ما الفرق بين الفعل والعمل في القرآن؟:
ما الفرق بين الفعل والعمل في القرآن؟

مهيب الأرنؤوطي في الجمعة 09 فبراير 2007


ot;>(القوم الكافرين)، (القوم الظالمين)، (القوم الصالحين)، (القوم المجرمين)، (القوم الخاسرون)، (قوم يعلمون)، (قوم يفقهون)، (قوم يؤمنون)، (قوم مسرفون)، (قوم يعقلون).

2-    (قوم نوح)، (قوم هود)، (قوم صالح)، (قوم لوط)، (قوم عاد)، (قوم ثمود)، (قوم إبراهيم).

 في المجموعة الأولي نجدها قد أتت بمعني فريق أو مجموعة منسجمة تجمعهم صفات مشتركة، بينما نراها في المجموعة الثانية قد أتت بمعني قبيلة أو عشيرة، كل رسول من أولئك الرسل مع غض النظر عن الاختلافات الموجودة بين أفراد القوم الواحد في العقيدة، كافرين كانوا أو مشركين أو مؤمنين

لذلك إذا قرأنا آية قرآنية تقول كما في الآية التالية:

 (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ) (الحجرات 11).

 نفهم عندها أن كلمة قوم هنا تنتمي للمجموعة الأولي وأتت تفيد معني فريق أو مجموعة من الناس يرون أنهم متميزون عن غيرهم، ولذلك يعطون لأنفسهم الحق بالسخرية من أفراد مجموعة أخري يرون أنها أقل تميزاً منهم.....

      كما نلاحظ من نماذج المقاطع التي استخرجناها من القرآن استطعنا أن نعلم ما يعنيه سبحانه بكلمة (قوم)، وما نجده اليوم من تعميمنا عندما نقول (القومية العربية)، أو (القومية الإنجليزية)، أو (القومية الفرنسية) التي لا وجود لها في لغة القرآن، بل نجد بدلاً عنها كلمة شعوباً وقبائل، بينما إذا بحثنا عن كلمة أمة ماذا نجد لها من معني في القرآن الكريم؟.... نلاحظ مثلاً أن إبراهيم (ص) كان أمة: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً) (النحل 120).

      وهنا علينا أن نتساءل: كيف كان إبراهيم وحده كان أمة؟... لكننا بالطبع لن نجد الجواب لذلك التساؤل أو غيره إلا إذا بحثنا في القرآن العظيم: (أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ*تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) (البقرة 140- 141)، وقوله تعالي وهو يخاطب خاتم أنبيائه المرسلين محمد (ص): (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) (آل عمران 110).

        كل تلك الآيات تشير في القرآن كما ذكرنا سابقاً إلي مجموعة الرسل من نسل إبراهيم الذين تعقبوا وحملوا رسالات الله تعالي خلال آلاف السنين ما بين إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام أجمعين، وهؤلاء الأنبياء والرسل جميعاً يشكلون تلك الأمة.

        وبإتباع هذا الأسلوب في فهم كلمات القرآن نكون فعلاً قد أوجدنا طريقة عملية وسهلة لفهم كلمات القرآن مستنبطة أيضاً من ذلك القرآن، وهذه الطريقة حقيقة جديدة غفل عنها أغلب المسلمين من السلف إلي الخلف لأنهم توقفوا عن التفكر في آيات الله ظناً منهم بأن السلف الصالح قد أدي تلك المهمة وعلينا إتباع ما قالوه أو كتبوه، ونحن مهما بلغنا من العلم والذكاء أقل من أن ننتقد أو نصحح ما قالوه أو ما كانوا رووه أو كتبوه.

        بينما كما لاحظنا قبل قليل من قيامنا بالتفكر من جديد في كلمة الأمة بالأسلوب الذي توصلنا إليه من ذات القرآن نكتشف مباشرة مقصد الرحمان من تلك الكلمة، كما استطعنا أن نميزها عن المعني الذي تطورت إليه كلمة أمة من خلال العصور المختلفة التي مرت علي المسلمين فحملوا كلمة الأمة القرآنية بالمعني الذي تطورت إليه كلمة الأمة في اللغة العربية مع الزمن، ليعني مثلاً عندما نقول: (الأمة العربية)، بينما المعني الذي عرفناه من القرآن نجده غير ذلك، خاصة بعد أن فهمنا ما قصده سبحانه وتعالي عندما قال: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً) (النحل 120).

        وعلمنا بأن الأمة المباركة التي قصدها الرحمان عندما قال: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ..) (آل عمران 110).

        لم تكن تقصد الأمة العربية أو الأمة الإسلامية، بل ما زالت تقصد أمة الأنبياء المباركة التي تكونت من نسل نبي مبارك واحد هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وانطلاقاً من هذا الاستنتاج يمكننا أن نقول أن كلمة أمة في لغة القرآن قد أتت لتعني مجموعة متجانسة من الأفراد المختارين من ذرية رجل صالح مختار عبر عنه بكلمة (اصطفي)، وفي مثالنا هذا كانت مجموعة الأنبياء من ذرية رجل صالح اصطفاه الله والنبي عليه الصلاة والسلام.

        كما أن كلمة أمة قد تأتي في القرآن بمعان مختلفة يمكن معرفتها من سياق النص وحده، كما في قوله تعالي في الآية الكريمة حيث أتت بمعني فترة محددة من قبل الله تعالي: (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ) (هود 8)، أو قوله تعالي في الآية الكريمة: (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً) (هود 118).

        حيث أتت بمعني شعب واحد لهم لغة واحدة، ومن خلال هذه المقدمة أحببت أن أوضح بطريقة غير مباشرة أنه ليس بالإمكان فهم الكلمات في آيات القرآن إذا كان مرجعك لفهمها فقط ما كتبه السلف من كتب تفسير أو كتب قواميس اللغة العربية التي استحدثت اعتباراً من العصر العباسي لتكون مرجعاً لغوياً لكل القبائل والشعوب العربية بمختلف لهجاتها، وأنا لا أطالب هنا بإلغائها أو اجتنابها بشكل كامل، بل أقول بأن الأساس في فهم القرآن هو التفكر في كلمات الله تعالي وآياته للوصول إلي المعني مع الاستئناس بما كتبه الأولون دون أن يتناقض ذلك مع العقل والمنطق، وكان يتطابق مع منطق النصوص القرآنية التي أنزلها الله تعالي أصلاً لتتماشي مع المنطق الإنساني الذي يعتبر النعمة الكبري من الله تعالي لعبادة المؤمنين المتقين.

        ولعلنا الآن نكون قد أدركنا سبب المترادفات الكثيرة في اللغة العربية الفصحي لدرجة جعلت أبي العلاء المعري الذي رد علي من سابه قائلاً: أيها الكلب الأعمى بقوله (الكلب من لا يعرف ثمانين اسماً للكلب).

 مشيراً بذلك إلي سعة إطلاعه وعلمه في مفردات اللغة العربية الفصحي، لذا فعلنيا منذ الآن أن ننتبه إلي عدم وجود الترادفات في لغة القرآن الذي نزل بلسان قريش لسبب بسيط ومهم وهو أن الله تعالي لم ينزله علي رسولنا بألسنة العرب أجمعين، بل أنزله بلسان قوم الرسول نفسه (ص) (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ) (إبراهيم 4)، وهذه القاعدة التي توصلنا إليها من خلال التفكير في كلمات الله التي وردت في آياته بإمكانك أن تعتبرها منذ الآن قواعد أساسية في فهم القرآن الكريم.... لكن علينا أن ننتبه أن الكلمة الواحدة في لسان قريش يمكن أن تأتي كما قلنا سابقاً وهي تحمل أكثر من معني يمكن تمييزها من سياق النص للآيات القرآنية وحدها مثل الكلمات التالية:

        الكفار التي قد تأتي أحيانا بغير المعني المألوف فتصبح بمعني الزراع من أهل الكفر، ورجالاً التي قد تأتي أحيانا بمعني المرتجلين، والنساء التي قد تأتي أحيانا بمعني الأحفاد الذكور....وهكذا.

        والآن بعد تلك التوطئة يمكننا العودة إلي الموضوع الأساسي لنعيد صياغته كما يلي:

 ما الفرق بين الفعل والعمل بحسب كلمات القرآن؟

        لنعتمد في الحصول علي الجواب من خلال اعتمادنا علي لغة القرآن قبل الاعتماد علي ما قاله المفسرون، فلندقق في معاني الكلمات الآتية: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا) (الكهف 30)، فإذا فكرنا في عبارة (إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً) التي أتت جواباً لقوله تعالي: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) نستنتج بأن الله تعالي قد استخدم كلمة (أجر) لكل من أحسن عمله في الدنيا، ونحن في حياتنا العملية نعلم أن كلمة العمل إذا اقترنت بكلمة الإحسان التي تعني الإتقان في السنة عربية أخري، وتقترن عادة بكلمة الأجر (أجرة العامل) الذي يقابل عادة ما قام به المؤمن من عمل صالح خدمة لفرد من أفراد مجتمعه أو لمجموعة منهم.

        وكلمة الأجر (الأجرة) هذه التي تأتي عادة مقابل كل الأعمال تضعنا مباشرة في مجال أجور العمل الصالح الذي يؤديه الناس مقابل أجور اتفق عليها سلفاً، والآن دعونا ندقق في آيات أخري فيها وعد من الله تعالي للمؤمنين الذين قاموا من خلال حياتهم في الأرض بأعمال صالحة مقابل أجور قبضوها من مستخدميهم في الحياة الدنيا.

        كيف يعبر سبحانه عن ذلك في القرآن المعجز في سهولة الفهم والحفظ في الذاكرة: (وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ) (آل عمران 57)، ونلاحظ أن الله تعالي قد استخدم في تلك الآية أيضاً كلمة (أجورهم)، فإذا أحببنا أن نعلم كيف سيوفي سبحانه أجور العاملين والعمال من المؤمنين، هل ستكون نقداً أم عيناً؟ علينا أن ندقق في آيات أخري مثل قوله تعالي: (وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (الأعراف 43)، ونلاحظ في الآية السابقة أن ورثة جنة الرضوان في الآخرة لا تكون إلا مقابل الأعمال الصالحة التي قام بها الإنسان وهو مؤمن، أي أن العمل الصالح مع الإيمان يكونان المبدأ والأساس لورثة جنة الرضوان كأجرة للمؤمن في مقابل مساهمته بعمله الذي كان مصدر رزقه علي بناء جنة المؤمنين في الأرض.

        حتي وراثة الأرض في الحياة الدنيا لا تكون إلا من قوم أصيب أفراده بالكسل والإهمال مع التوقف عن التفكير والإبداع والعمل المثمر الصالح لتكون من نصيب قوم آخر أفراده أنشط وأعلم كما حصل مثلاً للهنود الحمر القدماء الذي سلبت منهم أرضهم بإذن الله تعالي يورثها سبحانه للقادمين الجدد الذين قدموا إلي تلك الأرض من كل بقاع العالم ليعملوا فيها بنشاط أعمالاً صالحة ومفيدة للناس لا تنقطع في ليل أو نهار أو بحجة الأعياد ليبنوا علي أرضها حضارتهم التي هي جنتهم الأولي: (أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء 105)، (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا) (الأحزاب 27)، ويرث المؤمنون منهم في مقابل ما عملوا وبنوا جنة الآخرة أجراً من ربهم الكريم: (وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (الأعراف 43)، والسؤال هنا هو: (لكن أغلب الأمريكيين من النصاري الكافرين، فكيف يدخلون الجنة وهم ليسوا من المسلمين)؟، والإجابة بالطبع موجودة في القرآن العظيم: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة 62)، أو كما قال سبحانه: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) (المائدة 69)، أو قوله تعالي: (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) (الأنعام 48)، أو قوله سبحانه في موضع آخر (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ* أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأحقاف 13-14).

        فدخول الجنة سواء في الدنيا أو في الآخرة يكون دائماً مقابل عمل المؤمنين وليس مقابل عباداتهم وكثرة دعائهم وابتهالاتهم، لقد أفهمنا آباؤنا الدين مقلوبا ولم يذكروا لنا عن العمل أو الأعمال شيئاً، بل لم يفرقوا لنا بين الفعل والعمل أصلاً إلي هذا اليوم، ونتيجة ذلك التجهيل الذي كان وراءه بعض شياطين الإنس من الحاسدين الحاقدين تراه اليوم واضحاً وبيناً علي أرض واقعنا الحالي في البلاد الإسلامية والذي لا يسر إلا من كان عدواً لنا وللإسلام الذي تحول أبناؤه إلي شعوب مستهلكة لما تنتجه الشعوب الأخري القاطنة حولنا من جهات ثلاث (شرقا وغربا وشمالاً) دون أن نفكر كيف يمكن أن نتحول إلي شعوب منتجة مثل الآخرين، لنصنع بأيدينا علي الأقل كل احتياجاتنا اليومية من أدوية وملابس وأدوات، ثم نلتفت بعدها لصناعة الآلات والعربات والقطارات والسفن والطائرات ووسائل الاتصال والأسلحة المختلفة للدفاع عن أنفسنا وديارنا.

        أغلبنا اليوم ما زال في مرحلة الرعي والزراعة البدائية، وهذا لا يصنفنا اليوم في سلم الحضارة الفعلية بأكثر من تصنيف الهنود الحمر الذين كانوا في مثل حالنا قبل مئات السنين، ونحن إن بقينا نائمين كما نحن اليوم قي القرن الواحد والعشرين لن يكون مصيرنا أفضل من مصيرهم.

        فلسطين كانت البداية والجولان فقط كانت العضة الأولي من تفاحة سوريا والعراق هي التفاحة الحالية، فماذا ننتظر؟...لا يمكن أن نكون من الصالحين إن لم نصلح أنفسنا أولاً، ولن تصلح نفوسنا إن لم نصلح ديننا بالعودة إلي قرآننا المهجور ليس من أجل التغني به ولا من أجل كتابة الحجب بآياته، بل من أجل أن يكون منهجاً ونوراً الذي نستضئ به لتعلم علوم الدنيا قبل علوم الآخرة، ومن أجل بناء جنتنا الأولي علي أرضنا قبل أن يورثها ربنا لغيرنا نتيجة تواكلنا وكسلنا (وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (الأعراف 42).

        يجب علينا أن نعترف أننا لسنا من المصلحين بدليل تحوله سبحانه عنا فلم يعد ينصرنا علي أعدائنا في كل معاركنا كما بدأ سبحانه أن يبدل نعمته الأولي من الاتحاد والصحة والعلم والقوة والغني إلي نقم التفرق والمرض والجهل والضعف والفقر التي سكنت واستقرت في بلاد المسلمين وأصبحت من الأمراض المستعصية فيها.

        وسنة الله تعالي في خلقه أنهم إذا بدأوا يفسدون في الأرض بعد إعمارها يسحب سبحانه في مقابل ذلك كل نعمه الأولي ويبدلها لهم إلي نقم أولاً، وإذا لم يعودوا إلي صراط ربهم وسبيله المستقيم في الأرض يدمرهم بعدها تدميراً كما حدث فيما نقرأه عن تاريخ الحضارات القديمة (وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ* قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ* وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ* فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ* فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (النمل 84-52).

          فالعمل الصالح مع الإيمان هو السبيل الوحيد لضمان جواز سفر ومرور المؤمن للدخول إلي الجنة

(وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) (النساء 124).

 بينما  إذا دققنا النظر في الآية التالية ماذا نلاحظ؟

 (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ) (السجدة 12).

 نلاحظ في هذه السورة البيانية التي صورها لنا ربنا سبحانه وتعالي عن مجموعة من الناس كانت قد أجرمت في حق نفسها وفي حق الناس وهم يقفون علي أبواب الجنة بعد أن رفض الملائكة المكلفون بتدقيق وثائق المرور قد اكتشفوا أنهم لا يحملون معهم في ميزان أعمالهم الصالحة ما يسمح لهم بدخولها فالتجأوا إلي ربهم وهم ناكسوا الرؤوس خزايا راضين منه السماح بالعودة إلي الحياة الدنيا ليصلحوا ما أفسدوا، وليعملوا فيها أعمالاً صالحة من التي كانت تفيد الناس وتصلح أمورهم، ويفهم القارئ من هذه السورة أن طلبهم هذا قد أتي متأخراً، ولن يفيدهم يومها ندم ولا رجاء.

 الآن دعنا نري آيات أخري لم يذكر فيها سبحانه عبارة: العمل الصالح هل يتغير موقفه سبحانه؟

 (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ) (التوبة 18).

ونلاحظ هنا أن كلمة الجنة قد اختفت لأنها لم تعد مؤكدة لعدم وجود العمل الصالح بينها، وكذلك نستطيع أن تستنتج من كل الآيات التي قبلها أن الأعمال الصالحة التي يقوم بها أفراد أو مجموعات من المؤمنين مقابل أجور قبضوها في الحياة الدنيا عيناً كان أو نقداً عن أعمالهم التي كانت صالحة ومتقنة خدمة للناس في مجتمعهم هي أساس مهمة الإنسان المؤمن في الأرض، كما يعتبرها الله تعالي أهم ما يقوم به المؤمن في حياته من عبادات أو أفعال أخري.

  أو بعبارة أخري العمل الصالح المتقن المفيد للناس هو عماد دين الله في الحياة الدنيا، وهو أيضاً في مقام العبادة الكبري التي كلف بها آدم ونسله من بعده في مهمة الاستخلاف في لأعمار الأرض أصلاً.

  ولعنا قد أدركنا الآن معني العمل والأعمال في القرآن الكريم، كما أدركنا أيضاً أننا كأمة إسلامية قد ضللنا عن موضوع العمل في حياة الشعوب، ولكن كيف يمكننا التمييز بين عمل فرد من الناس ونصفه بأنه صالح وعملاً آخر نقول عنه أنه عمل فاسد؟...

 قد يتسني لنا ذلك بسهولة عندما ندرك أن ميزان الأعمال هو لنتائج الأعمال وثمارها، فالأعمال يمكن أن تكون صالحة إذا كانت مفيدة ومتقنة ولا يتضرر منها أحد من الناس أو من المخلوقات الأخري بشكل مباشر أو غير مباشر، وحصلت كما يحصل اليوم نتيجة التصنيع أو أثناءه مشكلة أضراراً جانبية وغير مباشرة لمخلوقات الأرض عامة نتيجة ما تصنع أيدي الناس من أدوية أو أسمدة زراعية أو نتيجة لاستخدام النفط بكميات هائلة في وسائل النقل أو محركات الطاقة:

(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ). (الروم 41).

وكما يمكن أن تكون فاسدة أيضاً إذا كان فيها ضرر مباشر للناس مثل العمل في مجال الخمور والمخدرات والميسر (القمار) بأنواعه المختلفة، والفحشاء (بيوت الدعارة)، أو كانت في مجال التجارة بالأسلحة حيث يكون كبارهم وراء إشعال نار الفتن والحروب بما يسرقونه من أموال طائلة لخلق المشاكل بين أمم العالم لفتح أسواق جديدة لأحدث ما أنتجته مصانعهم من أسلحة الفتك للأحياء والدمار للعمران أو غيرها من الأعمال السيئة الفاسدة التي يمكن للمؤمن أحياناً أن يقوم بها، إما نتيجة عن جهل أو نتيجة عن طمع في المكسب الحرام الذي يكون أسهل عادة من الأعمال الصالحة عموماً، وعبر عنه سبحانه في القرآن الكريم بقوله الكريم: (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا) (الجاثية 33).


ً

اجمالي القراءات 44901

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (1)
1   تعليق بواسطة   محمد سمير     في   السبت 14 يوليو 2007
[9161]

أمة

أخي العزيز مهيب حفظك الله من كل سوء
اشكرك على ما تفضلت به .وأثناء قراءتي لمقالتك الرائعة حضرت الى ذهني الآيتان 22و23 من سورة الزخرف
والتي يمكن ان نفهم منهما ان كلمة (أمة) تعني ايضا نهج او طريقة.
مع تحياتي الأخوية الحارة لك

أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-08-18
مقالات منشورة : 15
اجمالي القراءات : 680,065
تعليقات له : 154
تعليقات عليه : 203
بلد الميلاد : Afghanistan
بلد الاقامة : Afghanistan