتنة الكبرى التى دخلها المسلمون ولم يخرجوا منها حتى الآن .  

 4 ـ واضطر الخليفة الجديد ( على بن أبى طالب ) للاستعداد لمحاربة معاوية ، ولكن الأمويين كانوا يعدون لعلى مفاجأة قاسية ، إذ ما لبث أن إنشق عن (على) أقرب أصدقائه من كبار الصحابة وهم الزبير وطلحة ، وهما من كبار السابقين فى الاسلام ، ومعهما السيدة عائشة أم المؤمنين زوجة محمد عليه السلام. وبجهود مروان بن الحكم بن العاص بن أمية اشتعلت الحرب بينهما في موقعة الجمل والتى حارب فيها مروان بن الحكم الى جانب خصوم على. وبقتل الزبير وطلحة فى هذه الحرب  لم يبق أمام الأمويين من كبار الصحابة إلا الخليفة على بن أبى طالب ومن معه من الأعراب. وبعد إجهاد الخليفة على فى حرب الجمل التى أضعفته كان معاوية يواصل استعداده لمعركة فاصلة يأمل أن يصل بها الى الخلافة بحجة أنه أقرب الناس لعثمان المقتول ظلما، وأنه ولى أمر المطالبة بثأره.واشتعلت معركة صفين ، وقد كاد النصر فيها يتحقق لعلى لولا أن لجأ عمرو بن العاص رفيق معاوية لخدعة التحكيم ، ، فأمر معاوية جنده برفع المصاحف على الرماح طالبين وقف الحرب والاحتكام للقرآن الكريم. رفض على هذه الدعوة مدركا أن غرضها الخداع والنجاة من هزيمة محققة، ولكن الأعراب من جند على أكرهوه على قبول التحكيم ووقف الحرب ، وهددوه إن لم يفعل سيقومون بتسليمه الى عدوه معاوية!!

وفشل التحكيم بخديعة عمرو ـ ممثل معاوية ـ لأبى موسى الأشعرى ممثل على، وتحقق لجند على من الأعراب أن عليا كان على الحق حين رفض التحكيم وانه مجرد خدعة، إلا أن أولئك الأعراب بدلا من طاعة على خرجوا عليه ـ تحت اسم الخوارج ـ وقاتلوه ثم قتلوه. ثم واصلوا ثورتهم على الأمويين.

5 ـ فى إيجاز سريع : خلال جيل واحد : كان الأعراب كفارا فأسلموا قبيل موت النبى عليه السلام ، ثم بعد موته أصبحوا مرتدين ثم مسلمين للمرة الثانية ،ثم الي فاتحين كل ذلك فى عصر أبى بكر وعمر، ثم الي ثوريين علي عثمان ،ثم الي خارجين علي عليّ بن أبى طالب . كل ذلك التقلب حدث فيما بين موت النبي (11هـ،سنة 632م )الي مقتل علي علي ايديهم (40هـ،661)أي خلال اقل من ثلاثين عاما تقلبوا من الاسلام الى الردة ثم الى الفتوحات باسم الاسلام ثم الى الثورة على عثمان ثم الرجوع الى على ثم الخروج عليه وقتله، ثم الثورة على الأمويين. هذا تقلب من النقيض الى النقيض ربما لا نجد له نظيرا. واصطبغت حركتهم بالعنف المرتبط بغطاء ديني ،يسري هذا علي قبولهم المتحمس للاسلام في عهد النبي ،ثم خروجهم عليه في حركة الردة تحت زعامة مدعي النبوة ،ثم انغماسهم في الفتوحات علي انها جهاد يغنمون منه النصر والشهادة والغنائم في الدنيا و الاخرة ،ثم حين ثاروا علي عثمان رفعوا لواء العدل ،وحين رفع الامويين المصاحف علي اسنة الرماح في موقعة صفين خداعا ارغموا عليا علي الموافقة علي التحكيم لكتاب الله ،ثم حين ظهر ان التحكيم خدعة خرجوا علي (علي ) لأنه وافق علي التحكيم واتهموه بالكفر ثم قتلوه .

 6 ـ ــ وبنفس المبرر الدينى  بدأ الخوارج مبكرا جدا إستحلال قتل المسالمين الفقراء والنساء ، بل والأجنة فى البطون . هذا ما فعله الخوارج الحرورية . خرجوا على ( على ) وفارقوه وتركهم ( على ) فى حالهم .ولكنهم استباحوا  ـــ مبكرا ـ قتل النساء والمسالمين ، مما أرغم على بن أبى طالب على قتالهم . يروى الطبرى  أنه بعد مفارقة الخوارج لعلى ، وصار لقبهم ( الحرورية ) نادى ( على ) بالاستعداد لمواصلة الحرب مع معاوية ، إلا إن أصحاب على أرادوا أن يقاتلوا أولئك ( الحرورية ) أولا فرفض . ثم بلغه أن أولئك الخوارج إرتكبوا جريمة كبرى ، فحاربهم ( على ) وقضى عليهم فى موقعة النهروان . ونعرف هذه الجريمة الكبرى مما يرويه يروى الطبرى. فقد : ( دخلوا قرية ، فخرج عبدالله بن حباب صاحب رسول الله ذعرا يجر رداءه . فقالوا : " لم ترع . " فقال : " والله لقد ذعرتموني " قالوا : " أأنت عبدالله بن خباب صاحب رسول الله ؟ "قال : "  نعم ."....  فقدموه على ضفة النهر فضربوا عنقه فسال دمه كأنه شراك نعل ، وبقروا بطن أم ولده عما في بطنها .. ) وفى رواية أخرى :( إن الخارجة التي أقبلت من البصرة جاءت حتى دنت من إخوانها بالنهر، فخرجت عصابة منهم ، فإذا هم برجل يسوق بامرأة على حمار . فعبروا إليه ، فدعوه فتهددوه وأفزعوه ، وقالوا له : " من أنت " ؟ قال : " أنا عبدالله بن خباب صاحب رسول الله " .  ثم أهوى إلى ثوبه يتناوله من الأرض ، وكان سقط عنه لما أفزعوه . فقالوا له " أفزعناك ؟ " قال : " نعم  ". قالوا له: " لا روع عليك "..  ) وسألوه ( : "فما تقول في أبي بكر وعمر ؟ " فأثنى عليهما خيرا . قالوا : " ما تقول في عثمان في أول خلافته وفي آخرها ؟" قال:" إنه كان محقا في أولها وفي آخرها. " قالوا : " فما تقول في علي قبل التحكيم وبعده ؟ " قال : " إنه أعلم بالله منكم وأشد توقيا على دينه وأنفذ بصيرة ". فقالوا : " إنك تتبع الهوى وتوالي الرجال على أسمائها لا على أفعالها ، والله لنقتلنك قتلة ما قتلناها أحدا "....  فقال لهم  ابن خباب : (  .. ما علي منكم بأس . إني لمسلم ما أحدثت في الإسلام حدثا ، ولقد أمنتموني قلتم: لا روع عليك " . فجاؤوا به فأضجعوه فذبحوه وسال دمه في الماء ، وأقبلوا إلى المرأة فقالت : إني إنما أنا امرأة. ألا تتقون الله ؟! فبقروا بطنها . وقتلوا ثلاث نسوة من طيء ، وقتلوا أم سنان الصيداوية . فبلغ ذلك عليا ومن معه من المسلمين من قتلهم عبدالله بن خباب واعتراضهم الناس،  فبعث إليهم الحارث بن مرة العبدي ليأتيهم فينظر فيما بلغه عنهم ويكتب به إليه على وجهه ولا يكتمه. فخرج حتى انتهى إلى النهر ليسائلهم. فخرج القوم إليه فقتلوه . وأتى الخبر أمير المؤمنين والناس . فقام إليه الناس فقالوا : " يا أمير المؤمنين علام تدع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في أموالنا وعيالنا ؟سر بنا إلى القوم فإذا فرغنا مما بيننا وبينهم سرنا إلى عدونا من أهل الشأم . " ) ( 26 ).

ثالثا : الفارق بين الخوارج والاخوان النجديين

1 ــ مبكرا جدا أستحل الأعراب دماء المسالمين والنساء والأطفال الأجنة فى الأرحام . إستحلوا هذا تحت مُسوّغ دينى تبعا لهواهم . لم يكونوا يفعلون هذا من قبل وهم ( بادون فى الأعراب ) .  إنّ التطرف البدوي العادى يظل محصورا في بيئة الصحراء في حدود القبائل والقوى السياسية المتصارعة في جزيرة العرب ،ولكنه حين يكتسب تسويغا دينيا فهو يسافر بالبدو الي خارج الجزيرة العربية ليدفع الثمن المواطنون المسالمون في الشام والعراق وايران وهكذا استباح البدو في القرن الاول الهجري اولئك المساكين تارة باسم (الفتح الاسلامي )، وتارة تحت راية (لا حكم الا لله )، الي ان جاء العصر الحديث فحمل البدو راية الوهابية علي انها الاسلام ،واعادوا سيرة الاولين في القتل والنهب تحت شعار ديني . ثم غضبوا لأن الانجليز انشأوا حصن (بسية ) لإنقاذ أهل العراق من مذابحهم . ولأن حصن بسية لم يكن له وجود منذ القرن الاول الهجري ولأنه كان يمثل عائقا يمنع إعادة الاخوان لسيرة ( السلف الصالح ) فقد دارت حوله المعارضة الاخوانية وتطورت الى قتال أنهى الإخوان .ولم تكن نهاية الاخوان بعد تمردهم الثاني بعيدة عن حصن (بسية ).!.  قتل الخوارج عليا بن أبى طالب ، وكان أكثر تهاونا معهم . ولو لم يُبادر عبد العزيز بالقضاء على الاخوان الوهابيين النجديين لقتلوه وتغير تاريخ المنطقة .  

 الهوامش    

   26 : تاريخ الطبرى : 3 /  146 ،  5 / 81 : 83 . تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم

 

ملاحق :

الملحق الأول : تعليق يعتبر خاتمة لهذا الفصل : خطوة رائعة للرئيس السيسى  : إصلاح مادة التربية الدينية

27 يونية 2014

مقدمة :

1 ـ حين كتبت مدخلا لهذا الفصل الثالث  فى عام  2000 ،  بدأته بمدخل عن التعليم الفاسد وخطورته .  وأنهيت نشر هذا الفصل ، وجاء خبر رائع عن خطوة رائعة للرئيس المصرى عبد الفتاح السيسى نشره موقع : ( موجز الأنباء )

http://www.mojaznews.com/misc/7974/

2 ـ يقول الخبر : ( اعلنت وزارة التربية والتعليم اليوم عن إصدار كتاب القيم والاخلاق الذى يدرس فى جميع مراحل التعليم بعد الغاء كتاب مادة التربية الاسلامية وتبديل المادة بمادة الاخلاق والقيم بعد أن شهد الشارع المصرى فى الفترة الاخيرة هبوط فى مستوى الاخلاق والقيم وتعرض الفتيات التى عمليات تحرش وغياب الاخلاق فى الشارع دفع الرئيس السيسى الى الغاء مادة التربية الاسلامية وعمل تحديث للمادة العلمية فى المنهج وزرع القيم والاخلاق فى الشارع من خلال مادة القيم والاخلاق التى سوف يتم التدريس بهذه المادة بدايه من العام الدراسي الجديد 2014-2015 وذلك بعد مشاورات بين الكنيسة والازهر الشريف لاهمية ذلك الموضوع.وقد حرص الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على ضرورة الانتهاء من تحضير كتاب هذه المادة الجديدة لكى يتم تدريسها لجميع الطلاب بجميع المراحل الدراسية بالعام الدراسي الجديد.اكد وزير التعليم المصري انه يتم تغير كتاب مادة التربية الاسلامية واستبداله بكتاب الاخلاق والقيم بعد تدهور القيم والاخلاق عند معظم الشباب المصري وخاصة بعد تعدد حالات التحرش بالكثير من الميادين والشوارع والمحافظات.كما اكد وزير الاوقاف ان القيم والاخلاق اكدت عليها جميع الاديان السماوية وحرص على توضيح ان هذا الكتاب ايضا سوف يحتوى على معلومات عن حضارة الاسلام و سماحة الاديان.). كان لا بد من كتابة هذا التعليق ليكون خاتمة لهذا الفصل يذكّر بالمدخل المكتوب عام 2000 . 

أولا :

1 ــ قضيت يوما سعيدا أمس ، فقد جاءت بشائر تحقيق ما كنت أحلم به من إصلاح ، وأحسست أن  بعض ثمار معاناتى خلال الثلاثين عاما المنصرمة لم تذهب هباءا ، خصوصا فى مجال إصلاح التعليم واصلاح الأزهر . ويتذكر القارىء أن كتاب ومقالات ( مبادىء الشريعة الاسلامية وكيفية تطبيقها ) ذكر  حزمة من الاصلاحات على رأسها إصلاح التعليم المصرى وإصلاح الأزهر وإصلاح المساجد .

2 ـ وسيأتى الوقت الذى أنشر المٌتاح من المعارك الفكرية التى دخلت فيها بسبب الدعوة للإصلاح ، ومنها معركة إصلاح التعليم المصرى ، المعروف بمشروع ( التعليم المصرى والتسامح ) والذى إنشغل به مركز ابن خلدون عامى 1989 : 1999 .، وكان التركيز فيه على اصلاح مادة التربية الدينية للمسلمين والمسيحيين ، ومادتى التاريخ والقراءة . وأسهمت فيه فى إصلاح مادة التربية الدينية الاسلامية ، بكتابة ( دليل المعلم ) بديلا عن ( دليل المعلم الرسمى لوزارة التربية والتعليم ) ثم وضعت مقترحات بديلة لمادة التربية الدينية الاسلامية فى التعليم الابتدائى و الاعدادى والثانوى . ثم كتبت سيناريو فيلم تراثى عن شخصية قبطية رائعة فى العصر العباسى ، ( نشرت القصة فى موقعنا بعنوان : قبطى عظيم فى عصر خليفة لئيم ) وفيلما تسجيليا عن ظاهرة مصرية مجهولة ، وهى إشتراك المسلمين فى إحتفالات مولد السيدة العذراء فى كنيسة مسطرد . وأنتجهما مركز ابن خلدون . بعد التأليف والانتاج دعا د سعد الدين ابراهيم رئيس مركز ابن خلدون كل المؤسسات المصرية الى مناقشة المشروع ، من مجلس الوزراء ووزارة التربية والتعليم والأزهر والكنيسة والاعلام والمثقفين والمفكرين والكُتّاب والأدباء ، وفوجئنا بهجوم فظيع من مجلس الشعب ومجلس الوزراء والاعلام الرسمى والحزبى ، وتركز الهجوم على شخصى وما كتبته فى اصلاح مادة التربية الدينية الاسلامية . والذين هاجموا لم يقرأوا المكتوب ، بل إستطلعوا رأى الشيوخ الذين يهاجمون أى شىء منسوب لشخصى . وبعد أن قرأ بعضهم بعض المكتوب ونشره خفّ الهجوم فى العام التالى ، وهذا شجعنا على الانتقال الى المرحلة التالية للمشروع ، وهو تطبيقه خلال ألأجازة المدرسية بمناقشته مع مدرسين من الوزارة ، وقيامهم بتدريسه على عينات من الطلبة فى مراحل التعليم . وتم توزيع جوائز تفوق على المدرسين المتفوقين . ثم كانت المكافأة التى تلقيناها هى إعتقال د سعد الدين ابراهيم وغلق مركز ابن خلدون وإعتقال كثيرين من أهل القرآن من المشاركين فى رواق ابن خلدون الذى كنت أديره ، والمشاركين فى مشروع اصلاح التعليم ، وقبل إعتقالى شددت الرحال الى أمريكا لأنجو بحياتى ، لأن إعتقالى وحشرى مع المساجين الارهابيين الوهابيين يعنى حتما قتلى .

3 ـ وسيأتى الوقت لنشر المكتوب فى اصلاح مادة التربية الدينية الاسلامية بالتفصيل ، ولكن أعرض سريعا لمقدمة وفهرس موضوعات الكتاب الأول ( كتاب : دليل المعلم . )

ثانيا : لمحة عن كتاب ( مشروع التعليم والتسامح : رؤية في دليل المعلم : للتربية الدينية الإسلامية .د . أحمد صبحي منصور ) 

1 ـ (  مقدمة  : ليس المقصود من هذه الكتابة عن دليل معلم التربية الإسلامية هو تكرار ما سبق إيراده في دليل المعلم لسنوات الدراسة ، وإنما تقديم رؤية أصلاحية تناقش المنهج الذي تسير عليه مادة التربية الإسلامية وتحاول إصلاحه والاقتراب به أكثر من حقائق الإسلام ، ثم نتوقف مع معلم التربية الإسلامية ونعطي دارسة قرآنية حول حقائق الإسلام الكبرى التي ينبغي أن ينشأ عليها المسلمون أطفالا ويمارسوها كبارا . ثم نقدم في النهاية مقترحا بمنهج مشترك للتربية الدينية للمسلمين والمسيحيين على أن تكون مادة النجاح فيها بالمجموع . إن الإصلاح هو الهدف الذي نسعى إليه جميعا ..و مادة التربية الإسلامية هي أساس الإصلاح ،وإذا شابها ادني خطأ في المنهج أو في العرض أصبحت شديدة الخطورة على الوطن والموطنين .. ومن هنا لا ينبغي منذ البداية أن تكون مادة التربية الدينية للمسلمين والمسيحيين بؤرة التفرق والانقسام والاختلاف بين أبناء الوطن الواحد ، ولكن ينبغي أن تكون نقطة التلاقي والاتصال والتعاون على البر والتقوى والوقوف أمام الإثم والعدوان . وهذا هو المفهوم الحقيقي لحقائق الإسلام وهي تدعو إلى الحق والقسط والخير والحب والتسامح والصبر والسلام والعفة والتقوى . والتي تنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي والظلم والشرور والتعصب والإرهاب والكراهية وكل ما هو مشين وقبيح ..ومادة التربية الدينية هي الميزان الحساس ، وأي ميل أو اعوجاج في هذا الميزان يكون خطيرا على الدين الوطن .وحبا في دين الإسلام والوطن كتبنا هذا البحث ..       

 والله المستعان . د. أحمد صبحي منصور ..1998 )

2 ـ ( الفهرس :  القسم الأول :  رؤية لمنهج التربية الإسلامية :

نماذج للتجاوزات والأخطاء في دليل المعلم  (الرسمى ) :

أولا : تكفير الآخر  . ثانيا : تجاهل الآخر. ثالثا : تجاهل مصر والمكانة المصرية في القرآن الكريم .

رابعا : تجاهل القصص القرآنى عن المصريين والمصريين الذين تحدث عنهم القرآن الكريم . خامسا : تجاهل مقاصد التشريع في القرآن : تجاهل التقوى الاسلامية . 

القسم الثاني : توجيه لمعلم التربية الإسلامية :

أولا : التعرف على حقائق الإسلام : العدل والقسط . الحرية الدينية . التسامح ( من الإحسان إلى الصبر ). الإحسان والتسامح في الدعوة  ، التسامح  والعفو والغفران ، الإحسان بالقلب ، الإحسان والصبر. تشريعات القتال في الإسلام هدفها السلام وحرية العقيدة :

ثانيا : الموالاة والانتماء لمصر فرضية الانتماء لمصر.الخصائص المصرية المستفادة من القصص القرآني .

الخاتمة : حول منهج جديد  لمادة التربية الدينية في التعليم العام : مقترح بمنهج عام مشترك للتربية الدينية الإسلامية والمسيحية في العقائد : (1 ) في العبادات  (2) في السلوكيات والأخلاق و محاربة السلوكيات الهدامة .  ملاحظات على كيفية التنفيذ .) انتهى .

أخيرا

1 ـ المُصلح متخصص فى السيئات ، ولا يمدح إلا مُضطرا . ولكنى بقلب مفتوح أسجل تقديرى للرئيس عبد الفتاح السيسى على بدئه بهذه الخطوة الاصلاحية ، وأتمنى أن يسير فى طريق الاصلاح التشريعى الدستورى والقانونى ، لأن محاربة الارهاب أمنيا لا تُجدى مع وجود دين الارهاب مسيطرا على القلوب والعقول متخفيا باسم الاسلام ، نريد تطبيق إصلاح كامل مؤسس على الجمع بين الحرية والعدل .

2 ــ طيلة حياتى ما دعوت لأى حاكم ولا نافقته ولا مدحته ، بل كنت ولا زلت ناقدا متخصصا فى السيئات . ولكن أرى تباشير خير فى الرئيس عبد الفتاح السيسى . أدعو أن يوفقه رب العزة جل وعلا ليصلح ما أفسده أسلافه .

 

 الملحق الثانى

  أجعلوها شعارا : ( داعش : يا كفرة يا أولاد الكلب )

فى 19 يونية 2014

فى التعليق على ما كان يجرى وقت نشر هذه المقالات ، حين كانت ( داعش : الدولة الاسلامية للعراق والشام ) تُحارب فى العراق ، وتُقيم المذابح ، لتحقيق ما يصبو اليه الجهاد الوهابى ، وما كان يريده الأخوان النجديون فى عصر عبد العزيز .

 مقدمة : تعليق معاصر أثناء نشر كتاب ( المعارضة الوهابية فى الدولة السعودية .. )

1 ـ أثناء نشر حلقات هذا الكتاب الذى  تمت كتابته فى  القاهرة 26 يونيه2001، تضطرنى فظائع ما يحدث اليوم فى العراق وسوريا الى التعليق للتنبيه مُجدّدا ، مع أننى سبق وأن حذرت من هذا من قبل .. ولكن العرب المحمديين قوم لا يفقهون .

2 ــ إن ( داعش ) ( الدولة الاسلامية للعراق والشام ) تسير على سُّنة إخوان عبد العزيز ، وتحاول أن تُنجز ما عجز عنه ( الأخوان النجديون ) فى عهد عبد العزيز . وقد إختلف إخوان عبد العزيز معه بسبب أنهم يريدون مواصلة جهادهم السّنى الوهابى بقتل أطفال ونساء العراق والشام ، وكان عبد العزيز يرى أن الوقت لا يلائم هذا ، وألأفضل تأجيله الى وقت لاحق . وأنشأ عبد العزيز تنظيم الاخوان المسلمين ليقوم عنه بهذه المهمة خارج مملكته فى الوقت الملائم . وجاء الوقت الملائم فى عصرنا البائس، حيث  تفرع ويتفرع عن الاخوان  عشرات التنظيمات الارهابية ، ومنها الآن تنظيم داعش الذى وجد مساعدات مالية ولوجيستية من مختلف الدوائر المحلية والاقليمية والدولية من السعودية والقاعدة والبعث وقطر والاخوان المسلمين وأمريكا ، إختلفوا فى الكثير ولكن إتفقوا على تدمير العراق والشام كيدا فى ايران .

3 ـ داعش تمثّل هذا التحالف الشيطانى ، وبؤرته فى السعودية الوهابية ( محور الشّر فى العالم ) وبدايته فى الدولة السعودية الأولى ( 1745 : 1818 ) ، وواسطة عٍقده فى الدولة السعودية الراهنة التى أسسها عبد العزيز آل سعدود بسيوف الاخوان النجديين ، ثم قضى عليهم وأعطى هذه الدولة إسم أسرته عام 1932 .

4 ـ لن نقول جديدا ، بل لمجرد التذكير بما قلناه خلال ثلاثين عاما وفى مئات المقالات والأبحاث ، وموجزهُ بالنسبة الى داعش هو هذا العنوان : (داعش : يا كفرة يا أولاد الكلب  ) . قد لا يُجب هذا العنوان القارىء . ولكنه أقل ما يُقال فى مجموعة من الوحوش تقيم المذابح للأبرياء باسم الاسلام ، وتُوصف بأنها ( حركة اسلامية ) ومن ضمن فعاليات ( الاسلام السياسى ) . كفى إمتهانا للاسلام أيها المحمديون ..!!

5 ـ ( داعش : يا كفرة يا أولاد الكلب ) : ـ إجعلوها شعارا ، يُقال عند سماع أى نبأ عن داعش ، وعند مشاهدة أى صور أو فيديو تنشره داعش فى قتل المدنيين ، وفى ارهاب المدنيين ، بل اكتبوه على الجدران والحيطان ، واجعلوه شعارات لمظاهرات حتى تسقط أسطورة داعش . هذا أقل ما يقال دفاعا عن الاسلام ورعاية لحق الضحايا المساكين .!

أولا : ( داعش : يا كفرة يا أولاد الكلب ) :

1 ـ هناك كفر سلوكى : بالاعتداء المسلح ظلما وعدوانا وبالاكراه فى الدين . وهناك كفر قلبى ( عملى : تقديس الأضرحة ، علمى تقديس الكتب والأئمة ) . عندما يجتمع نوعا الكفر ( السلوكى والقلبى ) فهذا هو حضيض الكفر . الأسوأ ـ وهو أسفل السافلين ـ  عندما يجتمع الكفر السلوكى والقلبى ثم ينتسب أولئك الكافرون الغُلاة الطُّغاة أنفسهم الى الاسلام .! .

2 ـ  الاسلام دين الرحمة ، الذى أنزله أرحم الراحمين ( بسم الله الرحمن الرحيم ) وأرسل رسوله  رحمة للعالمين : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)   )الأنبياء ). إن أنبياء الله جل وعلا يدعونه بوصفه ( أرحم الراحمين ) : قالها يعقوب عليه السلام : ( قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) يوسف ) وقالها يوسف عليه السلام   ( قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92)  يوسف ) وقالها  موسى عليه السلام  ( قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151)  الاعراف )  وقالها أيوب عليه السلام : ( وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83)  الأنبياء ).

3 ـ إن رب العزة هو ( أرحم الراحمين ) الذى أرسل رسوله رحمة للعالمين ، ولكن داعش وأخواتها من محور الشّر ــ الوهابية ــ  يعبدون إلاها آخر غير الرحمن الرحيم ، يعبدون الاها فظّا غليظ القلب ، وقد إخترع لهم أسلافهم السنيون الحنابلة ( نبيا )  جعلوه فى ( السيرة النبوية ) يقتل الأسرى ويغتال المُعارضين ويعتدى على الآمنين ، وجعلوا دينه فى أنه مأمور أن ( يقاتل الناس ) حتى يُكرههم فى الدين . كل هذا بالمخالفة للقرآن الكريم . ثم ينسبون أنفسهم بكل فجور الى الاسلام العظيم .

4 ـ  لذا نقول لهم :  ( داعش : يا كفرة يا أولاد الكلب )

ثانيا : ( داعش : يا كفرة يا أولاد الكلب ) :

1 ـ من سوء حظ إقليم الشام والعراق الغنى بالأنهار والزراعة والحضارة أن يقع شمال الصحراء العربية ، وخصوصا منطقة نجد القاسية فى مناخها ، وبأهلها الأعراب الموصوفين فى القرآن الكريم بأنهم أشد الناس كفرا ونفاقا . وأوضحنا علاقة الأعراب باقليم الشام والعراق.  ومن خلال تاريخ ( المسلمين ) نجد موجزا لهذه العلاقة : أن هجمات الأعراب تعتدى على اقليم الشام والعراق ، إما بتسويغ دينى مزور يستبيح قتل المدنيين والنساء والأطفال وسبى النساء ، باستخدام شعار الجهاد (السُنّى أوالشيعى ) ، وإما هجمات عادية تحترف السلب والنهب . بدأ هذا بالخوارج ، ثم حركة الزنج ، ثم القرامطة ، ثم أخيرا الوهابية ، وربيبتها داعش .

2 ـ كل هؤلاء انتهوا فى قمامة التاريخ ، مجرد  صفحات تصرخ فيها ملايين الضحايا الذين لا ذنب لهم ، والذين لا يابه أحد بهم . انتهى أولئك البُغاة الطُّغاة ، ولكن بعد أن قتلوا وسلبوا و سبوا واسترقوا وظلموا الملايين من الضحايا المساكين . وعلى سنتهم تسير داعش واخواتها من الوهابية السعودية محور الشّر . وستنتهى داعش والوهابية كما انتهى السابقون  فى نفس صندوق الزبالة .

3 ـ داعش تكرر نفس جرائم السابقين ليس فقط فى إنتحال إسم الاسلام العظيم بل أيضا فى السلب والنهب للمصارف والبنوك ، وفى السبى والاغتصاب ( جهاد المناكحة ) وقتل الجميع بلا تمييز عشوائيا أو مع سبق الاصرار والتعمد .

