التضخم يرهق متقاعدي مصر... وتحركات لرفع الحد الأدنى للمعاشات

اضيف الخبر في يوم السبت ١٩ - سبتمبر - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: العربى الجديد


التضخم يرهق متقاعدي مصر... وتحركات لرفع الحد الأدنى للمعاشات

تقدم اتحاد أصحاب المعاشات (رواتب التقاعد) في مصر بدعوى قضائية لمطالبة الحكومة برفع الزيادة السنوية المقررة لهم إلى أكثر من 15%، في وقت يتآكل فيه دخلهم مدفوعاً بارتفاع أسعار السلع والخدمات وتراجع القوة الشرائية للجنيه المصري. بالتوازي مع ذلك، تقدم برلمانيون بمقترح تشريعي لتعديل قانون التأمينات المعني رقم 148 لسنة 2019، يهدف إلى جعل 20% حداً أدنى ثابتاً للزيادة السنوية للمعاشات بدلاً من ارتباطها بمعدل التضخم مع سقف لا يتجاوز 15% في النظام الحالي، مع زيادة الحد الأدنى للمعاشات إلى 7 آلاف جنيه شهرياً (الدولار = نحو 52.2 جنيهاً).

الفجوة بين الأجور والمعاشات
وفقاً لعضو مجلس النواب ورئيس حزب العدل عبد المنعم إمام، يأتي التحرك البرلماني بالتوازي مع المطالبة القضائية لأصحاب المعاشات (رواتب التقاعد) برفع سقف الزيادة السنوية، في محاولة لتحويل الأزمة من مجرد المطالبة بتطبيق الزيادة القصوى المقررة حالياً، إلى تعديل القاعدة القانونية نفسها التي فرضت الحكومة قواعدها لجدول ديونها المستحقة لصناديق التأمينات والمعاشات حتى عام 2060. ويستهدف المقترح، وفق تصريحات صحافية لإمام، تحسين الدخل الحقيقي لأصحاب المعاشات وتعزيز الحماية الاجتماعية مع الحفاظ على الاستدامة المالية لأموال التأمينات.
وتكشف دراسة اقتصادية حديثة أعدها الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني حول "الفجوة بين الأجور والمعاشات"، اتساع الفارق بين الحد الأدنى للأجور والحد الأدنى للمعاش، رغم الزيادات المتتالية التي حصل عليها أصحاب المعاشات. ترصد الدراسة ارتفاع الحد الأدنى للمعاش من 300 جنيه عام 2014، أي أقل من 6 دولارات، إلى 1755 جنيهاً في 2026، إلا أن هذا الارتفاع الاسمي لم يمنع تراجع القيمة الحقيقية للمعاش تحت ضغط التضخم وتآكل القدرة الشرائية وزيادات أسعار الغذاء والطاقة والخدمات، إلى جانب انخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار.في المقابل، ارتفع الحد الأدنى للأجور من 1200 جنيه (33 دولاراً) عام 2014 إلى 8 آلاف جنيه (153 دولاراً) في 2026. وأظهرت دراسة الميرغني، التي حصلت "العربي الجديد" على نسخة منها، أن المعاش الأدنى الذي كان يعادل 25% من الحد الأدنى للأجر عام 2014، وصل إلى نحو 22% فقط في 2026 من الحدود الدنيا للأجور حالياً.
وفي حديثه لـ"العربي الجديد"، يؤكد الميرغني أن الفجوة تعني أن صاحب المعاش والعامل يواجهان الأسعار نفسها للكهرباء والمياه والغاز والمواصلات والغذاء والدواء، بينما يحصل صاحب المعاش على حد أدنى للدخل يقل بأكثر من أربعة أمثال الحد الأدنى للأجر. وأوضح أن الفجوة لا تتوقف عند القيمة الاسمية؛ إذ تقارن الدراسة القيمة الدولارية للحد الأدنى للمعاش، مشيراً إلى أنه كان يعادل 42 دولاراً عام 2014، وارتفع إلى 58 دولاراً عام 2020، ثم تراجع إلى نحو 33 دولاراً في 2026، أي ما يقارب دولاراً واحداً يومياً وفق سعر الصرف المستخدم في الدراسة.
وتربط الدراسة مباشرة بين الزيادات السنوية للمعاشات وموجات التضخم التي ضربت الاقتصاد خلال السنوات الأخيرة؛ ففي عام 2022، بلغ التضخم 19% في أكتوبر/ تشرين الأول، و21.5% في نوفمبر/ تشرين الثاني، و24.4% في ديسمبر، بينما بلغت زيادة المعاشات 13%، وقدرت الدراسة أن القيمة الحقيقية للمعاش تراجعت بنحو 11.4% بنهاية العام. وتفاقمت الفجوة خلال 2023 عندما تجاوز التضخم 35%.
وقدرت الدراسة تراجع القوة الشرائية للمعاش خلال 2024 بنحو 10% وفق التضخم العام، ونحو 30% بالنسبة إلى الغذاء والمشروبات، رغم زيادة المعاشات 15%. أما في 2025، فراوح التضخم بين 10.7% و22.6%، وارتفعت المعاشات 15% اعتباراً من يوليو/ تموز 2025، وهي زيادة اعتبرتها الدراسة مناسبة لمعدلات التضخم وأسعار الغذاء في ذلك العام، لكنها لم تمحُ آثار التآكل المتراكم في السنوات السابقة.
ويشير الخبير الاقتصادي إلى تراجع الكميات التي يستطيع المعاش شراءها من السلع الغذائية، فقد انخفضت القدرة الشرائية للمعاش من 66 إلى 49 كيلوغراماً من الأرز، ومن 50 إلى 29 كيلوغراماً من العدس، ومن 60 إلى 32 كيلوغراماً من السكر. وامتد التآكل إلى الخدمات والطاقة؛ إذ ارتفع سعر الحد الأدنى للكيلووات/ ساعة من 14.5 قرشاً إلى 78 قرشاً (الذي يمنح لفئة المستهلكين لأقل من 100 كيلووات شهرياً)، وسعر تذكرة المترو من 1.5 جنيه إلى 10 جنيهات، وسعر ليتر البنزين 80 من 90 قرشاً إلى 20.75 جنيهاً.

ضيق القدرة الشرائية
تنقل الدراسة عن أصحاب معاشات شكاوى تعكس ضيق القدرة الشرائية؛ إذ يجدون أنفسهم أمام اختيارات قاسية بين دفع الإيجار وفواتير الكهرباء والمياه والغاز وتكاليف العلاج والغذاء والمواصلات، بحيث يتحول الإنفاق على بند إلى التخلي عن بند آخر، مثل الاختيار بين الدواء والطعام أو فاتورة الكهرباء واللحوم.
وتضع الدراسة قيمة الحد الأدنى للمعاش في مواجهة خطوط الفقر، فتشير إلى أن خط الفقر يبلغ نحو 1478 جنيهاً للفرد شهرياً، ونحو 5900 جنيه للأسرة المكونة من أربعة أفراد، بينما يبلغ خط الفقر المدقع 1069 جنيهاً للفرد و4276 جنيهاً للأسرة. ويرى الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني أن الحد الأدنى للمعاش البالغ 1755 جنيهاً أصبح يقع في نطاق لا يوفر مستوى معيشة كافياً، خصوصاً عندما يمثل المصدر الرئيسي لدخل الأسرة، مشيراً إلى أن دراسته استخدمت حد الدخل الذي يضعه البنك الدولي البالغ 3.65 دولارات للفرد يومياً، مبيناً أن الحد الأدنى للمعاش، وفق سعر الصرف، لا يمثل سوى نحو 30% من هذا المستوى.في المقابل، يرى أحد نواب رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر وعضو في مجلس النواب، أن ملف المعاشات لا يمكن فصله عن طبيعة العلاقة التأمينية التي نظمها القانون رقم 148 لسنة 2019، مؤكداً أن أموال التأمينات هي أموال أصحاب الاشتراكات، وأن الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي تتمتع بالشخصية الاعتبارية وتتولى إدارة أموال التأمينات.
ويقول المسؤول النقابي، الذي فضل عدم ذكر اسمه، في حديثه لـ"العربي الجديد"، إن تدخل الخزانة العامة للدولة يأتي عندما تقرر الدولة زيادات استثنائية لأصحاب المعاشات، مشيراً إلى أن رئيس الدولة تدخل أكثر من مرة لزيادة المعاشات والبدلات إلى الحدود القصوى التي يسمح بها القانون، وتحملت الخزانة العامة تكلفة هذه الزيادات، بما في ذلك زيادتان بقيمة 300 جنيه خلال العامين الأخيرين. ويرى أن النظام الجديد لرفع أجور الاشتراك التأميني يجب أن ينعكس تدريجياً على قيمة معاشات المحالين إلى التقاعد في السنوات المقبلة، مؤكداً أن من يخرجون إلى المعاش في 2026 وما بعدها سيستفيدون تدريجاً من قواعد الاشتراك الجديدة.
ويرفض المسؤول النقابي في الوقت نفسه الربط التلقائي بين الحد الأدنى للمعاش والحد الأدنى للأجور، موضحاً أن الحد الأدنى للأجر تتحمله جهة العمل، بينما يحتاج تحديد الحد الأدنى للمعاش إلى دراسات إكتوارية تضمن قدرة النظام على الوفاء بالتزاماته واستداماته. ويضع المسؤول التضخم في قلب الأزمة، قائلاً إن "المشكلة ليست في قيمة المعاش، بل في معدل التضخم وارتفاع الأسعار"، داعياً الحكومة إلى معالجة ارتفاع الأسعار بالتوازي مع أي زيادة في المعاشات.
ويعود الجدل حول إدارة أموال التأمينات إلى سنوات سابقة؛ إذ اتهمت وزيرة التأمينات والشؤون الاجتماعية السابقة ميرفت التلاوي وزير المالية الأسبق يوسف بطرس غالي بالمسؤولية عن جانب من أزمة أموال المعاشات. وقالت التلاوي إن غالي حاول إدخال أموال المعاشات ضمن الموازنة العامة والتصرف في فوائضها على نحو أضر بمصالح أصحاب المعاشات، وطلب منها استثمار أموال المعاشات في الخارج عبر بنك أميركي.
وأضافت في حوار متلفز حديث أنها رفضت المقترح بعدما تبين لها أن العائد المقترح يبلغ 8%، وهو العائد نفسه الذي كانت تحصل عليه الأموال من البنوك المحلية. وأكدت التلاوي أن الوقائع المتعلقة بأموال المعاشات ثابتة في الوثائق الرسمية وبنك الاستثمار القومي، وأن إنكارها لا يغير ما حدث، فيما دعمتها الوزيرة التي تولت المنصب بعدها في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، وهي أمينة الجندي، في موقفها.
اجمالي القراءات 20
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق