التمرد الأمريكي على شرعية روما.. هل يكتب ترمب نهاية مؤسسات العدالة الأممية؟
تفتح العقوبات الأمريكية على المحكمة الجنائية الدولية مواجهة تتجاوز الخلاف على اختصاصها، لتضع استقلال العدالة الدولية في اختبار صعب أمام نفوذ واشنطن، فبينما تهدد إدارة دونالد ترمب بتفكيك المحكمة، تتصاعد التساؤلات بشأن إذا ما كانت القوة السياسية قادرة على تعطيل المساءلة حين تطال حلفاءها.
ويكشف انتقال العقوبات من مسؤولين في المحكمة إلى المؤسسة نفسها عن اتساع نطاق المواجهة، ففي برنامج "ما وراء الخبر"، يرى رئيس معهد السياسات العالمية الدكتور باولو فون شيراخ أن واشنطن توجه رسالة تحذير إلى كل من يتعامل مع المحكمة أو يقدم لها دعما، في محاولة لرفع كلفة استمرارها في أداء مهامها.ويعكس هذا التصعيد خلافا أقدم بشأن حدود ولاية المحكمة، لكنه يضيف إليه أداة ضغط أكثر اتساعا، فالإجراءات الأمريكية تستهدف التعاملات والخدمات المرتبطة بالمؤسسة، بما قد يربك عملها اليومي ويضع الجهات المتعاونة معها أمام خيارات صعبة، حتى إن لم تكن طرفا في النزاع القانوني.
وتكمن المفارقة في أن الولايات المتحدة ليست عضوا في المحكمة، لكنها تسعى إلى التأثير في عمل مؤسسة أنشأتها الدول الأطراف بموجب نظام روما الأساسي، وهنا يتجاوز السؤال حدود العلاقة بين واشنطن والمحكمة، ليطال قدرة الدول على حماية مؤسسات دولية من ضغوط قوة كبرى.
ويضع أستاذ تسوية الصراعات الدولية الدكتور محمد الشرقاوي هذه المواجهة في إطار صراع بين استقلال القضاء الدولي وإرادة القوة السياسية، فالمشكلة، وفق قراءته، تتصل بمحاولة إخضاع مؤسسة قضائية لضغوط تستهدف الحد من قدرتها على التحقيق والملاحقة، رغم استنادها إلى قواعد قانونية أقرتها الدول الأعضاء.
وتبرز إسرائيل في قلب هذا الاشتباك، إذ يربط الشرقاوي التصعيد الأمريكي بمذكرتي الاعتقال الصادرتين عام 2024 بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، ومن هذا المنظور، يصعب فصل العقوبات عن تداعيات وصول التحقيقات الدولية إلى مسؤولين إسرائيليين.
ويمنح هذا البعد المواجهة معنى يتجاوز الموقف الأمريكي المعلن بشأن حماية المواطنين الأمريكيين، فالإدارة الأمريكية تعترض على احتمال خضوع مواطنيها لاختصاص المحكمة مستقبلا، لكن توقيت التصعيد وسياقه يثيران تساؤلات بشأن العلاقة بين هذا الاعتراض وبين المساءلة الدولية عن الانتهاكات في غزة.اختبار الاختصاص الدولي
يشرح فون شيراخ الموقف الأمريكي باعتباره محاولة استباقية لمنع المحكمة من ملاحقة مواطنين أمريكيين في المستقبل، حتى في غياب قضايا من هذا النوع في سجلها، وتستند واشنطن، بحسب هذه القراءة، إلى رفض مبدئي لولاية المحكمة على مواطني دولة لم تنضم إلى نظام روما.
لكن أستاذ القانون الدولي والرئيس السابق للجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الدكتور وليام شاباس يرى أن هذه الحجة لا تمنح الأمريكيين حصانة مطلقة، فالدول التي أنشأت المحكمة فوّضتها ممارسة اختصاصها وفق النظام الأساسي، ولا يكفي عدم انضمام دولة ما لنفي كل احتمال للمساءلة.
ويعيد هذا الخلاف النقاش إلى طبيعة الاختصاص الجنائي الدولي وشروط ممارسته، فعدم عضوية الولايات المتحدة لا يعني، في حد ذاته، أن المحكمة تملك ولاية تلقائية على كل مواطن أمريكي، كما لا يمنح هؤلاء حصانة مطلقة من أي ملاحقة، إذ يتوقف الأمر على الأساس القانوني والظروف الخاصة بكل قضية.
ومن هنا، لا يمكن اختزال شرعية المحكمة في موقف واشنطن منها، مثلما لا تكفي شرعية تأسيسها وحدها لتجاوز جميع الاعتراضات القانونية، فالفصل بين النزاع السياسي والاختصاص القضائي يقتضي الاحتكام إلى نظام روما وقواعده، بدلا من تحويل الخلاف إلى محاولة لإخضاع المؤسسة للضغط.
ويشير شاباس إلى أن العقوبات السابقة التي طالت قضاة ومدعين عامين أوجدت صعوبات أمام المحكمة، لكنها لم تمنعها من مواصلة عملها، ويرجح أن تتمكن المؤسسة من تجاوز الإجراءات الجديدة أيضا، مستفيدة من الوقت المتاح للاستعداد وتأمين الموارد اللازمة لاستمرار التحقيقات والملاحقات.
غير أن قدرة المحكمة على الصمود قانونيا لا تعني أن آثار العقوبات ستكون محدودة بالضرورة. فتعطيل الخدمات والمعاملات المالية قد يعرقل جوانب من عملها، فيما يمكن أن يدفع التهديد بالعقوبات مؤسسات وشركات إلى تجنب التعامل معها خشية التعرض للإجراءات الأمريكية.
ويشير فون شيراخ إلى أن نطاق الضرر المحتمل يرتبط بمدى التزام الجهات المتعاملة مع المحكمة بالعقوبات، سواء تعلق الأمر بالدعم المالي أو الخدمات الإدارية أو غيرها من أشكال التعاون، وبذلك تنتقل المواجهة من استهداف أشخاص محددين إلى الضغط على شبكة العلاقات التي تتيح للمؤسسة أداء وظائفها.
حدود القوة الأمريكية
في المقابل، يرى الشرقاوي أن تهديد واشنطن بتفكيك المحكمة يصطدم بواقع سياسي وقانوني لا تستطيع الإدارة الأمريكية تغييره بقرار منفرد، فالمؤسسة تستند إلى عضوية نحو 125 دولة، وهو ما يجعل التخلي عنها مرتبطا بمواقف جماعية لا تملك واشنطن فرضها على جميع الأطراف.
ولا يلغي ذلك قدرة الولايات المتحدة على إلحاق أضرار عملية بالمحكمة، لكنه يضع حدودا للفارق بين إضعاف المؤسسة وإنهائها، فالعقوبات قد ترفع كلفة التعاون معها، بينما يتطلب تغيير وضعها القانوني أو تقويض نظامها الأساسي مسارات تتجاوز التهديدات والتدابير الأمريكية الأحادية.
ويكتسب تزامن العقوبات مع إعلان فوز القاضية السابقة في المحكمة نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام دلالة رمزية في هذا السياق، فقد أهدت بيلاي الجائزة إلى الناجين من الجرائم الدولية والمدافعين عن العدالة، في وقت كانت فيه المحكمة تواجه ضغوطا أمريكية تستهدف عملها.
ويربط الشرقاوي بين هذا التكريم والجدل بشأن التحقيقات المتعلقة بغزة، إذ سبق أن ترأست بيلاي لجنة تحقيق أممية خلص تقريرها إلى ارتكاب إسرائيل إبادة جماعية في القطاع، ويرى شاباس أن منحها الجائزة يعكس اهتماما دوليا بعملها وبالمساءلة عن الانتهاكات.
ومع ذلك، لا يثبت التزامن بين الحدثين أن جائزة نوبل كانت سببا مباشرا للعقوبات، ففون شيراخ نفسه لا يجزم بدلالة التوقيت، ويعيد التركيز إلى الموقف الأمريكي المستمر من المحكمة، لكن اجتماع الحدثين يبرز التباين بين تكريم شخصيات ارتبطت بالعدالة الدولية وتصعيد الضغوط على المؤسسة التي عملت فيها.
ويطرح فون شيراخ بدوره سؤال الانتقائية في الاهتمام الدولي بالانتهاكات، مستشهدا بأزمات في إقليم تيغراي بإثيوبيا والكونغو والسودان، وبمعاملة الصين الأقلية المسلمة فيها. ويستدعي هذا الطرح نقاشا بشأن اتساق أولويات المساءلة الدولية، لكنه لا يحسم بذاته صحة الاعتراضات الأمريكية على المحكمة أو يبرر الضغط عليها.
فالمعيار الذي يفصل بين النقد المشروع والتدخل في استقلال القضاء هو الاحتكام إلى الأدلة والقواعد القانونية، لا مدى توافق القرارات مع مصالح الدول، وإذا أصبحت العقوبات وسيلة لمنع التحقيق في ملفات محددة، فإن أثرها المحتمل سيمتد إلى مبدأ المساواة أمام القانون، الذي تقوم عليه فكرة العدالة الدولية.
اجمالي القراءات
23