رعب المناخ.. غابات أفريقيا تتحول من مستودع للكربون إلى مصدر لإطلاقه
كشفت دراسة دولية نُشرت في دورية "ساينتيفيك ريبورتس" (Scientific Reports)، بقيادة علماء من المركز الوطني لرصد الأرض في جامعات ليستر وشيفيلد وإدنبرة في المملكة المتحدة، أن الغابات في جميع أنحاء قارة أفريقيا والتي عُرفت منذ زمن طويل بقدرتها على امتصاص ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، قد انعكس مسارها وأصبحت تساهم الآن في زيادة الانبعاثات، وإطلاق كميات من الكربون تفوق ما تمتصه.
ويرى الخبراء أن هذا التغيير قد يقوض بشكل خطير الجهود العالمية المبذولة لإبطاء تغير المناخ، وبالتالي فإن حماية الغابات باتت اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
تحذر الباحثة من بوادر انقراض سادس يهدد بيئات القردة الحالية نتيجة لتسارع معدلات إزالة الغابات، والتأثيرات المتفاقمة لتغير المناخ.
تتركز إزالة الغابات وتدهورها في جمهورية الكونغو الديمقراطية ومدغشقر وغرب أفريقيا (شترستوك)
من الامتصاص إلى الانبعاث
قال الدكتور هايكو بالتزر، المؤلف الرئيسي للدراسة، ومدير معهد مستقبل البيئة بجامعة ليستر، للجزيرة نت: "لقد اعتُبرت غابات أفريقيا وسافاناها الشجرية جزءًا هامًا من دورة الكربون العالمية، والتي ساهمت بنحو 20% من عمليات إزالة الكربون في العالم من خلال الإنتاج الأولي الصافي الأرضي، بينما تُساهم في الوقت نفسه بنحو 40% من انبعاثات الكربون العالمية الناتجة عن حرق الكتلة الحيوية، و20% من الانبعاثات الناتجة عن إزالة الغابات وتدهورها".
وقد عملت المناطق الأحيائية الحرجية في القارة كمستودع صاف موثوق للكربون في الماضي، حيث امتصت الأشجار ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي لعملية التمثيل الضوئي.
كما أن القارة الأفريقية اكتسبت بين عامي 2007 و2010، ما يقارب 439 مليون طن من الكتلة الحيوية فوق سطح الأرض سنويًا، وقد ساهمت عمليات امتصاص الكربون هذه في التخفيف من آثار تغير المناخ في الماضي، وتركزت أكبر الزيادات التراكمية في الكتلة الحيوية فوق سطح الأرض في الغابات الاستوائية الرطبة عريضة الأوراق في حوض الكونغو، وخاصة في غينيا الاستوائية والغابون وجمهورية الكونغو.
وفي هذا الصدد يقول بالتزر: "لقد كشفت دراستنا الرائدة، عن انعكاس قوي في مخزون الكربون القاري في الكتلة الحيوية للغابات الأفريقية. ففي الفترة من 2010 إلى 2015، انخفضت الكتلة الحيوية بمقدار 132 مليون طن سنويًا، واستمر هذا الانخفاض من 2015 إلى 2017 بمعدل 41 مليون طن سنويا تقريبا".
أسباب التغير
وحول أسباب هذا التغيير يقول البروفيسور هايكو للجزيرة نت: "إن العوامل الرئيسية وراء هذه التغيرات فهي معروفة جيدا، إذ تتركز إزالة الغابات وتدهورها في جمهورية الكونغو الديمقراطية ومدغشقر وغرب أفريقيا، ففي عام 2024، فقدت جمهورية الكونغو الديمقراطية وحدها رقماً قياسياً بلغ 590 ألف هكتار من الغابات البكر، وهو أكبر خسارة منذ بدء الرصد، كما أن الحرائق كانت من الأسباب الرئيسية لفقدان الغابات الاستوائية في جميع أنحاء أفريقيا".
استخدم الباحثون تقنيات متقدمة لرصد الأقمار الصناعية والتعلم الآلي لتحليل بيانات الغابات على مدى أكثر من عشر سنوات. وركزوا على الكتلة الحيوية للغابات فوق سطح الأرض، والتي تعكس كمية الكربون المخزنة في الأشجار والنباتات الأخرى.
وتُظهر نتائج الرصد نقطة تحول واضحة. فبين عامي 2007 و2010، كانت غابات أفريقيا تكتسب الكربون، ولكن بعد ذلك، أدى انتشار إزالة الغابات وتدهورها في الغابات الاستوائية المطيرة إلى دفع النظام البيئي نحو التدهور، حيث فقدت أفريقيا بين عامي 2010 و2017، حوالي 106 مليارات كيلوغرام من الكتلة الحيوية للغابات سنوياً، أي ما يعادل تقريباً وزن 106 ملايين سيارة.
ليس أفريقيا وحدها
إن اكتشاف فقدان الغابات للكتلة الحيوية، وبالتالي الكربون، بوتيرة أسرع من اكتسابها له، ليس حكرا على أفريقيا، فقد بينت الدراسات التي قام بها الخبراء، وخاصة بيانات جرد الغابات طويلة الأجل للفترة من 1971 إلى 2019 في الغابات الاستوائية الرطبة الأسترالية، أنها قد تحولت من مُستودع للكربون خلال الفترة من عام 1971 إلى عام 2000، إلى مصدر للكربون خلال الفترة بداية من 2010، وهي ناتجة عن تغير المناخ فزيادة معدل نفوق الأشجار ناتجة عن ارتفاع درجات الحرارة والجفاف والأعاصير، وليس عن إزالة الغابات المباشرة بفعل الإنسان.
كما توصلت الدراسة إلى أن الغابات الاستوائية الرطبة والغابات الشمالية في مناطق متفرقة من العالم تحولت إلى مصادر للكربون منذ مطلع الألفية الثانية، وساهمت الغابات البكر في منطقة الأمازون البرازيلية في الخسائر السنوية للكربون، حيث ارتفعت هذه النسبة من 33% في التسعينيات إلى 76% في العقد الثاني من الألفية الثانية ويعود ذلك إلى إزالة الغابات، والظواهر المناخية المتطرفة، والضغوط البيئية.
اجمالي القراءات
19