السيسي يطلق مبادرة لإصلاح الإعلام... والأنظار إلى حرية الصحافة
أعادت دعوة الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي مساء أمس السبت، إلى عقد مؤتمر سنوي للإعلام في الثالث من ديسمبر/كانون الأول من كل عام، برعاية وزارة الدولة للإعلام، ملف الإعلام المصري إلى واجهة النقاش العام بعد سنوات من شكاوى المؤسسات الصحافية والإعلامية من تراجع أوضاعها الاقتصادية والمهنية، وسط ترحيب نقابة الصحافيين وعدد من الأحزاب السياسية، قابلته مطالب حقوقية متجددة، باعتبار أن نجاح أي إصلاح إعلامي يظل مرهوناً بتوسيع مساحة حرية التعبير، والإفراج عن سجناء الرأي، وإصدار قانون حرية تداول المعلومات.
جاء التحرك سريعاً، إذ عقد رئيس مجلس الوزراء، مصطفى مدبولي، اجتماعاً اليوم الأحد مع وزير الدولة للإعلام، ضياء رشوان، لاستعراض آليات تنفيذ تكليفات الرئيس، وفي مقدمتها تنظيم المؤتمر السنوي، وفتح المجال أمام "حوار إعلامي موضوعي يشمل الرأي والرأي الآخر"، إلى جانب إعداد رؤية لتطوير المؤسسات الإعلامية، وتقييم أداء المكاتب الإعلامية في الوزارات، والإسراع في إعداد قانون حرية تداول المعلومات.
أكد مدبولي خلال الاجتماع أن الحكومة ستعمل على تنفيذ توجيهات الرئيس، مشيراً إلى استمرار عقد المؤتمر الصحافي الأسبوعي للحكومة، وتكليف الوزراء بالتواصل مع وسائل الإعلام وشرح القرارات الحكومية، والرد على تساؤلات الرأي العام، بينما أعلن وزير الدولة للإعلام أن الوزارة تعمل على تحويل التكليفات الرئاسية إلى آليات تنفيذية واضحة بالتنسيق مع المؤسسات الإعلامية، كما كشف عن العمل على توفير مصادر تمويل مستدامة لإعلام الخدمة العامة من خارج الموازنة العامة للدولة، توازياً مع التنسيق للإسراع بإصدار قانون حرية تداول المعلومات.جاء الإعلان عن مؤتمر دوري لمراجعة أوضاع الإعلام الأول من نوعه منذ سنوات، في وقت يواجه فيه القطاع تحديات متراكمة، تشمل الضغوط الاقتصادية التي تعاني منها المؤسسات الصحافية، وتراجع دخول الصحافيين والإعلاميين، وإغلاق أو دمج عدد من المنصات الإعلامية، فضلاً عن استمرار شكاوى داخل الوسط الصحافي من تقلص فرص العمل وتراجع هامش المنافسة المهنية.
في المقابل، رحبت نقابة الصحافيين بالدعوة الرئاسية، معتبرةً أنها تمثل فرصة لإعادة فتح ملف إصلاح الإعلام على أسس مؤسسية. وقال نقيب الصحافيين، خالد البلشي، في بيان، إن النقابة تثمن الدعوة إلى حوار إعلامي يشمل مختلف الآراء، كما ترحب بعقد مؤتمر سنوي ثابت لمناقشة أوضاع الإعلام المصري والخروج بتوصيات عملية. وأكد أن النقابة "تمد يدها" إلى وزارة الدولة للإعلام وجميع مؤسسات الدولة للعمل المشترك من أجل تحسين أوضاع الصحافة، باعتبارها إحدى أهم أدوات القوة الناعمة المصرية.
وجدد البلشي التأكيد على مطالب النقابة التي أقرها المؤتمر العام السادس للصحافيين في ديسمبر/كانون الأول 2024، واعتمدتها لجنة تطوير الإعلام ضمن توصياتها. وفي مقدمة هذه المطالب، مراجعة البيئة التي يعمل فيها الإعلام، والتعامل معه بوصفه صناعة استراتيجية ذات طبيعة خاصة تمثل إحدى ركائز القوة الناعمة للدولة، بما يعزز قدرتها على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، في ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة.
كما طالبت النقابة برفع القيود التي تعيق عمل الصحافة والإعلام، ودعم الإعلام القومي ليؤدي دوره في تنظيم السوق، ونشر المعرفة، وتوفير مساحة للحوار العام، إلى جانب تحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للصحافيين باعتبارها شرطاً أساسياً لبناء إعلام قوي ومستقل. وشددت على أن ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعاملين في المهنة يمثل جزءاً لا يتجزأ من مسار تطوير الإعلام.
ومن بين المطالب أيضاً، إصدار قانون لحرية تداول المعلومات يستند إلى أربعة مرتكزات هي: حرية الوصول إلى المعلومات، وحق إتاحتها، وتجريم حجبها أو مخالفة أحكام القانون، وتنظيم التوثيق الدوري والإلزامي، تنفيذاً للمادة 68 من الدستور، علماً بأن النقابة سبق أن تقدمت بمشروع قانون في هذا الشأن.
وطالبت النقابة كذلك بالإفراج عن جميع الصحافيين المحبوسين، وإنهاء ملف الحبس في قضايا الرأي، مع اتخاذ إجراءات تحول دون حبس صحافيين آخرين مستقبلاً، بما يضمن قدرتهم على أداء عملهم بحرية وأمان، بعيداً عن الخوف من المساس بحريتهم.
ولم يخل الترحيب من مطالب سياسية اعتبرت أن تطوير الإعلام لا يمكن فصله عن إصلاح المجال العام. في هذا السياق، قال رئيس حزب الجبهة الديمقراطية المصرية، هلال عبد الحميد، في تصريحات صحافية اليوم، إن تنفيذ توجيهات الرئيس ينبغي أن يبدأ بخطوات عملية، في مقدمتها الإفراج عن سجناء الرأي، معتبراً أن ذلك سيكون الرسالة الأهم على بدء مرحلة جديدة من الإصلاح السياسي.بدوره، رحب حزب الوفد الليبرالي بدعوة السيسي إلى تنشيط الحياة السياسية والحزبية، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة إزالة المعوقات التي تواجه الأحزاب، وتوفير مناخ يضمن المنافسة العادلة، وإجراء انتخابات المجالس المحلية، وإجراء تعديلات على قانون الانتخابات بما يدعم التعددية السياسية ويحقق تكافؤ الفرص.
تتلاقى مطالب الأحزاب مع ما تطرحه منظمات حقوقية محلية ودولية منذ سنوات، إذ ترى أن تطوير البيئة الإعلامية لا يقتصر على إعادة هيكلة المؤسسات أو تحسين التمويل، وإنما يرتبط كذلك بضمانات قانونية ومناخ يسمح بحرية العمل الصحافي. وقد دعت منظمات حقوقية دولية، من بينها لجنة حماية الصحافيين و"مراسلون بلا حدود" ومنظمة العفو الدولية، الحكومة المصرية مراراً إلى الإفراج عن الصحافيين المحتجزين بالسجون ومراكز الاعتقال بسبب عملهم أو آرائهم، وإنهاء الملاحقات المتعلقة بالنشر، وإلغاء القيود المفروضة على حرية التعبير، وإقرار قانون يضمن حرية تداول المعلومات باعتباره إحدى أهم الأدوات التي تمكن الصحافيين من الوصول إلى المعلومات الرسمية وتعزز الشفافية والمساءلة.تشير المنظمات في تقاريرها الدورية إلى أن البيئة التشريعية والإجرائية تظل أحد أبرز التحديات أمام العمل الصحافي في مصر، بينما تؤكد السلطات المصرية، مراراً، أن الإجراءات المتخذة تستهدف حماية الأمن القومي ومواجهة الشائعات والحفاظ على استقرار الدولة، وأن الدستور يكفل حرية الصحافة في إطار القانون.
يرى صحافيون مصريون أن المؤتمر السنوي المقترح قد يمثل منصة مهمة لإعادة بناء جسور الثقة بين الدولة والجماعة الصحافية إذا تحول إلى آلية مؤسسية دائمة، تسمح بنقاش مفتوح حول الأزمات الحقيقية للمهنة، سواء ما يتعلق بالأوضاع الاقتصادية للمؤسسات والعاملين، أو تطوير التشريعات المنظمة للإعلام، أو العلاقة بين أجهزة الدولة ووسائل الإعلام.
يؤكدون أن نجاح المبادرة لن يقاس فقط بانعقاد المؤتمر، وإنما بمدى ترجمة توصياته إلى سياسات وإجراءات قابلة للتنفيذ، تشمل تحسين بيئة العمل الصحافي، وتوسيع فرص الوصول إلى المعلومات، وتعزيز استقلالية المؤسسات الإعلامية، وإتاحة مساحة أوسع للتعددية وتنوع الآراء مشيرين إلى أن الاختبار خلال الأشهر المقبلة في قدرة الحكومة على تحويل التعهدات المعلنة إلى خطوات عملية، يجعل من المؤتمر السنوي بداية لمسار إصلاح مؤسسي، وليس مجرد مناسبة دورية لتبادل الرؤى، في وقت يترقب فيه العاملون في المهنة انفراجة تعيد للإعلام المصري جزءا من حيويته وتأثيره ودوره في نقل مختلف الآراء والقضايا إلى الرأي العام.
اجمالي القراءات
25