من هرمز إلى تايوان.. شرايين العالم على وشك الاختناق

اضيف الخبر في يوم الجمعة ١٧ - أبريل - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: الجزيرة


من هرمز إلى تايوان.. شرايين العالم على وشك الاختناق

من طهران إلى مزارع الغرب الأمريكي، ومن ممرات جبال القوقاز إلى مضيق تايوان، تتجلى ملامح مرحلة جديدة أفرزتها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تدل على مدى هشاشة الترابط العالمي.

وتكشف مجموعة من التقارير والتحليلات الصادرة عن صحف ومجلات أمريكية -مثل وول ستريت جورنال وذا هيل ونيوزويك وبلومبيرغ- عن صورة متكاملة لاضطراب اقتصادي عالمي متسارع ناجم عن تداعيات الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز، وما أحدثته من تأثيرات عميقة على سلاسل الإمداد العالمية وأسواق الطاقة والأمن الغذائي، بل وحتى التوازنات الجيوسياسية المستقبلية.فاتورة الدمار وكلفة البقاء
وفي قلب هذه الصورة، تقف إيران أمام تحد اقتصادي غير مسبوق، بعد حملة عسكرية مكثفة شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل، استهدفت -وفق صحيفة وول ستريت جورنال- ما لا يقل عن 17 ألف موقع خلال 5 أسابيع، شملت بنى تحتية حيوية ومنشآت صناعية ومرافق حكومية وعسكرية.

وقدّرت وسائل إعلام إيرانية تكلفة إعادة الإعمار بنحو 270 مليار دولار، في رقم يعكس حجم الدمار الذي يضغط بقوة على القيادة الإيرانية لدفعها نحو التفاوض من أجل تخفيف العقوبات.ويشير التقرير إلى أن الضربة الأكثر إيلاما تمثلت في استهداف 8 مصانع للبتروكيماويات، من بينها مجمع "بندر إمام" الضخم، بالإضافة إلى مصانع الصلب الرئيسية في أصفهان والأهواز.

وتكمن خطورة هذا الاستهداف في أن قطاع البتروكيماويات يشكل ما يقرب من نصف الصادرات غير النفطية الإيرانية، بعائدات بلغت 18 مليار دولار عام 2023، بينما يدر قطاع الصلب 7 مليارات دولار سنويا.

الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران لم تكن عشوائية، بل استهدفت أجزاء الاقتصاد الموجهة نحو الخارج والتي تجلب العملة الأجنبية اللازمة لتلبية الاحتياجات الأساسية

كما نقلت الصحيفة عن بورجو أوزجليك، الباحثة في المعهد الملكي للخدمات المتحدة ومقره في لندن، قولها إن النخب الإيرانية تتحدث عن "كارثة اقتصادية وشيكة" إذا لم تخفف واشنطن من عقوباتها على إيران. وحذرت أوزجليك من أن غياب أي أفق للتعافي الاقتصادي قد يهدد بقاء النظام تحت ضغط هيكلي وشعبي متزايد.

الحصار البحري وشبح الشلل التام
ولم تكتف القوى المهاجمة بالقصف الجوي، بل فرضت الولايات المتحدة حصارا بحريا خانقا على الموانئ الإيرانية.

وبحسب تحليل ميعاد ملكي من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، فإن هذا الحصار يكلف الميزانية الإيرانية نحو 435 مليون دولار يوميا، تشمل خسائر في صادرات النفط الخام والبتروكيماويات.

وتوقعت بيانات شركة فورتيكسا للتحليلات النفطية أن تمتلئ خزانات النفط الإيرانية في غضون أسبوعين إلى 3 أسابيع، مما سيجبر البلاد على إغلاق حقول الإنتاج، وهو إجراء قد يتسبب في أضرار دائمة للمكامن النفطية ويقلل من قدرتها الإنتاجية المستقبلية.

وعلى الصعيد الداخلي، أدت هذه الضربات إلى تفاقم أزمة البطالة في بلد كان يعاني أصلا من ركود عميق.

