349 حزباً في العراق... تضخّم عددي بلا تأثير سياسي
تُظهر بيانات المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق، تضخماً غير مسبوق بأعداد الأحزاب والكيانات السياسية المُسجلة في البلاد، بلغت 349 حزباً وحركة وتكتلاً سياسياً، حتى نهاية عام 2025، موزعة على جميع محافظات العراق. غير أنّ بغداد، تحتل الصدارة بأكثر من 290 حزباً مقرها الرئيسي فيها. وفي تحليل أجرته "العربي الجديد"، للبيانات المتاحة للجمهور على الموقع الرسمي لمفوضية الانتخابات العراقية، يظهر أن عدد الأحزاب تضاعف خلال السنوات العشر الماضية، إذ يظهر في عام 2016 أن عدد الأحزاب كان 152 حزباً سياسياً مسجلاً، في حين بلغ عدد الأحزاب والكيانات السياسية المسجلة، نهاية 2025، 349 حزباً.
غير أنّ هذا التضخم الكبير ظل عددياً بلا تأثير أو تجديد واضح في المشهد السياسي في العراق. وتكشف أرقام مفوضية الانتخابات أن 56 حزباً فقط من أصل 349 حزباً، دخلت الانتخابات وشاركت فيها (آخر انتخابات في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025)، فيما فاز من بين هذه الأحزاب الـ56، 41 حزباً فقط، ليصبح لها تمثيل في البرلمان. وبالعودة إلى أسماء الأحزاب الـ41 الفائزة، يتضح أنها في معظمها الأحزاب ذاتها الحاضرة في المشهد السياسي والحكومي العراقي، منذ 20 عاماً.
القفزة من 152 في عام 2016 إلى 349 حزباً في العراق خلال 2025، تُظهر السهولة الكبيرة في تأسيس الأحزاب التي أتاحها القانون المنظم لها والمعمول به منذ عام 2015، إذ لا يتطلب سوى سبعة أعضاء مؤسسين، وقائمة تضم ألفي شخص بصفتهم أعضاء، مع نظام داخلي وتعريف بالحزب الجديد، إلى جانب دفع رسوم مالية تبلغ 25 مليون دينار عراقي (نحو 17 ألف دولار أميركي)، ليحصل الحزب على ترخيص من دائرة تسجيل الأحزاب.
صبغة طائفية وقومية
وتهيمن الصبغة الهوياتية الطائفية والقومية على معظم القوى السياسية المؤثرة والفاعلة في المشهد العراقي، إذ أظهرت نتائج انتخابات مجلس النواب العراقي لعام 2025 أن القوى العربية الشيعية حصدت نحو 56.8% من المقاعد، تلتها القوى العربية السنية بنحو 23.4%، ثم القوى الكردية بنحو 17%، فيما ذهبت 2.7% من المقاعد إلى كوتا المكوّنات، وتشمل المسيحيين والأيزيديين والشبك والصابئة المندائيين والكرد الفيليين. وبذلك، فإن أكثر من 97% من التمثيل البرلماني جاء عبر قوى ذات طابع هوياتي طائفي أو قومي أو مكوّناتي، فيما ظل الحضور المدني العابر للهويات محدوداً للغاية.
بغداد تهيمن على غالبية الحراك السياسي، بأكثر من 290 مقراً رئيساً للأحزاب والتيارات
مسؤول في دائرة تسجيل الأحزاب العراقية ببغداد، قال لـ"العربي الجديد"، إن الأحزاب التي تتبنى منطلقات طائفية وعرقية سنية وشيعية وكردية، تُشكل أكثر من 90% من الأحزاب والعناوين السياسية المسجلة رسمياً بالعراق. وأضاف المسؤول الذي طلب عدم الكشف عن هويته، أن بغداد تهيمن على غالبية الحراك السياسي، بأكثر من 290 مقراً رئيساً لهذه الأحزاب والتيارات، متحدثاً عن هيمنة وثراء وإمكانيات ضخمة للأحزاب الهوياتية، تبدأ من مقارها ونفقاتها، وتنتهي بفعاليتها وأنشطتها الإعلامية، مقابل ضعف إمكانيات القوى والأحزاب غير العرقية والدينية، مثل الحزب الشيوعي، والتيار المدني، وحركات ذات عناوين وطنية وعلمانية مختلفة، تشكلت في السنوات الماضية التي أعقبت الاحتلال (الأميركي)ووفق المسؤول نفسه، فإن هناك تشابهاً يصل في بعض الأحيان إلى حد التطابق في ديباجة وشعارات غالبية الأحزاب وأنظمتها الداخلية، والأهداف التي تتبناها، خصوصاً الأحزاب الدينية، وهناك "نسخ ولصق" لأحزاب جديدة تشكلت، ما يؤشر إلى أنها تقدم نماذج متوفرة على الإنترنت، ضمن متطلبات إكمال أوراق تسجيل الأحزاب. وفي رأيه فإن العشرات من أحزاب العراق، "قائمة على شخص أو شخصين هما من يموّل ويقرر توجهات وخطابات الحزب"، معتبراً أن "هذه الأحزاب مجرد واجهة أو عنوان تحرك". وضرب مثلاً عن أحد الأحزاب المسجلة، إذ توفي رئيسه في جائحة كورونا عام 2021، فتوقف الحزب ولم يعد له أي ذكر.
وأشار المسؤول إلى رصد عبارات سابقة في بعض الأوراق التي قُدّمت لأحزاب جديدة قبل الانتخابات الأخيرة مثل "الحفاظ على قيم الثورة"، موضحاً أنه "عند سؤال ممثل الحزب عن المقصود بالثورة وأي ثورة، لم نجد جواباً، ما يؤكد أنها مأخوذة من أحزاب وحركات في دول أخرى، وبعضه كان مترجماً للعربية، ويظهر من الترجمة النصية لبعض الجمل".
غياب التعددية السياسية
في هذا الصدد قال الخبير القانوني العراقي، علي المطلبي، لـ"العربي الجديد"، إن المشهد الحزبي في العراق، يتجه إلى "مزيد من التشظي القانوني والتنظيمي ولا يمكن اعتبار هذه العدد الكبير من الأحزاب تعددية سياسية حقيقية". وأوضح أن "تكاثر الأحزاب في العراق، سببه أنها باتت واجهات انتخابية، والدين غالباً غطاء مناسب، وهناك أحزاب نفعية تجد أيضاً عناوين الطائفة والعرق وحتى المنطقة، غطاء لا أكثر". وفي رأيه فإن غياب القواعد الجماهيرية والطروحات السياسية جديدة، والفعاليات الفكرية أو الثقافية "هو حال الأغلب من أحزاب العراق، التي تبقى ضمن أدوات لتثبيت سلطة أو وجود داخل النظام السياسي، لا لمخاطبة الجمهور"، معتبراً أنه "يبقى الخطاب الأسهل هو الطائفي". ووصف وجود 349 حزباً في العراق بأنه "سوق سياسي، يتغذى جزء كبير منه على الفساد من المال العام".
عماد جميل: نحو 100 حزب فقط أبدت رغبتها بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة
وتواصلت "العربي الجديد" مع رئيس الفريق الإعلامي للمفوضية العليا المستقلة للانتخابات العراقية، عماد جميل، للتعليق على هذه الأرقام، فقال إن "هناك فجوة كبيرة بين عدد الأحزاب المسجلة رسمياً وتلك التي تشارك فعلياً في الانتخابات وتحقق تمثيلاً برلمانياً". وأوضح أن "إجمالي عدد الأحزاب المجازة رسمياً في العراق أكثر من 340 حزباً، وهو رقم يعكس اتساع الإطار القانوني لتأسيس الأحزاب بعد عام 2003، لكنه لا يوازي بالضرورة حضوراً فعلياً في العملية الانتخابية".
ووفق جميل فإن "نحو 100 حزب فقط أبدت رغبتها بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، في حين أن عدد الأحزاب التي خاضت المنافسة فعلياً انخفض إلى نحو 50–60 حزباً، وغالباً ما دخلت هذه الأحزاب ضمن تحالفات انتخابية متعددة، ما يقلل من ظهورها كقوى منفردة في النتائج النهائية". وأضاف أن "عدد الأحزاب أو الكيانات التي نجحت في الحصول على مقاعد برلمانية يُقدّر بنحو 30 كياناً رئيسياً فقط، في المقابل فإن غالبية الأحزاب المشاركة لم تحقق أي تمثيل برلماني، حيث خرجت نسبة كبيرة منها من دون مقاعد".وفي رأيه فإن "هذه النتائج تعكس تركز القوة السياسية بيد عدد محدود من الكتل الكبرى، ولهذا مجلس النواب العراقي، المؤلف من 329 مقعداً، شهد هيمنة واضحة لعدد من التحالفات الكبيرة، التي استحوذت على الحصة الأكبر من المقاعد، فيما توزعت المقاعد المتبقية على قوى متوسطة وصغيرة، مع حضور محدود للمستقلين".
سهولة تسجيل الأحزاب في العراق
من جهته، قال أحمد الأنصاري، وهو خبير معتمد في الشؤون الانتخابية بالعراق، لـ"العربي الجديد"، إن التضخم في عدد الأحزاب، يقابله تراجع واضح في فاعلية نسبة كبيرة منها، فالمشهد الحزبي يعاني من تراكم عددي لا يعكس بالضرورة حيوية سياسية حقيقية. وبيّن الأنصاري وجود طلبات لأحزاب جديدة قيد التسجيل، ما يعني أن العدد قد يصل قريباً إلى 350 حزباً، وهو واحدة من أعلى نسب التعدد الحزبي في المنطقة.
أحمد الأنصاري: غالبية الأحزاب إما مجمدة، أو خاملة، أو تفتقر إلى أي دور مؤثر في الحياة السياسية
لكنه أكد أن "نسبة قليلة من هذه الأحزاب تمتلك حضوراً جماهيرياً أو نشاطاً تنظيمياً، إذ إن الغالبية مجمدة أو خاملة، أو تفتقر إلى أي دور مؤثر في الحياة السياسية". وأضاف أن "ظاهرة الأحزاب التي اندثرت أو تلاشت عملياً باتت ملموسة، حيث توجد عشرات الكيانات التي لا تمارس نشاطاً سياسياً حقيقياً، وبات وجودها يقتصر على السجلات الرسمية من دون إنتاج فكري أو برامج سياسية أو مشاركة ميدانية".
وفي رأيه فإن "هذه الظاهرة تعود إلى جملة عوامل، أبرزها سهولة إجراءات تسجيل الأحزاب مقارنة بضعف آليات المتابعة والرقابة، إضافة إلى لجوء بعض القوى السياسية إلى إنشاء كيانات متعددة لتعزيز حضورها داخل التحالفات الانتخابية أو لتحقيق مكاسب تفاوضية"، معتبراً أن "استمرار هذا الواقع قد يؤثر سلباً على تطور النظام الديمقراطي، من خلال إضعاف التمثيل الحقيقي وتشتيت الأصوات". وشدد الأنصاري على ضرورة "مراجعة الإطار القانوني المنظم لتأسيس وعمل الأحزاب، بما يضمن وجود الكيانات الفاعلة فقط، عبر تشديد الشروط المتعلقة بالبرامج السياسية وقواعد حقيقية من الجمهور، وليس ورقية".
اجمالي القراءات
20