الروهينغا بعد 9 سنوات.. تهجير مستمر وعودة معلقة وقضية إبادة أمام العدل الدولية
تتجدد في 25 آب/أغسطس من كل عام ذكرى واحدة من أكبر موجات التهجير القسري في آسيا، حين فر نحو 750 ألفا من أبناء الروهينغا من ولاية راخين في ميانمار إلى بنغلادش، هربا من حملة إبادة عسكرية واسعة رافقتها انتهاكات جسيمة مدفوعة بتحريض ديني من رهبان بوذيين، لتتحول المأساة بعد تسع سنوات إلى أزمة ممتدة تتشابك فيها معاناة اللجوء مع غياب أفق العودة الآمنة والمساءلة الدولية.
وبعد مرور تسع سنوات، لا يزال أكثر من مليون و200 ألف لاجئ روهينغي يعيشون في بنغلادش، غالبيتهم في مخيمات منطقة كوكس بازار، فيما تستمر أعمال العنف والنزوح داخل ميانمار نفسها، وتبقى ظروف العودة الطوعية والكريمة والآمنة غير متوافرة، وفقا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
أكبر موجة نزوح
في 25 آب/أغسطس 2017، اندلعت حملة إبادة عسكرية واسعة في ولاية راخين، دفعت مئات الآلاف من الروهينجا إلى عبور الحدود نحو بنغلادش خلال أسابيع قليلة.
وبحسب بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، كان أكثر من 688 ألفا قد وصلوا إلى بنغلادش بحلول مطلع عام 2018، فيما تجاوز عدد الفارين من موجة آب/أغسطس وحدها لاحقا 750 ألفا.
ومع وصول أعداد ضخمة خلال فترة قصيرة، تحولت منطقة كوكس بازار إلى واحدة من أكبر تجمعات اللاجئين في العالم، واستضافت بنغلادش موجات متعاقبة من الروهينغا الذين فروا من ولاية راخين خلال عقود من الاضطهاد.
أكبر أقلية عديمة الجنسية
ينتمي الروهينغا إلى أقلية عرقية مسلمة تتركز تاريخيا في ولاية راخين غربي ميانمار، وقد حرموا من الجنسية بموجب قانون الجنسية الصادر عام 1982، الذي لم يعترف بهم ضمن المجموعات العرقية التي يقرها القانون.
وأصبح الروهينغا، نتيجة لذلك، أكبر تجمع سكاني عديم الجنسية في العالم، في ظل قيود طويلة على حرية التنقل والعمل والتعليم والحصول على الخدمات الأساسية.
وتقول المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن حرمانهم من الجنسية يمثل أحد جذور الأزمة المستمرة.
ولم تقتصر القيود على الجانب القانوني، بل امتدت إلى ظروف الحياة اليومية، بما في ذلك القيود على الحركة والحصول على الرعاية الصحية والتعليم وفرص العمل، ما دفع أعدادا متزايدة منهم إلى البحث عن ملاذ خارج البلاد.
حياة مؤجلة في مخيمات بنغلادش
بعد تسع سنوات من موجة النزوح الكبرى، يعيش نحو 1.2 مليون لاجئ روهينغي في بنغلادش، بينهم أكثر من 1.16 مليون في كوكس بازار ونحو 34 ألفا في جزيرة بهاسان شار، وفقا لأحدث البيانات التي تجمعها الحكومة البنغلادشية والمفوضية حتى حزيران/يونيو 2026.
وفي هذه المخيمات، يواجه اللاجئون نقصا مستمرا في التمويل وتراجع الخدمات الأساسية، بينما تتزايد المخاطر المرتبطة بالفقر والاكتظاظ والعنف والجريمة والاتجار بالبشر.
وفي أيار/مايو 2026، أطلقت الأمم المتحدة وشركاؤها خطة إنسانية محدثة بقيمة 710.5 ملايين دولار لتوفير الحد الأدنى من الاحتياجات المنقذة للحياة للاجئين والمجتمعات المضيفة، فيما أشارت المفوضية إلى أن الخطة كانت ممولة بنسبة 60 بالمئة فقط في منتصف العام.
أجيال ولدت في المنفى
ولا تقتصر أزمة الروهينغا على من عاشوا أحداث 2017، إذ نشأ جيل كامل من الأطفال داخل مخيمات اللجوء من دون أن يعرف وطنه الأصلي، في ظل فرص محدودة للتعليم والحركة والعمل.
ومع استمرار الإقامة في المخيمات، باتت عودة اللاجئين أكثر تعقيدا، خصوصا أن معظمهم يرفضون العودة إلى راخين من دون ضمانات تتعلق بالأمن والحقوق المدنية والجنسية والقدرة على العيش بكرامة.
وتحذر الأمم المتحدة من أن الظروف الحالية في ميانمار لا تسمح بعد بعودة طوعية وآمنة وكريمة ومستدامة، مع استمرار القتال وانعدام الاستقرار في ولاية راخين.