ونقلت وول ستريت جورنال (The Wall Street Journal) عن الخبير الاقتصادي هادي كحل زاده القول إن ما يصل إلى 12 مليون وظيفة -أي ما يقرب من نصف القوة العاملة الإيرانية- باتت في خطر.

وأوضح زاده أن الاضطراب في صناعة الصلب وحدها يهدد بفقدان 5.5 مليون وظيفة، بالإضافة إلى 1.2 مليون وظيفة في قطاعي البتروكيماويات والأدوية.

ويقول الخبير جواد صالحي أصفهاني إن "ما يهم الآن هو الوضع السياسي"، مشيرا إلى تراجع ثقة المواطنين في وعود الحكومة، وتزايد احتمالات الهجرة.

ارتدادات عالمية
ولم تبق تداعيات الحرب محصورة داخل الحدود الإيرانية، بل امتدت لتضرب قطاعات حيوية في الولايات المتحدة نفسها، وتحديدا في القطاع الزراعي.

وقد أبرزت صحيفة ذا هيل (The Hill) حجم تأثير الحرب على أسعار الأسمدة في الولايات المتحدة. فقد أظهر استطلاع رأي أجراه اتحاد المزارعين الأمريكيين أن 70% من الفلاحين يرون أن أسعار الأسمدة مرتفعة للغاية حتى إنهم لم يعودوا قادرين على شرائها.

كما كشف الاتحاد أن 94% من المستطلعة آراؤهم قالوا إن أوضاعهم المالية ساءت أو ظلت كما هي، مقارنة بـ6% منهم أكدوا أنها تحسنت.

أزمة المضايق أثرت بشكل سلبي على المزارعين الأمريكيين (الفرنسية)
ووفق ذا هيل، فقد ارتفعت أسعار الأسمدة النيتروجينية بأكثر من 30% منذ بدء الصراع في 28 فبراير/شباط، بينما قفزت أسعار اليوريا بنسبة 47%.

وأشارت الصحيفة إلى أن المحللين يرون أن سوق الأسمدة الحالي هو الأكثر تقلبا منذ الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022، حيث تأثرت نحو 49% من صادرات اليوريا العالمية بسبب الاضطرابات في الشرق الأوسط.

ورغم محاولات وزارة الزراعة الأمريكية طمأنة الأسواق، فإن الواقع الميداني في الغرب الأوسط الأمريكي يشير إلى أزمة إمدادات حقيقية تهدد موسم الزراعة في فصل الربيع.

فقد أكد اتحاد المزارعين الأمريكي أن الزراعة الربيعية تعتمد بشكل كبير على توفر الأسمدة والوقود، وكلاهما تأثر بالمخاطر الجيوسياسية التي عطلت الأسواق العالمية.

وتربط الصحيفة في تقريرها هذه الأزمة بإغلاق مضيق هرمز، الذي تمر عبره أكثر من ثلث تجارة الأسمدة عالميا، مما أدى إلى تعطيل الإمدادات في توقيت حرج قبيل موسم الزراعة.
الجنرال دان كين رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية خلال مؤتمر صحفي بالبنتاغون عن تطورات مضيق هرمز (الفرنسية)
البديل الاستراتيجي
في المقابل، تبرز تحولات جيوسياسية تحاول إعادة تشكيل سلاسل الإمداد بعيدا عن مناطق النزاع.

إعلان
ففي تحليل نشرته مجلة نيوزويك (Newsweek)، يرى جوزيف إبستين مدير مركز توران للأبحاث في معهد يوركتاون بواشنطن، أن الجغرافيا السياسية تفرض الآن على واشنطن التحرك نحو آسيا الوسطى والقوقاز لتأمين سلاسل التوريد، خاصة فيما يتعلق بالمعادن النادرة.

ويؤكد في مقاله بالمجلة أن الحرب في إيران أثبتت هشاشة الاعتماد على الممرات التي تمر عبرها، مشيرا إلى أن "أي بنية نقل تعتمد على الأراضي الروسية أو الإيرانية كانت دائما على بعد أزمة واحدة من الانهيار".

ويطرح الكاتب ما يُعرف بـ"الممر الأوسط" الذي يمر عبر جنوب القوقاز كبديل استراتيجي، يربط آسيا بأوروبا دون المرور بروسيا أو إيران.

سلاسل الإمداد العالمية باتت مضربطة بسبب أزمة المضايق العالمية (الأوروبية)
ويكتسب هذا الممر -في تقديره- أهمية مضاعفة بعد خروج نحو 20% من إمدادات النفط العالمية من السوق نتيجة إغلاق مضيق هرمز، مما يجعل تنويع طرق التجارة ضرورة ملحة.

كما يلفت المقال إلى البعد الاستراتيجي للمنطقة فيما يتعلق بالمعادن النادرة، حيث تمتلك آسيا الوسطى احتياطيات ضخمة يمكن أن تساعد الولايات المتحدة في تقليل اعتمادها على الصين، التي تسيطر على أكثر من 90% من قدرات معالجة هذه المعادن.

ويوضح إبستين في هذا السياق أن كازاخستان، التي انضمت مؤخرا لاتفاقيات إبراهام، تمتلك احتياطيات ضخمة من المعادن النادرة تقدر بنحو 28.2 مليون طن، وهي ضرورية للصناعات الدفاعية الأمريكية مثل طائرات إف-35.

وطبقا لمقال نيوزويك، فإن "الممر الأوسط" الذي يمتد لمسافة 192 كلم بين أذربيجان وأرمينيا بات "نقطة اختناق" عالمية جديدة.

وقد أدركت طهران هذه الأهمية مبكرا، حيث استهدفت طائراتها المسيرة مطار نخجوان في أذربيجان في 5 مارس/آذار الماضي لتعطيل مسار "طريق ترمب للازدهار الدولي" (TRIPP) المخطط له، كما يقول الكاتب.

باخرة صينية في مضيق تايوان (غيتي)
هل يتكرر سيناريو هرمز في تايوان؟
وفي سياق متصل، حذر مقال نشرته وكالة بلومبيرغ للأنباء على موقعها الإلكتروني من أن العالم قد يكون أمام صدمة أكبر بكثير إذا تكررت تجربة هرمز في مضيق تايوان.

ونصحت الكاتبة كاريشما فاسواني الحكومات وقطاعات الأعمال بالاستعداد لسيناريو قد يخنق تدفّق نحو 90% من أشباه الموصلات المتقدمة في العالم، وهي مكوّنات أساسية لكل شيء، من الذكاء الاصطناعي والهواتف الذكية إلى السيارات والأنظمة العسكرية.

وكتبت في مقالها أيضا أن الصين ستعمل على تقييم الكيفية التي استخدمت بها كلٌّ من إيران والولايات المتحدة مضيق هرمز كورقة ضغط، وقد تعيد تقييم خياراتها بشأن تايوان في ضوء هذه التجربة.

الرئيس الصيني شي جين بينغ حذر من انفراط عقد الأوضاع الدولية (غيتي إيميجز)
ونقلت عن الرئيس الصيني شي جين بينغ -في أول تصريح أدلى به يوم الثلاثاء بشأن الصراع الدائر حاليا- وصفه للوضع الدولي بأنه "ينحدر نحو الفوضى"، في إشارة إلى تصاعد التوترات العالمية.

وتبرز هذه المخاوف حجم الترابط بين الممرات البحرية الحيوية والاقتصاد العالمي، حيث يمكن لأي اضطراب في نقطة استراتيجية أن يطلق سلسلة من الأزمات المتتالية، من الطاقة إلى الغذاء إلى التكنولوجيا.

وفي الختام، فإن ما يمكن استخلاصه من هذا التقرير والتحليلات مجتمعة أن النظام الاقتصادي العالمي يمر بمرحلة انتقالية تتسم بتزايد الاعتماد على الجغرافيا السياسية محددا رئيسيا للتدفقات التجارية.

فالحرب على إيران لم تقتصر على تدمير اقتصاد دولة، بل أطلقت موجات صدمة امتدت إلى المزارعين الأمريكيين، وأعادت تشكيل خرائط النقل العالمية، وأثارت مخاوف من احتمال اندلاع مزيد من الأزمات في المستقبل في مناطق أكثر حساسية.
اجمالي القراءات 27
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق