الطلاق والزواج "الصوريان" في العراق: تحايل قانوني للحصول على إعانات
عاد ملف "شبكة الرعاية الاجتماعية" في العراق، النظام الذي تمنح من خلاله الدولة إعانات مالية شهرية لذوي الدخل المحدود والعاجزين عن العمل، إلى واجهة الجدل العام. جاء ذلك بعد الكشف عن آلاف حالات الطلاق الصوري والزواج غير الرسمي التي استُخدمت وسيلة للحصول على الإعانات من دون وجه حق؛ في ظاهرة باتت تهدد الثقة بالمنظومة الاجتماعية والقانونية، وسط صعوبات تواجهها الجهات المسؤولة لكشف أساليب التحايل.
ويوفّر العراق رواتب شهرية للعاطلين من العمل والأرامل والمطلقات والأيتام، علماً أنّ الراتب الواحد لا يزيد على 180 ألف دينار عراقي (نحو 120 دولاراً أميركياً)، وهو مبلغ لا يغطّي معيشة أيّ فرد لمدّة أسبوع واحد، لكن الحصول عليه يظل "أفضل من لا شيء" بالنسبة للكثيرين.
وخلال الأشهر الأخيرة، كشفت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية أرقاماً وصفت بـ"الصادمة"، تتعلق بتلاعب واسع النطاق في شبكة الحماية، تقوده حالات زواج غير مسجلة رسمياً، أو طلاق صوري مسجل في المحاكم، بهدف الإبقاء على الرواتب، خصوصاً بين فئة النساء (المتزوجات، أو الأرامل والمطلقات سابقاً).
زواج خارج المحكمة... وطلاق على الورق
وبحسب معطيات وزارة العمل، فإن آلاف النساء المشمولات برواتب الرعاية (أرامل ومطلقات) ممّن تزوجن لاحقاً، لجأن إلى عقد الزواج خارج المحكمة (زواج ديني فقط) دون تسجيله رسمياً، للحفاظ على صفة "الأرملة" أو "المطلقة" في السجلات، وبالتالي الاستمرار في تقاضي الإعانة.
والأخطر من ذلك، هو لجوء نساء متزوجات فعلياً إلى تسجيل "طلاق صوري" (غير حقيقي) داخل المحكمة، فقط لغرض استيفاء الشروط القانونية للراتب، بينما تستمر الحياة الزوجية في الواقع. وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن هذه الظاهرة تحولت إلى "نمط تحايلي منظم"، تشترك فيه أطراف متعددة، بينها معقبو معاملات ووسطاء ومحامون، وأحياناً بتواطؤ محدود داخل المنظومة الإدارية.
أرقام صادمة: 19 ألف حالة
رسمياً، أعلنت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية اتخاذ الإجراءات القانونية بحق 19 ألفاً و705 من المستفيدات ضمن فئتي المطلقات والأرامل، بعد اكتشاف أنهن متزوجات فعلياً بعقود خارجية، ما يعد مخالفة صريحة لشروط الاستفادة. ووفقاً لتصريح المتحدث الرسمي باسم الوزارة، حسن خوام، قبل يومين، فإن "اكتشاف الحالات جاء بعد تنفيذ حملات كشف ميداني واسعة (بيان سنوي) استهدفت المتجاوزين". وأكد خوام "إيقاف صرف الإعانة عنهن فوراً، واستدعاءهن رسمياً لتحديد التاريخ الفعلي للزواج، لاحتساب الأموال التي صُرفت دون وجه حق واستردادها". وأشار المتحدث إلى أن "عدد المتجاوزين على شبكة الحماية الاجتماعية بلغ حتى نهاية العام الماضي 2025، نحو 380 ألف متجاوز، بينما ارتفع العدد الإجمالي بعد إضافة متجاوزي هذا العام ليصل إلى نحو 500 ألف متجاوز".
تشويه للقيم والأسرة
من جهته، حذر الأكاديمي المختص بعلم الاجتماع، جاسم المياحي، في حديث لـ"العربي الجديد"، من أن "الطلاق والزواج الصوريين لا يمثلان تحايلاً مالياً فحسب، بل يضربان منظومة القيم الاجتماعية في الصميم". وأضاف المياحي أن "اعتياد التحايل يخلق ثقافة تبرر الكذب والتزوير، وتحول الزواج والطلاق من روابط إنسانية مقدسة إلى أدوات مصلحية"، مشيراً إلى أن "الأطفال هم الضحية الأكبر، إذ ينشأون في بيئة مشوشة قانونياً واجتماعياً".
ورأت الناشطة المدنية انتصار الزيدي، أن "جزءاً من الظاهرة مرتبط بالفقر والبطالة"، لكنها شددت لـ"العربي الجديد" على أن "ذلك لا يبرر التحايل المنهجي على الدولة". وأوضحت أن "التوسع في هذه الممارسات يحرم مستحقين حقيقيين من الإعانة"، داعية إلى "الجمع بين الردع القانوني، وتوفير بدائل اقتصادية حقيقية للنساء، مثل فرص العمل وبرامج التمكين".ويرى مراقبون أن ملف الرعاية الاجتماعية في العراق يقف اليوم عند مفترق طرق؛ ففي بلد يعاني من فجوة ثقة عميقة بين المواطن والمؤسسات، تبقى معركة ضبط شبكة الحماية اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على تحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان وصول الإعانات إلى مستحقيها الفعليين.
اجمالي القراءات
26