4 ـ هل نُذكّركم بقوله جل وعلا : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)) النحل ) ؟ أرجو عندما ترون فيديو لهم وهم يقتلون الضحايا المساكين أن تقولوا : ( داعش : يا كفرة يا أولاد الكلب ) :

ثالثا : ( داعش : يا كفرة يا أولاد الكلب ) :

1 ـ سبق أن نشرنا هنا مقالات عن نشأة الحنبلية وتأثيرها فى تدمير العراق. ثم جمعناها فى كتاب منشور فى موقعنا ( أهل القرآن ) بعنوان : ( الحنبلية ــ أم الوهابية ـ وتدمير العراق فى العصر العباسى الثانى ) . أوضحنا قيام شيوخ الحنابلة فى العراق بتحويل العوام والرعاع واللصوص وقطاع الطُّرق ( العيارون )  الى قادة وجنود للتطرف . وأسهم الحنابلة فى تأخر الحياة العقلية للمسلمين ، وفى استئصال المعتزلة أئمة المنهج العقلى وفى اضطهاد العلماء السنيين من الطبرى الى أئمة الأشاعرة . ثم قامت الوهابية منذ الدولة السعودية الأولى وحتى الآن بنشر ( الجهل الدينى ) والتزمت الحنبلى جنبا الى جنب مع الجهاد بالتوسع والاحتلال وقتل النساء والصبيان والمدنيين . وبتجنيد العوام وبأموال البترول والصراع على نفط الخليج اقليميا ودوليا تتولّد تنظيمات وحشية ينتظم فيها آلاف العوام من الشباب اليائس والناقم ، يجدون فرصتهم فى الزعامة والانتقام من مجتمع تتركز فيه السًّلطة والثروة ، ويجدون فى قتل المخالف لهم فى الدين والمذهب وسيلة لإطفاء إحباطاتهم المُزمنة وعُقدهم النفسية .

2 ـ مستحيل أن نتخلص من الارهاب بالحلول الأمنية والعسكرية ، حتى لو جمعنا كل الارهابيين والمتطرفين فى العالم كله وأقمنا لهم أفران الغاز حرقا .. الفكر لا يواجهه إلا فكر . سيظل الفكر الارهابى سائدا وعاتيا يقتل ملايين البشر ويُفسد فى الأرض طالما يظل ينسب نفسه الى الاسلام  دون مناقشة . سيظل هذا الفكر لارهابى يُنتج أجيالا وأجيالا من الارهابيين . لذا لا نملُّ من الدعوة الى تأسيس حركة فكرية إصلاحية تعضدها تشريعات تؤكد الحرية المطلقة فى الدين والفكر والابداع للجميع حتى الوهابيين أنفسهم . بدون هذه الحرية ستظل الوهابية مُحصنة من النقد والنقاش بحجة أنها الاسلام . الوهابية تحتاج الى سُلطة تحميها من النقاش . فإذا تعرضت وحدها للنقاش بعيدا عن عصا السًّلطة سقطت .

3 ـ وطال نُطلق على داعش وأخواتها من الوهابية مسمى ( حركة اسلامية ) و ( الاسلام السياسى ) وطالما نمنحهم إسم الاسلام العظيم ـــ  ظلما وعدوانا ـــ فأبشروا بالمزيد القادم من بحور الدماء للعلمانيين والمسيحيين والشيعة والوهابيين وغير الوهابيين وسائر العوام المساكين .

4 ـ لذا أرجوكم : إرفعوا شعار :  ( داعش : يا كفرة يا أولاد الكلب ).

 

 

الملحق الثالث :

الداعشيون أنت أنت إمامهمُ ..يا قرضاوى

فى 25 يونية 2014

أولا : الداعشيون

1 ـ هناك على اليوتوب صورة لداعشى يسير مسلحا فى الموصل يحمل مدفعه الرشاش وتسبقه لحيته الكثيفة ، ويرتدى لباسا ينتمى للعصور الوسطى .  لولا سلاحه الحديث لتخلينا أنه سقط من تاريخ العصور الوسطى ( الخوارج ، القرامطة  ). هذا الداعشى بشكله ومظهره يؤكد قدرة الدين الأرضى ــ إذا سيطر ـ على تغيير الناس ، وبعث الماضى العفن من قبره ليعود حيا ينبض ، ينشر الخراب ويقيم المذابح وهو يهتف ( الله أكبر).!!.

2 ـ هذا الداعشى السفاح ضحية .!!. فتح عينيه لأول مرة وليدا غضا بريئا ، يضحك ويبكى ، وبضحكه وببكائه يأسر من يراه فى طفولة حيّة عفوية نقية ، يجتمع كل الناس على حبها والعناية بها . هكذا كانت بداية هذا الشاب الداعشى مثل أى طفل وليد فى العالم . وكل أطفال العالم سواء ، مهما إختلفت الألوان والجنس ( ذكورة وأنوثة ) ومهما إختلفت الثقافات والزمان والمكان . يحدث الاختلاف عندما يكبر الطفل ، ويتعرض لعوامل التعرية البيئية . هنا تجد التمايز والاختلاف . ترى الطفل ينمو ويصبح شابا متأثرا بثقافة مجتمعه ، فيكون أمريكيا أو أوربيا أو آسيويا أو افريقيا ..ولو كان سىء الحظ يكون عربيا مسلما تسيطر عليه أسوأ أنواع الأديان الأرضية فى العالم ، الدين الوهابى . الشاب الغربى يعيش الحاضر ويتنفس المستقبل ، والشاب العربى ( السلفى ) يعيش الحاضر ولكن يتنفس الماضى السلفى ، ويفرض هذا الماضى السلفى على حاضره . وفى مجتمعه يسيطر الاستبداد والفساد بواسطة قلة قليلة تحتكر الثروة والسلطة ، وتتعامل مع الأغلبية بمنطق الاستبعاد والاسترقاق ، وخوفا من غضب الشباب تُلهيهم بالدين الوهابى الذى يجدون فيه البديل ، يتقيأون فيه إحباطاتهم وأحقادهم وأحلامهم المؤجلة ، بأن يتحولوا الى سفاحين يقتلونبلا رحمة أناسا أبرياء ، ويعتقدون أنهم يُحسنون صُنعا ، وأن الجنة مثواهم ، وأن الحوار العين تفتح ذراعيا وساقيها لاستقبالهم .

ثانيا : القرضاوى إماما للداعشيين

1 ـ هذا مع أن الاسلام فى مصدره الوحيد الواحد ( القرآن الكريم ) يتناقض مع كل هذا ، برحمته وإحسانه وعدله وحريته وسماحته وتشريعاته فى الجهاد وفى القتال الدفاعى ورحمته بالأسير وحرصه الرائع على حق الحياة لكل إنسان ، وتغليظه عقوبة من يقتل إنسانا مؤمنا مأمون الجانب مسالما .

2 ـ هذا التشويه للاسلام ، وهذا الخداع الكبير للشباب من داعش واخواتها قام به أشد الناس إجراما ، وهم فقهاء الوهابية ، وفى مقدمتهم الشيخ القرضاوى ، الامام الأكبر للداعشيين وغيرهم من الوهابيين .

3 ـ هذا الشاب الداعشى قتل ويقتل بحماس شديد ، وضحاياه فى تزايد . ولكنه نفسه ضحية . ضحية للشيخ القرضاوى ، ومن هم على شاكلة القرضاوى من أئمة الوهابية . أولئك الفقهاء الوهابيون أشد البشر وحشية وسفكا للدماء ، هم الأعداء الحقيقيون لله جل وعلا وللاسلام وللبشرية ولكل القيم الأخلاقية . لا يتصور أحدهم أن يرى إبنه داعشيا أو ( مجاهدا وهابيا يُفجّر نفسه ) ، هو فقط يملأ خزائنه بالأموال ليضل الشباب البرىء حتى يقوم هذا الشاب البرىء بقتل شباب أبرياء ، ثم ينال الشيخ التقديس والتعظيم ، وتنحنى الجباه تُقبّل يده ، وتتبرع له .. هذا النوع الذى يكتم حقائق القرآن الكريم ويشترى بآيات الله جل وعلا ثمنا قليلا قال عنه رب العزة : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) البقرة ). معهم الهدى ولكنهم كتموه ، واشتروا الضلالة بديلا عن الهدى ، فما أصبرهم على النار .. أى كيف سيصبرون على أشد عذاب ينتظرهم فى النار .

4 ـ بسبب الاجرام المتناهى لأئمة الأديان الأرضية ثارت أوربا على الكنيسة ، وقال زعيم الشيوعية ( الدين أفيون الشعوب ) ، يعنى الدين الأرضى لأن الدين السماوى الحقيقى ليس له تأثير ، وتمنى بعضهم أن يشنق آخر مستبد بأمعاء آخر قسيس ..لم تنس اوربا فظائع الكنيسة الكاثولوكية فى العصور الوسطى ، ثارت على خلط الدين بالسياسة ، وحصرت الكنيسة داخل جدرانها ، وجعلتها تتخصص فى أعمال الخير الاجتماعية ، ونهضت أوربا بالعلمانية ونهض معها العالم ، وكانت مصر على وشك اللحاق بأوربا فى القرن التاسع عشر ، لولا ظهور الوهابية ، ثم سيطرتها على مصر . وبتحول مصر الى الوهابية من خلال الاخوان المسلمين وسائر الجمعيات السلفية الوهابية انتشرت الوهابية بين معظم المحمديين ، وأصبح دعاتها المصريون أئمة مقدسين من الشعراوى الى الغزالى ثم القرضاوى ..

ثالثا : نوعا الدعاة الدينيين

1 ـ  إن الناس نوعان : دعاة دينيون ، وسامعون لهم . الدعاة نوعان : دُعاة الدين الحق الذين يجاهدون سلميا بالقرآن الكريم متبعين للسنة الحقيقية للرسول عليه السلام ، وقد قال له جل وعلا عن القرآن والجهاد به ضد الكافرين المعتدين : (  فَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً (52) الفرقان  ) ، وكان عليه السلام يُنذر بالقرآن ويُبشر بالقرآن ويدعو بالقرآن (وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51) الانعام ) (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (45) ق )  () كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (3)  ) الأعراف ) . هؤلاء الدعاة للحق لا يسألون الناس أجرا بل يهبون أنفسهم لله جل وعلا.

2 ـ على النقيض يوجد  دُعاة الباطل أصحاب القول المعسول الذى تصغى اليه أفئدة الناس ، يقول جل وعلا فى الداعية الشيطانى فى كل زمان ومكان : (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) البقرة ) هذا ينطبق على دُعاة الوهابية بالذات . حاول أن تواجه القرضاوى قائلا : إتق الله فيما تفعله بالمسلمين ، عندها سيثور وتأخذه العزة بالإثم ، لأن وظيفته أن يسعى فى الأرض بالفساد ، يُهلك الحرث والنسل عن طريق دعوته التى حولت طفلا بريئا الى كائن ( داعشى ) .

3 ـ وفى مقابل القرضاوى وفصيلته هناك دُعاة الحق القرآنى الذين يبيعون أنفسهم لله جل وعلا إبتغاء مرضاة الله جل وعلا ، يقول جل وعلا عنهم فى الآية التالية : ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)) البقرة )  .

4 ـ الفيصل بين النوعين هو فى الدعوة للسلام أو السّلم ، يقول جل وعلا فى الآية التالية موجها الخطاب للمؤمنين : (  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) البقرة ) هو فرض أن نعيش نحن المؤمنين فى السلام ، وممنوع شرعا الاعتداء على الآخر ، بل مجرد الدفاع عند التعرض للهجوم المعتدى ، لأن الله جل وعلا لا يحب المعتدين ( البقرة  190 ) . هذا هو الاسلام دين السلام ودُعاته للسلام والعدل والاحسان . دإعاة الحق يدعون للسلام ، ودُعاة الضلال يدعون لسفك الدماء . وهكذا يفعل القرضاوى الإمام الحقيقى لداعش ، وأيامها الغبراء .!

رابعا : لا توسط فى مجال الدعوة : من يكتفى بكتم الحق ملعون

1 ـ وفى مجال الدعوة الدينية لا يوجد توسط . هناك داعية متطرف فى الكفر ، متخصص فى نشر الضلال بالأحاديث الباطلة ، يدعو بها لسفك الدماء.  وفى المقابل هناك داعية للحق يجهر به ، يلاحق دٌعاة الباطل بالحق القرآنى يؤكد كفرهم وعداءهم للاسلام . بين هذا وذاك هناك داعية ساكت عن الحق يكتم الحق فقط  ولا ينشر الباطل . هذا الداعية الساكت عن الحق الذى يكتفى بكتم الآيات القرآنية هو ملعون ، لأنه يكتم الآيات البينات ولا يعلنها للناس ، وهى بمجرد قراءتها تكون بيّنة واضحة مُيسّرة للذكر . تقاعسه عن تلاوة الآيات القرآنية البينة من الكتاب المبين يعنى إستحقاقه للّعن من الله جل وعلا لأنه سكت عن الباطل ولم يواجهه بالحق القرآنى  . فلا توسط هنا فى مجال الدعوة الدينية، بمعنى أن مجرد كتمان الحق جزاؤه اللعن من الله جل وعلا ، يقول جل وعلا  : (  إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ (159) البقرة ) لديه مهلة فى هذه الدنيا ، أن يُعلن على الناس خطأه ويتوب ويعلن الحق القرأنى واضحا ، ولا تأخذه فى الله جل وعلا لومة لائم ، وبهذا يصحح خطأه فى السكوت ، ويُصلح عمله ودعوته، عندها يتوب الله جل وعلا عليه ، يقول جل وعلا :  ( إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160)  البقرة ).

2 ـ الذى يظل سادرا فى سكوته عن إعلان الحق حتى الموت تحلّ به اللعنة من الله جل وعلا والملائكة والناس أجمعين ، يقول جل وعلا فى الآية التالية : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ (162) البقرة ).

خامسا : موقع القرضاوى

1 ـ القرضاوى ـ لا يزال حيا حتى هذه اللحظة . ( مولود فى سبتمبر  1926 ) وقضى حوالى ستين عاما فى الدعوة للباطل والسعى فى الفساد وإهلاك الحرث والنسل . لديه فرصة أن يتوب لو شاء   . وقد صرّح أنه سيعود للخطابة بعد رمضان . نتخيل أن بعضهم يقف ليقول له : ( إتّق الله يا شيخ ، فأنت تقترب من التسعين ولا زلت تدعو للباطل وتكتم الحق ، وتنشر الافتراءات .ت ُب أيها الشيخ قبل أن تأتيك المنيّة ، تُب وأنت على عتبة القبر .! . تُب ، فضحاياك من المخدوعين بك بالملايين ، وضحاياك ممّن تحولوا الى ارهابيين بمئات الألوف . كفاك نشرا للإفك ، وكفالك جمعا للمال السُّحت ، وكفاك مناصرة للاستبداد والفساد ،وكفاك سفكا للدماء . إنظر الى رجال الدين المسيحى الذين يهبون حياتهم فى المساعدات الخيرية حتى للمسلمين الجوعى ..ألا يؤرقك قتل الأطفال والنساء من المسلمين الأبرياء ؟ ألم ترتو من بحار الدماء التى فجرتها دعوتك ؟ الى متى يا قرضاوى ؟ الى متى تظل إماما لداعش وغير داعش ؟؟ ) . تُرى لو قيل للشيخ القرضاوى هذا على الملأ ؟ هل سيتوب ويبكى و يعلن على الملأ خطأه ويستغفر وينوب ويؤوب ؟ أم ستأخذه العزة بالإثم ؟ لماذا لا يعظه بعض الناس لنرى موقف القرضاوى وموقعه ؟

2 ـ من روعة الاعجاز أن الله جل وعلا قال  : ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) اوَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)) البقرة ) .

الروعة هى فى قوله جل وعلا (وَمِنْ النَّاسِ ) ، فحيثما يوجد ( ناس ) أى مجتمع يوجد ( من الناس ) دُعاة للدين الباطل ينشرون فى الأرض الفساد ويهلكون الحرث والنسل ، وحيثما يوجد ( ناس ) ف ( من الناس ) يوجد دُعاة للسلم يناضلون إبتغاء مرضاة الله جل وعلا . فى كل مجتمع يوجد ( قرضاوى ).!

3 ـ ويأتى يوم القيامة ، يوم الحساب ، يوم الدين ، ويقف دُعاة الحق أشهادا على دُعاة الباطل ، يقول جل وعلا عن دُعاة الباطل مروّجى الأكاذيب : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19) أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمْ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (20) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (21) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الأَخْسَرُونَ (22)  هود )  

أخيرا :

1 ـ  فات الكتير ، وما بقى إلا القليل .. مضى بنا قطار العمر يا قرضاوى واقترب الأجل ، يقول جل وعلا فى أحسن الحديث : ( أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185) الأعراف )

2 ــ ودائما : صدق الله العظيم  

 

 

 

 

المعارضة الوهابية فى الدولة السعودية فى القرن العشرين
بسم الله الرحمن الرحيم
ننش ر كتاب ( المعارضة الوهابية فى الدولة السعودية فى القرن العشرين ) فى مقالات متوالية . وقد سبق تأليفه فى عام 2001 ، أنشره كما هو بعد حذف فصل تمهيدى أصولى ، لأن ما جاء فيه سبق تكراره فى مئات المقالات عن الوهابية السلفية السنية ، فلا داعى للتكرار . يقتصر النشر هنا على بقية أجزاء البحث ، وما يتعلق بها فى هذه المقدمة ، وهى كتابة بحثية من وجهة نظر تاريخية محايدة . وقد سبق نشر أجزاء هنا من هذا الكتاب ، هى ( المقدمة ، والخاتمة ، وباب عن المعارض : ناصر السعيد .). وحرصا على الوحدة الموضوعية للكتاب نضطر الى نشره كاملا على حلقات بدون الفصل التمهيدى المشار اليه .
more