حرب أوكرانيا تعيد رسم حدود فنلندا مع روسيا.. من العبور إلى التحصين

اضيف الخبر في يوم الأربعاء ٢٣ - سبتمبر - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: الجزيرة


حرب أوكرانيا تعيد رسم حدود فنلندا مع روسيا.. من العبور إلى التحصين

عند معبر فاليما في جنوب شرق فنلندا، ما زالت لافتات الطريق تقود نحو سانت بطرسبورغ في روسيا، لكن الرحلة تنتهي عند بوابات مغلقة وحواجز وأسلاك شائكة.

المشهد الذي يوثقه تقرير -أعده سلام كيالي للجزيرة- من المنطقة ليس مجرد إغلاق لمعبر، بل صورة لتحول أوروبي أكبر، وهو انضمام فنلندا إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو) في أبريل/نيسان 2023، التي باتت حدودها مع روسيا، الممتدة نحو 1340 كيلومترا، جزءا من الجناح الشرقي للحلف.يوثق التقرير أيضا الطريق المغلق والسياج ومركزا تجاريا خفتت حركته، ثم ينقل شهادات سكان ومسؤول حدودي. والنتيجة التي تظهر آثار القرار في تفاصيل يومية: متجر بلا زوار، ووظائف تتراجع، ومزارع يرى أن الحذر من الجار الروسي بات جزءا من الحياة.

السياج الحدودي الجديد يظهر خلف منازل في بلدة فاليما قرب الحدود الفنلندية الروسية
السياج الحدودي الجديد يظهر خلف منازل في بلدة فاليما قرب الحدود الفنلندية الروسية (الجزيرة)
حدود تغير موقعها
ظلت فنلندا طوال الحرب الباردة وما بعدها خارج الأحلاف العسكرية، رغم علاقاتها الوثيقة مع الغرب. لكن الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير/شباط 2022 بدد هذا التوازن، فتقدمت هلسنكي بطلب الانضمام إلى الناتو في مايو/أيار من العام نفسه، قبل أن تصبح العضو الحادي والثلاثين في الحلف في 4 أبريل/نيسان 2023.

لا يعني ذلك أن الحدود كانت يوما بلا توتر، لكن وظيفتها تغيرت بوضوح. فقد كان عبورها ممكنا عبر نقاط رسمية تربط البلدين بالحركة التجارية والسياحية والزيارات، قبل أن تغلق فنلندا جميع معابرها البرية مع روسيا في 15 ديسمبر/كانون الأول 2023. وتقول وزارة الداخلية الفنلندية إن الإغلاق جاء ردا على ما تصفه بـ"الهجرة الموجهة"، أي تسهيل وصول مهاجرين إلى الحدود بهدف الضغط على فنلندا.

تقول فنلندا إن الهدف من السياج الحدودي منع استخدام روسيا المهاجرين أداة للضغط عليها (الفرنسية)
سياج المراقبة
لا تكتفي هلسنكي بإغلاق الحدود، فحرس الحدود الفنلندي يقول إن سياج الحدود الشرقية صُمم لتحسين المراقبة وحماية السلامة الإقليمية، لا بوصفه حاجزا منفردا يكفي وحده لكل التهديدات. وتذكر الهيئة أن السياج يستهدف نحو 15% من الحدود الشرقية، بما يصل إلى قرابة 200 كيلومتر.

وفي التقرير، يشرح ماتي بيتكانينيتي -نائب رئيس قسم الحدود وخفر السواحل في فنلندا- أن المشروع أوسع من الأسلاك المعدنية. يقول إن المنظومة تضم "المراقبة التقنية وشبكة الطرق المهمة للجولات في تلك المنطقة"، موضحا أن الجزء الممتد 200 كيلومتر يتركز في مناطق تصنفها السلطات مرتفعة الخطورة.

وتربط الحكومة الفنلندية تحصين الحدود بما تسميه التهديدات الهجينة، وهي لا تقتصر -وفق روايتها- على احتمال توغل عسكري تقليدي، بل تشمل استخدام الهجرة غير النظامية للضغط على الدولة، إلى جانب مخاطر أمنية وتقنية أخرى.

وتقدم فنلندا هذه الإجراءات بوصفها دفاعية، لكن موسكو تنظر إلى انضمام جارتها للناتو باعتباره تحولا إستراتيجيا يضيف حدودا طويلة جديدة بين روسيا والحلف.

وقال الكاتب سيرغي مارجيتسكي إن فقدان فنلندا حيادها أكثر خطورة على روسيا من فقدان أوكرانيا حيادها، وأوضح في مقال بموقع "ريبورتيور" أن البنتاغون تحت ستار شعارات الدفاع ضد "العدوان الروسي" يسرّع من دمج البنية التحتية العسكرية الفنلندية في خططه الإستراتيجية.

الحذر بدل الخوف
بعيدا عن لغة الإستراتيجيات، يقابل مراسل الجزيرة سلام كيالي أول سكان فاليما، المزارع الفنلندي ياكوبي. لا يقدم الرجل نفسه متحدثا باسم سكان المنطقة، لكنه يصف كيف انعكس التحول على إحساسه اليومي بالمكان.

يقول ياكوبي "لا يوجد خوف، لكن مع الجار يجب أن نبقى دائما في حالة يقظة، ومع روسيا يجب أن نكون دائما حذرين ومستعدين للقتال، لأننا لا نعرف ما الذي يمكن أن تقدم عليه".

وهي تعبّر عن شهادة إنسان يعيش قرب الحدود. وقد تكمن قيمتها في أنها تكشف كيف انتقلت روسيا، في وعي بعض سكان الشرق الفنلندي، من جار جغرافي قريب إلى مصدر تهديد محتمل يستدعي الاستعداد.

المزارع الفنلندي ياكوبي خلال حديثه إلى مراسل الجزيرة سلام كيالي في بلدة فاليما على الحدود مع روسيا
المزارع الفنلندي ياكوبي خلال حديثه إلى مراسل الجزيرة سلام كيالي في بلدة فاليما على الحدود مع روسيا (الجزيرة)
متجر فقد زبائنه
تنتقل كاميرا الجزيرة من الطريق والسياج إلى مركز تجاري قريب. مواقف السيارات شبه خالية، والحركة أهدأ مما كانت عليه عندما كان العبور من روسيا ممكنا.

وتقول مواطنة فنلندية "كثير من الناس لا يملكون عملا هنا في شرق فنلندا بسبب الوضع الحالي، لا توجد سياحة من روسيا، لا يوجد سياح في هذا المركز التجاري".

لا تكفي هذه الشهادة وحدها للقول إن شرق فنلندا يعيش أزمة موحدة أو لقياس عدد الوظائف التي فُقدت، لكنها تتقاطع مع تقييم منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي قالت إن توقف التجارة والعلاقات العابرة للحدود مع روسيا خلّف آثارا اقتصادية شديدة في مناطق فنلندا الشرقية والجنوبية الشرقية.

مواقف السيارات شبه خالية أمام مركز تجاري قرب معبر فاليما بعد توقف حركة العبور والسياحة من روسيا
مواقف السيارات شبه خالية أمام مركز تجاري قرب معبر فاليما بعد توقف حركة العبور والسياحة من روسيا (الجزيرة)
في فاليما، لا تبدو الجغرافيا السياسية مفهوما بعيدا. تظهر في طريق مقطوع نحو سانت بطرسبورغ، وفي سياج تحرسه كاميرات، وفي مزارع يتحدث عن اليقظة، وفي مركز تجاري يتحدث زواره عن الغياب.

فنلندا تقول إن تحصين الحدود وإغلاق المعابر ضروريان لحماية سيادتها وأمنها. أما تقرير الجزيرة، فيضيف إلى هذه الرواية بعدا لا تقوله البيانات الرسمية وحدها: حين تتحول الحدود إلى جبهة، فإن القرار لا يبقى عند غرف العمليات أو مقار الناتو، بل يصل إلى حياة الناس عند أقرب متجر وأول مزرعة على الطريق.
اجمالي القراءات 40
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق