أطفال المكبّات" في العراق.. بحث عن الرزق وسط النفايات الخطرة

اضيف الخبر في يوم السبت ٠٩ - مايو - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: العربى الجديد


أطفال المكبّات" في العراق.. بحث عن الرزق وسط النفايات الخطرة

في أطراف عدد من المدن في العراق، حيث تتكدس أكوام النفايات تحت أشعة الشمس وتتصاعد الأدخنة جراء الحرق العشوائي، يقضي أطفال ساعات طويلة يومياً في البحث بين المخلفات عن مواد قابلة للبيع. وبينما تتحدث الحكومة عن تطوير أنظمة إدارة النفايات الخطرة وتشديد الرقابة البيئية، لا يزال هؤلاء الأطفال يعملون داخل المكبات من دون أي وسائل حماية، معرضين أنفسهم لمخاطر صحية تُوصف بأنها "شديدة الخطورة".
مقالات متعلقة :


والأسبوع الماضي، أكدت وزارة البيئة العراقية، أنها "تعتمد معايير قانونية ودولية لتنظيم إدارة النفايات الخطرة"، مشيرة إلى "وجود تعليمات خاصة بالنفايات الخطرة والطبية، فضلاً عن رقابة على الشركات العاملة في مجال المعالجة والإتلاف"، كما تحدثت الوزارة عن "التزام العراق باتفاقية بازل الدولية الخاصة بالتحكم في نقل النفايات الخطرة عبر الحدود".

غير أن واقع المكبّات والنفايات الخطرة في البلاد يتعارض بشدة مع ما تقوله الوزارة، فوسط تلك الأكوام الممتدة على مساحات واسعة في مناطق مختلفة من البلاد، يُشاهد يومياً عشرات الأطفال وهم يجمعون عبوات معدنية وأسلاكاً نحاسية وبقايا مواد قابلة للبيع لتجار الخردة، في سبيل تأمين قوت يومهم.

في أحد المكبّات جنوبي بغداد، يقف الفتى حيدر (13 عاماً) حاملاً كيساً بلاستيكياً كبيراً يجمع فيه ما يعثر عليه داخل المكب. ويقول لـ"العربي الجديد"، إنه ترك "المدرسة قبل عامين لمساعدة أسرته، مضيفا: "أحياناً نجد نفايات طبية أو علباً تحتوي على مواد غريبة، لكننا نبيع أي شيء نستطيع حمله". ويتابع، مشيراً إلى آثار حروق صغيرة على يديه: "نتعرض لجروح باستمرار، وأحياناً نحرق الأسلاك لاستخراج النحاس، والدخان يخنقنا، لكن لا يوجد عمل آخر".

وتقول أمّ حسن، وهي والدة فتى يعمل في مكبّات النفايات، لـ"العربي الجديد"، إن "ما يحصل عليه ابنها يعدّ مصدراً رئيسياً لدخل الأسرة، في ظل تراجع فرص العمل وارتفاع الأسعار"، مضيفة: "نعرف أن المكان خطر، لكن ماذا نفعل؟ إذا بقي في البيت فلن نجد ثمن الطعام".

ولا تقتصر هذه الظاهرة على العاصمة بغداد، إذ تنتشر مجموعات من الأطفال واليافعين في مكبّات مفتوحة قرب مدن جنوبية وشمالية، حيث يجمعون البلاستيك والمعادن والكرتون، وأحياناً يتعاملون مع نفايات طبية أو مخلفات صناعية من دون إدراك لطبيعتها.

ويرى مختصون أن التحدي لا يقتصر على القوانين فحسب، بل يرتبط أيضاً بضعف البنية لإدارة النفايات، وانتشار المكبات العشوائية، وغياب الرقابة الفعلية على عمليات الفرز والحرق.

ويقول الطبيب المختص في الصحة العامة، إبراهيم الجميلي، إن "الأطفال العاملين في المكبّات يواجهون "مجموعة من الأخطار الصحية المعقدة"، موضحاً لـ"العربي الجديد"، أن "بعض النفايات قد تحتوي على مواد كيمائية أو مخلفات طبية أو بقايا معادن ثقيلة"، ويضيف أن "الاستنشاق المستمر للأدخنة الناتجة عن الحرق العشوائي قد يؤدي إلى مشاكل تنفسية مزمنة، فيما ترفع الجروح والتعرض المباشر للنفايات احتمالات الإصابة بالتهابات وأمراض جلدية"، محذراً من أن "التأثيرات طويلة الأمد قد تكون أخطر على الأطفال بسبب ضعف المناعة واستمرار التعرض اليومي لها".

وفي ظل غياب بيانات رسمية دقيقة، يصعب تقدير أعداد الأطفال العاملين في المكبّات، إلا أن ناشطين يقولون إن الظاهرة تتسع مع تزايد معادلات الفقر والتسرب المدرسي. ويقول الناشط الحقوقي، يوسف الزبيدي، إن "العمل داخل مكبّات النفايات يمثل واحداً من أخطر أشكال عمالة الأطفال في العراق"، مؤكداً لـ"العربي الجديد"، أن "بعض الأطفال يتعاملون مع مخلفات طبية أو مواد حادة من دون قفازات أو وسائل حماية"، ويضيف أن "الأزمة لا ترتبط بالفقر فقط، بل بضعف برامج الحماية الاجتماعية وغياب الرقابة على تشغيل الأطفال"، مشيراً إلى أن "كثيراً من العائلات تدفع أبناءها إلى هذا العمل بسبب الحاجة المادية".

وتشير تقديرات منظمات محلية إلى أن من يعملون بالنفايات، بمن فيهم الأطفال، يشكلون جزءاً من اقتصاد غير رسمي يعتمد على إعادة بيع المواد القابلة للتدوير لتجار محليين، في ظل غياب منظومة فرز حديثة للنفايات داخل معظم المدن العراقية.وفي مناطق عدة، تتحول المكبّات المفتوحة إلى مصدر رزق لعشرات العائلات، رغم ما يرافقها من مخاطر بيئية وصحية. ويقول صباح الساعدي أحد سكان منطقة قريبة من موقع طمر في أطراف بغداد، إن الأدخنة والروائح أصبحت "جزءاً من الحياة اليومية"، مضيفاً لـ"العربي الجديد"، أن "الأطفال يدخلون المكب منذ ساعات الصباح وحتى المساء وكأنهم يعملون في سوق مفتوحة".

من جهته يعتبر الناشط الحقوقي الزبيدي أن معالجة الظاهرة "تتطلب أكثر من حملات رقابية، إذ تحتاج إلى برامج حماية اجتماعية وتعليمية تقلل اعتماد العائلات الفقيرة على عمل الأطفال، بالتوازي مع تطوير إدارة النفايات وإغلاق المكبات العشوائية".
اجمالي القراءات 36
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق