المهمة المستحيلة.. هل يستطيع السيسي إنهاء عسكرة الاقتصاد المصري؟

اضيف الخبر في يوم الخميس ١١ - أغسطس - ٢٠٢٢ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: الخليج الجديد


المهمة المستحيلة.. هل يستطيع السيسي إنهاء عسكرة الاقتصاد المصري؟

في اعتراف نادر بالسياسة الخاطئة، قال وزير المالية المصري "محمد معيط" خلال ظهوره مؤخرًا في برنامج حواري شهير إن الاعتماد على "الأموال الساخنة" كان خطأ. ويأتي هذا الاعتراف وسط أزمة اقتصادية عميقة وارتفاع مستوى الديون الخارجية إلى 158 مليار دولار في مارس/آذار الماضي، مقارنة بـ145.5 مليار دولار في ديسمبر/كانون الأول 2021، بزيادة قدرها 8% في 4 أشهر.

وتزامن هذا الارتفاع مع مستويات تضخم قياسية بلغت حوالي 15%، فيما فقد الجنيه نحو 22% من قيمته منذ مارس/آذار الماضي. أما الأكثر إثارة للقلق فهو زيادة الضغط على ميزانية الدولة والانخفاض المطرد في الاحتياطيات الأجنبية. فقد قفزت تكاليف الفائدة وسداد الديون في ميزانية 2022/2023 إلى 90 مليار دولار، مقارنة بحوالي 63 مليار دولار في السنة المالية السابقة، أي إنها تستهلك أكثر من نصف الإنفاق العام.

ويضع ذلك ضغطًا كبيرًا على قدرة الحكومة على تقديم الخدمات الاجتماعية وتلبية التزامات الديون المستقبلية دون قروض إضافية.

وانخفضت احتياطيات العملات الأجنبية إلى 35.5 مليار دولار في نهاية مايو/أيار الماضي، بعد أن كانت أكثر من 37 مليار دولار قبل شهرين. وإذا استمر هذا التوجه، فإن الجنيه المصري سيواجه ضغطًا إضافيًا، مع جولة أخرى محتملة من انخفاض القيمة من شأنها أن تضغط على الطبقات الفقيرة والمتوسطة.

وأدت الأزمة العميقة إلى قيام وكالة التصنيف "موديز" بتخفيض نظرتها المستقبلية لمصر في مايو/أيار من مستقرة إلى سلبية.

وتركز تعامل النظام المصري مع الأزمة على محاولة تأمين تدفقات مالية من الخارج خاصة من الخليج، والتفاوض على قرض جديد من صندوق النقد الدولي. وتعهدت دول الخليج مؤخرا بحوالي 22 مليار دولار لدعم الاقتصاد المصري، بما في ذلك اتفاقية استثمارية مع السعودية بقيمة 10 مليارات دولار.

في الوقت نفسه، شرع الرئيس "عبدالفتاح السيسي" في برنامج خصخصة ضخم، حيث سيتم بيع ما قيمته 40 مليار دولار من أصول الدولة في السنوات القادمة. ومن المتوقع أيضًا أن يواصل النظام حملة الاقتراض، لتصبح أكبر دولة لديها ديون سيادية بين الأسواق الناشئة في أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

الإصلاح الجذري بعيد المنال

وتعد هذه السياسات بعيدة كل البعد عن التحول الجذري المطلوب لعلاج المشكلات المالية في البلاد. ومن أجل إصلاح الاقتصاد حقًا، يجب إنهاء عسكرة الاقتصاد بشكل كامل.

وخلال السنوات الماضية، ركز النظام على مشاريع البنية التحتية الضخمة (مشكوك في جدواها الاقتصادية) التي يديرها أو ينفذها الجيش، ولم يثبت هذا المسار فقط أنه غير فعال في تخفيف الفقر، ولكنه كان أيضًا كان كارثيًا على الأوضاع المالية، ووضع مصر في موقف محفوف بالمخاطر للغاية.

ولتخفيف الأزمة الحالية، يجب على القاهرة تنفيذ 3 تغييرات رئيسية في السياسة الاقتصادية.

أولاً، يجب عليها تخليص نفسها من العدد الكبير من المشاريع المملوكة للجيش، خاصة في المجالات التي تسبب فيها تدخل الجيش بخسائر كبيرة في القطاع الخاص.

ثانياً، يجب أن تبتعد الحكومة عن الاستثمار في مشاريع البنية التحتية الضخمة، وأن تركز بدلًا من ذلك على زيادة القدرة التنافسية للاقتصاد المصري وتعميق قاعدته الصناعية.

ثالثا، يجب أن يقوم النظام بإصلاح منظومة الضرائب، بما في ذلك إنهاء عدد كبير من الإعفاءات الضريبية التي تتمتع بها الشركات المملوكة للجيش، فضلا عن تحويل هذه الشركات لتصبح تحت السيطرة المدنية.

ولن تعزز هذه التدابير فقط قاعدة الضرائب الحكومية (التي تبلغ حوالي 14% من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بحوالي 28% في المغرب) ولكنها ستخفف أيضًا من الفقر وتحفز الطلب المحلي، ما يعزز أداء القطاع الخاص الذي يعاني منذ فترة طويلة.

لكن العقبات التي تحول دون تنفيذ هذه التغييرات غالبا ما تكون سياسية وليست اقتصادية، وينبع ذلك من هيمنة الجيش على جهاز الدولة، وعدم وجود حزب مدني حاكم، ما يجعل الخيارات ضيقة أمام "السيسي".

وفي الواقع، فإن أكثر السمات المميزة لنظام "السيسي" مقارنة بعصر "مبارك"، هي غياب حزب مدني حاكم كبير، مثل "الحزب الوطني الديمقراطي"، الذي يمكن للرئيس استخدامه للحد من تأثير الجيش وتدشين الإصلاحات اللازمة.

خيارات محدودة

بالرغم أن البرلمان يسيطر عليه الأحزاب المؤيدة لـ"السيسي"، خاصة حزب "مستقبل وطن"، لكنه لا يوجد دليل على أنهم يلعبون أي دور في صنع السياسات، ولا يأخذون مناصب وزارية. ويضع ذلك "السيسي" تحت رحمة الجيش كمؤسسة حاكمة في مصر، ما يحد بشدة من خياراته السياسية.

وأصبح تفوق الجيش في النظام السياسي أمرا دستوريا في مصر، حيث أضاف تعديل 2019 أن واجبات الجيش تشمل "حماية الدستور والديمقراطية والدولة وطبيعتها العلمانية"، ما يزيد من نفوذه بشكل ضخم.

ولا تبدو هناك أي علامات على تراجع عسكرة الدولة، بل على العكس من ذلك، حيث تشير جميع العلامات إلى تصاعد هذا الاتجاه. وفي منتصف يوليو/تموز الماضي، أدى اللواء "صلاح الرويني" رئيس القضاء العسكري، اليمين الدستورية كنائب رئيس المحكمة الدستورية، في سابقة خطيرة تأخذ تسييس القضاء إلى آفاق جديدة.

ومن نواح كثيرة، يعد النظام ضحية نجاحه، فمن خلال القضاء على جميع مراكز السلطة المدنية، أكمل الجيش هيمنته على الدولة وغير طبيعته الخاصة بشكل كبير، ليتحول إلى ما يشبه حزبا سياسيا. وعمليًا، يعمل الجيش المصري الآن كحزب حاكم، ويسيطر مباشرة على السياسة وجهاز الدولة، وسيكون لاستمرار هذا الوضع تداعيات هائلة.

ومن أبرز هذه العواقب هي إضعاف موقف "السيسي" نفسه، لأنه لم يعد بإمكانه دعوة القوى المدنية لموازنة الجيش، ويجعل ذلك النظام مقيدًا للغاية من حيث قدرته على تنفيذ الإصلاحات، خاصة في المجال الاقتصادي، لأن الجيش يستفيد بشكل كبير من الوضع الراهن.

وستتطلب أي إصلاحات اقتصادية بالضرورة أن يخفف "السيسي" قبضة الجيش على الدولة والاقتصاد، وهو احتمال غير مرجح، لأن ذلك سيعني صدامًا مباشرًا مع قاعدة سلطته الخاصة. وبالتالي، ستظل أي إصلاحات محدودة وغير كافية لتخفيف أزمة مصر العميقة.
اجمالي القراءات 179
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق