نازحو النيل الأزرق... آلاف الأسر بلا مأوى ويهددها الجوع والعطش
يواجه النازحون من ولاية النيل الأزرق في أقصى جنوب شرقي السودان ظروفاً قاسية بسبب قلة الغذاء، ونقص مياه الشرب، وعدم توفر المأوى في المناطق التي وصلوا إليها سيراً على الأقدام.
تشهد ولاية النيل الأزرق السودانية اشتباكات ومواجهات عسكرية واسعة، وأجبرت المعارك التي نشطت مؤخراً آلاف الأسر على مغادرة العديد من المُدن والقرى، في موجة نزوح جديدة بحثاً عن الأمن بعيداً عن المواجهات العسكرية التي أصبحت تبعد أقل من 160 كيلو متراً عن مدينة الدمازين عاصمة الولاية.
وتقدر "غرف الطوارئ" وناشطون في مجال العمل الإنساني بولاية النيل الأزرق أعداد النازحين الذين فروا من مناطق القتال داخل الولاية بنحو مائة ألف شخص. وقال المتطوع الإنساني هيثم إبراهيم لـ"العربي الجديد": "موجات النزوح تتواصل من كل المناطق التي تدور فيها مواجهات عسكرية، وأعداد من تركوا منازلهم بالفعل وانتقلوا إلى مناطق أخرى بحثاً عن الأمان لا تقل عن 95 ألف شخص".
وانتقلت حدة القتال من إقليم كردفان الذي كان يمثل خط المواجهة الأول بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ يونيو/حزيران 2025، إلى ولاية النيل الأزرق الحدودية مع دولة جنوب السودان وإثيوبيا، والتي كانت تعيش حالة هدوء نسبي منذ طرد قوات الدعم السريع من ولايات الجزيرة وسنار والقضارف في مطلع عام 2025.
وبدأت حالة الاضطراب تسود مناطق عديدة في ولاية النيل الأزرق منذ بداية الحرب، واستمرت حالة السيولة الأمنية طوال العام الماضي، إلى أن أحكمت قوات "تحالف تأسيس" المكونة من قوات الدعم السريع ومقاتلي الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة عبد العزيز الحلو، سيطرتها على منطقتي ملكن والسلك بمحافظة باو، جنوب غرب مدينة الدمازين، ورغم استردادها من قبل الجيش السوداني، إلا أن قوات "تحالف تأسيس" استطاعت تعويض خسارتها بالسيطرة على مدينة الكُرمك الإستراتيجية، وتمددت نحو عدد من المناطق الأخرى، ما تسبب في موجة نزوح واسعة قدرت الأعداد فيها بالآلاف نحو مُدن الدمازين والرصيرص وود الماحي في ولاية النيل الأزرق، وسنار وسنجة في ولاية سنار المجاورة.
نزح السوداني يوسف إبراهيم من مدينة الكُرمك إلى الرصيرص، ويصف الأوضاع التي يعيشها سكان مدينته الذين نزحوا إلى جهات متعددة بأنها قاسية، ويقول لـ"العربي الجديد": "عندما هاجمت قوات (تحالف تأسيس) الكُرمك، اضطر كل سكان المدينة إلى النزوح نحو الدمازين، ثم إلى الروصيرص والقضارف وسنار وسنجة، وبعضهم فضل اللجوء إلى إثيوبيا بسبب صعوبة النزوح داخلياً في ظل انعدام وسائل النقل، وقلة الغذاء ومياه الشرب على الطريق".
الإيواء أحد أبرز مشكلات العائلات السودانية النازحة، ديسمبر 2025 (فرانس برس)
الإيواء أبرز مشكلات العائلات السودانية النازحة، ديسمبر 2025 (فرانس برس)
يضيف يوسف، وهو أب لخمسة أطفال: "كان سكان المدينة أمام خيارين، إما البقاء في منازلهم، وفي هذه الحالة يكونون معرضين للقتل بسبب المعارك والمناوشات المتقطعة، وإما الفرار تاركين خلفهم كل ممتلكاتهم وأغراضهم، وقد اختار الغالبية النزوح، ويقدر عدد سكان المدينة الذين نزحوا فعلياً بنحو 15 ألفاً. بسبب هذه الأعداد الكبيرة، لم تكن وسائل النقل المتوفرة كافية، ما اضطر مئات الأُسر إلى السير لمسافات طويلة حتى يبتعدوا عن مناطق القتال، وضاعف هذا من المعاناة، خصوصا أن أكثر النازحين كانوا من النساء والأطفال، مع كثير من كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة".
وظلت مدينة الكُرمك الاستراتيجية الواقعة على الحدود بين السودان وإثيوبيا وجنوب السودان هدفاً مهماً لأطراف الحرب بسبب موقعها الجغرافي المتميز، وتصاعدت حدة القتال حولها، ما تسبب في تحويلها إلى ساحة معركة مفتوحة، قبل أن تتمكن قوات "تحالف تأسيس" من السيطرة عليها بعد انسحاب قوات الجيش السوداني.
نزحت ميمونة السيد من الكُرمك إلى الدمازين، وهي تقيم حالياً في العراء، وتقول لـ"العربي الجديد": "نزحنا على أقدامنا، وكنا نعاني مع أطفالنا من الجوع والعطش، وتركنا كل أغراضنا الشخصية، بما فيها الملابس والأغطية، لأننا لم نتمكن من حملها إلى الدمازين. الجميع كانوا يحاولون النجاة بأنفسهم، والغالبية خرجوا بالملابس التي على أجسادهم، وتعيش معظم الأُسر حالياً في العراء، بينما نحتاج إلى الطعام والمأوى ومياه الشرب والأغطية. هناك أشخاص عالقون في الطريق نحو الدمازين والرصيرص ومناطق أخرى لأنهم لم يتمكنوا من اجتياز الطريق".
امرأة تسير باتجاه الحدود بين تشاد والسودان، 8 نوفمبر 2025 (فرانس برس)
أوضاع النازحين السودانيين مأساوية، نوفمبر 2025 (فرانس برس)
وشملت موجات النزوح مناطق عدة في ولاية النيل الأزرق، من بينها قيسان التي تبعد عن الكُرمك نحو 120 كيلومتراً شمالاً، على الحدود الإثيوبية، والتي بدأت قوات تحالف تأسيس محاصرتها من أجل السيطرة على رئاسة اللواء 13 التابع للفرقة 14 التابعة للجيش السوداني بمدينة الدمازين.
تتحدث النازحة عزة عبد الجليل عن معاناتها منذ وصول قوات تحالف تأسيس إلى المنطقة، وتقول لـ"العربي الجديد"، إنها نزحت من إحدى قرى قيسان إلى مدينة سنجة بولاية سنار المجاورة، وعاشت معاناة غير مسبوقة، بدأت بحالة الرعب التي أصابت سكان القرى الذين فروا على أرجلهم عندما علموا بدنو المواجهات العسكرية من قراهم. وتضيف: "كنا قد سمعنا عن ارتكاب أطراف القتال انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، لذا حاولنا الهرب بعيداً عن المواجهات العسكرية حتى لا نكون ضحية لأفعال أطرافها. الكثير من النازحين يعيشون حالياً في ظروف إنسانية قاهرة، وأغلبهم لا يملكون قوت يومهم، وقد خسروا مدخراتهم وممتلكاتهم بسبب النزوح المفاجئ".
بدوره، نزح مبارك عبد الله من قيسان إلى مدينة الروصيرص، ويصف الصعوبات التي واجهها النازحون أثناء محاولتهم الهروب من المواجهات قائلاً لـ"العربي الجديد": "بعد سيطرة قوات تحالف تأسيس على مدينة الكُرمك، انتقل القتال إلى محيط قيسان، والتي لا تقل أهمية عن الكُرمك بسبب موقعها الحدودي، وأدى القتال إلى نزوح مئات المدنيين الذين وجدوا أنفسهم في خِضم الاشتباكات التي استخدمت فيها الأسلحة الثقيلة والمسيرات، وتعرضت الكثير من القرى للحرائق كون منازلها مشيدة من الأعشاب الجافة والأخشاب".
يتابع عبد الله: "بسبب إغلاق الحدود بين السودان وإثيوبيا منذ اندلاع المعارك، اتجه النازحون نحو القضارف والدمازين، ونحو بعض القرى النائية. نزحت الأُسر بأطفالها بحثاً عن الأمان، لكن النازحين وجدوا أنفسهم أمام شُح كبير في الغذاء ومياه الشرب، وعدم توفر المأوى والخدمات الصحية، ومن غير المُستبعد حدوث كوارث صحية وإنسانية بسبب تزايد أعداد النازحين الذين يبيتون في العراء".ونشطت حركة النزوح من المناطق الريفية نحو المُدن التي لم تطاولها الحرب، ويؤكد مسؤول في حكومة ولاية النيل الأزرق، طلب حجب هويته، أنه منذ احتلال مدينة الكُرمك والتي تضم عدة وحدات إدارية وتتبعها عشرات القرى، فضل السكان النزوح على البقاء في قراهم خشية اجتياحها من قبل قوات تأسيس، كونها عُرفت بارتكاب عناصرها جرائم وانتهاكات إنسانية متعددة، فضلاً عن نهب ممتلكات المواطنين.
ويوضح المسؤول الحكومي لـ"العربي الجديد": "حينما اقتربت القوات من المُدن والقرى، سارع السكان إلى النزوح تاركين خلفهم ممتلكاتهم. لم تتوقف عمليات النزوح منذ بداية سيطرة قوات تأسيس على الكُرمك، وسجلنا نزوح عشرات آلاف المدنيين من مئات القرى التي أصبحت على مقربة من خط المواجهة، ما أدى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية لغالبية النازحين الذين يعيش بعضهم في العراء، أو تحت ظلال الأشجار من دون طعام ولا مياه شرب نقية. المشكلة الكبرى أن حاجة النازحين تفوق قدرات حكومة الولاية على توفير الاحتياجات الأساسية، في حين جرى تخصيص معظم الإمكانات المالية واللوجستية لدعم جهود التصدي للعدوان على الولاية".
من جانبه يصف النازح من ريفية قيسان إلى مدينة سنار، محمد سليمان، أوضاع النازحين بالمزرية، ويقول لـ"العربي الجديد": "نتوقع وصول أعداد إضافية من النازحين لأن العمليات العسكرية مازالت مستمرة في مناطق كثيرة داخل الولاية، والنقص الحاد في الاحتياجات الأساسية، مثل الماء والغذاء والمأوى، قد يؤدي إلى مأس إنسانية".
اجمالي القراءات
41