لماذا تأخرت العودة؟
تقول سلطات ميانمار، وفقا لرويترز، إنها تحققت من نحو 308 آلاف و797 شخصا من بين قوائم تضم أكثر من 828 ألف اسم قدمتها بنغلادش، لكنها تؤكد أن عملية الإعادة لن تبدأ قبل تحسن الوضع الأمني في ولاية راخين.
كما أن الخلاف لا يتعلق بالأمن فقط، إذ يطالب الروهينغا بضمان حقوقهم الأساسية، وعلى رأسها الاعتراف القانوني بهويتهم ومواطنتهم، وعدم إعادتهم إلى مناطق تفتقر إلى الحماية والحقوق.
وسبق أن طرحت ميانمار وبنغلادش ترتيبات لإعادة اللاجئين في 2018 و2019، لكن تلك الخطط لم تؤد إلى عودة جماعية، بسبب مخاوف اللاجئين من استمرار الاضطهاد وانعدام الظروف الآمنة.
لم تتوقف معاناة الروهينغا عند حدود مخيمات بنغلادش، إذ دفع تجدد القتال في راخين مزيدا منهم إلى الفرار، بينما لجأ آخرون إلى البحر في رحلات محفوفة بالمخاطر نحو ماليزيا وإندونيسيا ودول أخرى في المنطقة.
وتقول المفوضية إن تصاعد التحركات البحرية غير النظامية يعرض اللاجئين وطالبي اللجوء لمخاطر شديدة، في ظل تفاقم العنف وانكماش المساحات الآمنة في المنطقة.
وهكذا تحولت رحلة الهروب من ميانمار إلى مسار متكرر من النزوح، من قرى راخين إلى مخيمات بنغلادش، ثم أحيانا إلى البحر بحثا عن مكان آخر يوفر الحد الأدنى من الأمن.
بين ميانمار وبنغلادش
تصر ميانمار على أن إعادة الروهينغا مسألة ثنائية بينها وبين بنغلادش، بينما تربط عودتهم بتحسن الوضع الأمني في راخين.
لكن المجتمع الدولي يرى أن العودة لا يمكن أن تكون مجرد عملية نقل للأشخاص عبر الحدود، بل يجب أن تكون طوعية وآمنة وكريمة ومستدامة، وأن تعالج جذور الأزمة المتمثلة في التمييز والحرمان من الحقوق والعنف.
وفي هذا السياق، تواصل الأمم المتحدة الضغط من أجل إيجاد حل سياسي طويل الأمد، مع التشديد على ضرورة معالجة الأسباب التي أدت إلى النزوح، وليس الاكتفاء بإدارة تداعياته الإنسانية.
وامتدت جهود إعادة الروهينغا إلى دول أخرى في المنطقة، إذ أعلنت ميانمار استعدادها لاستعادة نحو 5 آلاف لاجئ روهينغي من ماليزيا، لكن كوالالمبور أكدت أن أي عملية إعادة لن تمضي قدما إذا كانت حياة العائدين معرضة للخطر.
ويعكس ذلك المعضلة الأساسية في ملف العودة: فحتى عندما تتوافر موافقات مبدئية، فإن غياب الأمن والحقوق والضمانات القانونية يظل عقبة رئيسية أمام تنفيذها.
معركة قانونية أمام محكمة العدل الدولية
وبالتوازي مع أزمة اللجوء، تتواصل المعركة القانونية الدولية بشأن ما تعرض له الروهينغا.
فقد رفعت غامبيا في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2019 دعوى أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي تتهم فيها ميانمار بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، مستندة إلى أعمال قالت إنها ارتكبت بحق الروهينغا وتشمل القتل وإلحاق الأذى الجسدي والنفسي والتهجير القسري وفرض ظروف معيشية يمكن أن تؤدي إلى تدمير الجماعة.
وسبق للمحكمة أن أصدرت تدابير مؤقتة أمرت بموجبها ميانمار باتخاذ جميع الإجراءات التي في وسعها لمنع أفعال الإبادة الجماعية ضد الروهينغا، وحماية الأدلة المتعلقة بالقضية.
وتحولت القضية إلى أحد أبرز المسارات القانونية الدولية المتعلقة بأزمة الروهينغا، فيما يبقى الوصول إلى حكم نهائي ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات من الملفات التي تحظى باهتمام واسع.
لم تعد ذكرى 25 آب/أغسطس مجرد مناسبة لاستعادة أحداث عام 2017، بل أصبحت محطة سنوية لتذكير العالم بأن واحدة من أكبر عمليات النزوح الجماعي في آسيا لا تزال بلا حل.
فبعد تسع سنوات، ما زال أكثر من مليون روهينغي يعيشون خارج وطنهم، بينما تستمر أعمال العنف في راخين وتتعقد فرص العودة، وتواجه الاستجابة الإنسانية نقصا متزايدا في التمويل.
اجمالي القراءات
64