العقول عربية لكن الولايات المتحدة تحصل على الجائزة.. لماذا؟
ترتبط قائمة العرب الحاصلين على جوائز نوبل بأربعة عشر اسما، ستة منها في مجالي الأدب والسلام، وثمانية في المجالات العلمية. ستة منهم يحملون جنسيات أجنبية، لكنهم من أصول عربية، واثنان فقط كانت نشأتهما عربية، ثم انتقل كل منهما إلى أمريكا في مراحل عمرية مختلفة.
وتضم القائمة في الأدب نجيب محفوظ، الحاصل عليها عام 1988، وفي السلام حملها عرب من بينهم أنور السادات، وياسر عرفات، ومحمد البرادعي، وتوكل كرمان، ونادية مراد.وتتسع دائرة الحضور العربي عندما نضيف إليها علماء وشخصيات من أصول عربية، من بينهم على سبيل المثال سيرج هاروش، الحائز جائزة نوبل في الفيزياء عام 2012، الذي وُلد في الدار البيضاء بالمغرب، ومنجي باوندي، الحائز جائزة نوبل في الكيمياء عام 2023، ذو الأصول التونسية، وبيتر مدور، البريطاني من أصل لبناني، الحائز جائزة نوبل في الطب عام 1960.
لكن الحضور الأبرز علميا في تلك القائمة كان للعالم المصري أحمد زويل، والأردني عمر ياغي، ذلك أن رحلتهما بدأت في العالم العربي، ثم صُنع الإنجاز النوبلي في أمريكا.
وحصل أحمد زويل، المولود في مدينة دمنهور (شمال القاهرة)، على الماجستير من جامعة الإسكندرية، قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة، حيث أنجز أبحاثه النوبلية. أما رحلة ياغي إلى الخارج، فبدأت مبكرا، إذ غادر الأردن في سن الخامسة عشرة، وبنى مسيرته البحثية كاملة في الولايات المتحدة، ثم حصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 2025.
ومع هاتين الحالتين تحديدا، يتحول نصيب العرب في جائزة نوبل من مجرد قائمة نحاول توسيعها بالبحث عن الأسماء ذات الأصول العربية، إلى سؤال عن جغرافيا إنتاج المعرفة، وهو: هل يستطيع العالم العربي أن يُنشئ عالما؟ والإجابة، بالطبع، من واقع هاتين القصتين هي: نعم.
لكن هل يستطيع أن يوفر له البيئة التي تسمح له بإنتاج البحث الذي يصل إلى جائزة نوبل؟ هنا تبدأ القصة بتفاصيلها المؤلمة.
العالم المصري أحمد زويل
العالم المصري أحمد زويل (معهد تاريخ العلوم)
صناعة عالم ثم تصديره
وتجسد الرحلة العلمية لأحمد زويل التناقض الواضح في بيئة استطاعت تشكيل عقل عالم، لكنها لم تستطع أن تحافظ عليه. ففي جامعة الإسكندرية، درس زويل الكيمياء، ثم عُين معيدا بعد تخرجه، وبدأ أبحاثه للحصول على الماجستير، تحت إشراف أساتذة مصريين، وأسفرت أبحاثه عن عدة منشورات علمية.
ثم جاءت الخطوة التي غيرت مسار حياته، وهي الانتقال إلى الولايات المتحدة، حيث حصل هناك على الدكتوراه من جامعة بنسلفانيا، ثم عمل في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، ثم انتقل عام 1976 إلى معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (كالتك)، الذي أنجز داخل مختبراته الأبحاث في الكيمياء الفائقة السرعة التي قادت إلى جائزة نوبل.
والمثير أن زويل نفسه لم ينظر إلى انتقاله إلى الولايات المتحدة باعتباره قرارا سهلا، ففي سيرته التي نشرتها مؤسسة نوبل، يقول إنه كان يحمل مشاعر قوية بالعودة إلى مصر والعمل أستاذا جامعيا فيها، لكنه أضاف سببا حاسما، وهو أنه "كان يعرف أن مصر في ذلك الوقت لن تستطيع أن توفر له البيئة العلمية التي وجدها في الولايات المتحدة، لذلك قرر البقاء فترة أطول في أمريكا".
وقاده هذا القرار في النهاية إلى الانتقال إلى "كالتك"، ووصف البيئة العلمية هناك بأنها كانت المكان المناسب له.
جامعة بيركلي/ البروفيسور عمر ياغي أستاذ الكيمياء بجامعة بيركلي
العالم الأردني البروفيسور عمر ياغي (جامعة كاليفورنيا بيركلي)
عمر ياغي.. قصة مختلفة
أما عمر ياغي، فقد ولد في عمّان عام 1965، وفي سن العاشرة تقريبا، وقع في مكتبة مدرسته على كتاب يحوي رسومات للتراكيب الجزيئية. لم يكن يعرف آنذاك ما تعنيه تلك الرسومات، لكنها أثارت فضوله، ويقول إن "ذلك اللقاء المبكر مع عالم الجزيئات كان بداية عشقه للكيمياء".
لم يستمر طويلا بالأردن، ففي الخامسة عشرة من عمره، غادرها متجها إلى الولايات المتحدة، وبدأ دراسته في كلية هدسون فالي المجتمعية، وهي مؤسسة تعليم عال أمريكية تتيح الدراسة الجامعية الأولية قبل الانتقال إلى جامعة، ثم انتقل إلى جامعة "ألباني" في ولاية نيويورك، حيث وقع هناك في غرام المختبر. يقول ياغي: "عندما وصلت إلى ألباني، انخرطت مباشرة في البحث العلمي، وعملت في ثلاثة مشروعات بحثية مع ثلاثة أساتذة في الوقت نفسه، كنت أحب المختبر كثيرا، ولم أكن أحب المحاضرات بالقدر نفسه".
وحصل ياغي بعد ذلك على الدكتوراه من جامعة إلينوي، وانتقل بعدها إلى جامعة هارفارد، ثم قاد مجموعات بحثية في عدة جامعات أمريكية، ليطور في هذه البيئة أبحاثه التي قادت إلى تطوير الأطر الفلزية العضوية.
وفي عام 2025، وصل الاسم الذي بدأ من عمّان إلى منصة نوبل، لتلتقي تلك القصة مع قصة زويل عند نقطة واحدة، وهي أن الأبحاث التي قادتهما للجائزة صنعت في أمريكا.
كثرة الأبحاث ليست دليلا
والسؤال الأكبر الذي تثيره القصتان هو: ماذا لو استمر الاثنان في وطنهما الأم؟ ربما لو طالعت تقرير اليونسكو للعلوم لعام 2021، قد تحصل على إجابة تشير إلى وجود تطور في عدد المنشورات العلمية في الدول العربية، حيث ارتفعت بنسبة 64% بين عامي 2015 و2019، وهو ما يعطي انطباعا بأن المنطقة العربية لا تعاني من غياب النشاط البحثي.
لكن التقرير نفسه يشير إلى مشكلة أكثر عمقا، وهي ضعف القدرة على بناء مجتمعات بحثية محلية قوية، وربط إنتاج المعرفة باحتياجات المجتمع، وتحويل البحث إلى ابتكار وتكنولوجيا.
وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيدا، وهو أنه إذا كان عدد الأبحاث يرتفع، فلماذا لا يرتفع معه عدد الاكتشافات العالمية الكبرى بالوتيرة نفسها؟
يقول الدكتور أحمد الجندي، أستاذ الفيزياء المصري بجامعة تكساس في إل باسو بالولايات المتحدة للجزيرة نت ردا على هذا السؤال: "العبرة ليست في العدد، لكن في الجودة، فالبحث العلمي الجيد هو الذي يفتح مجالا علميا جديدا، وهذا يحتاج إلى مختبر قادر على العمل لسنوات، تمويل لا يتوقف بعد مشروع أو اثنين، أجهزة متقدمة وطلاب دكتوراه وباحثين ما بعد الدكتوراه، ومجموعات علمية تتعاون وتتجادل وتختبر الأفكار".
ويضيف: "كما يحتاج أيضا إلى مناخ مؤسسي ملائم قائم على الاستقرار العلمي، بحيث يعرف الباحث أن مشروعه لن يتوقف لأن التمويل انتهى، وأنه يستطيع اختيار السؤال العلمي الذي يريد ملاحقته، وأن تكون لديه حرية كافية لتجربة فكرة قد تفشل عشر مرات قبل أن تنجح في المرة الحادية عشرة".
ميدالية جائزة نوبل (غيتي)
ماذا تقول اليونسكو عن البيئة العلمية؟
ويعكس تقرير اليونسكو واقعا محبطا بخصوص المناخ المؤسسي الذي أشار إليه أحمد في تعليقه، حيث يشير إلى حاجة الدول العربية إلى بناء مجتمعات بحثية محلية قادرة على إنتاج المعرفة من الداخل.
وبالرغم من أن بيانات التقرير تشير إلى زيادة نسبة الإنفاق على البحث والتطوير من الناتج المحلي الإجمالي، وكانت أعلى نسبة بين الدول العربية التي قورنت في التقرير من نصيب الإمارات، بنسبة 1.30% عام 2018، إلا أن أحمد يؤكد أنه مع أهمية زيادة الإنفاق، فإنها ليست السبيل الوحيد لإنتاج قد يقود إلى نوبل، وقال: "المال يحتاج إلى مؤسسة قادرة على تحويله إلى معرفة".
ومن ثم، فإن قصة زويل وياغي ليست مجرد حكاية عالمين عربيين غادرا بلديهما، فالمناخ المؤسسي لا يزال غير قادر على توفير الظروف التي تشجع على البقاء، فوفق دراسة علمية حللت حركة الباحثين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بين عامي 2008 و2017، فإن نحو 3.3% من الباحثين الذين أمكن تتبعهم كانوا مهاجرين علميا، بينما أظهر نحو 12% منهم شكلا من أشكال الحراك الدولي.
لكن التفاوت بين الدول كان كبيرا، ففي مصر والأردن، تشير بيانات أحدث لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن عدد الباحثين الذين يغادرون البلاد يقارب عشرة أضعاف عدد القادمين إليها.
الهجرة ليست دائما خسارة
ويخرج أحمد من هذه الأرقام المحبطة إلى رؤية عملية أكثر إشراقا، وهي عدم التعامل مع هجرة الباحث دائما بأنها خسارة، فقد تكون في المقابل وسيلة لاكتساب المعرفة والخبرة والشبكات العلمية، ثم نقلها إلى البلد الأصلي.
ويستشهد بمشروع مدينة زويل الذي أسسه العالم المصري قبل رحيله، مشيرا إلى أن هذا المشروع رغم خروجه بعد وفاته بعض الشيء عن المسار الذي رسمه زويل، فإنه يظل مثالا عمليا على أن الهجرة العلمية ليست بالضرورة خسارة كاملة.
ويختم بأن "التحدي في الوقت الراهن إلى أن تتحسن الظروف التي تخلق مناخا مؤسسيا جاذبا، هو كيف يمكن بناء شبكة علمية من علماء المهجر للاستفادة من خبراتهم لخدمة البلد الأصلي، بدلا من أن تتحول هجرتهم إلى خروج دائم للخبرة والموهبة".
اجمالي القراءات
34