خيارات مصر الصعبة في مواجهة السد الإثيوبي على النيل

اضيف الخبر في يوم الثلاثاء ٢٥ - أغسطس - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: العربى الجديد


خيارات مصر الصعبة في مواجهة السد الإثيوبي على النيل

منذ الإعلان، في سبتمبر/أيلول 2025، عن بدء تشغيل سد النهضة الإثيوبي الكبير على النيل الأزرق، لا يوجد أي اتفاق ملزِم بين مصر وإثيوبيا والسودان ينظّم ملء السد وتشغيله. ويطرح هذا المأزق سؤالين بسيطين قلّما يُتناولان معاً: لماذا لم تتحرّك مصر لمنع المشروع؟ وهل يشكّل بالفعل تهديداً حقيقياً للزراعة المصرية؟ شرعت أديس أبابا عام 2011 في بناء سد النهضة الإثيوبي الكبير، فأثار المشروع منذ البداية معارضة مصر التي تخشى المساس بحصص مياه النيل المتاحة لها. وبعد استكمال المرحلة الرابعة من ملء الخزان افتُتح السد في سبتمبر 2025. ورغم كل جهودها، لم تنجح القاهرة في وقف المشروع، ولا تزال معزولةً على الصعيد الإقليمي. السودان، الذي يشاطر مصر مخاوفها الفنّية بشأن تنسيق عمليات تصريف المياه، مشلول بفعل حربه الأهلية، ولن يتمكّن من العودة شريكاً فاعلاً ما لم يستقر وضعه السياسي. أما الاتحاد الأفريقي، فلم تُفضِ وساطته، بعد عشر سنوات، إلى إرساء أي آلية ملزمة. كذلك أعربت جامعة الدول العربية باستمرار عن دعمها القاهرة، لكن هذا الدعم ظل خطابياً محضاً، من دون قدرة فعلية على الضغط على إثيوبيا.

لا تزال مصر تحظى بدعم دولي وازن، ولا سيما في واشنطن، التي تظلّ سنداً مهماً لها في هذا الملف

ومع ذلك، سيكون من غير الدقيق الحديث عن عزلة كاملة. لا تزال مصر تحظى بدعم دولي وازن، ولا سيما في واشنطن، التي تظل سنداً مهماً لها في هذا الملف، حتى في غياب تدخل أميركي مباشر وحاسم. وتؤكد مصر أن موقفها يستند، من الناحية القانونية، إلى مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالاستخدام المنصف والمعقول للمياه العابرة للحدود، ومنع التسبب في ضرر ذي شأن، والتعاون بين دول حوض النهر، فضلاً عن إعلان مبادئ سد النهضة الذي وقّعته مصر وإثيوبيا والسودان عام 2015. غير أن نطاق هذه المبادئ ومدى انطباقها على النزاع لا يزالان موضع خلاف، ولا سيما في ما يتعلق بالاتفاقات الثنائية السابقة التي لم تكن إثيوبيا طرفاً فيها. لكن هذه العزلة النسبية لا تعود إلى ضعف الملف القانوني المصري بقدر ما تعود إلى غياب بنية مؤسسية إقليمية قادرة على تحويل الحجة القانونية إلى ضغط فعلي. في أكتوبر/تشرين الأول 2024، مثلاً، أدخلت ست دول من حوض النيل اتفاقاً إطارياً للتعاون في الحوض حيّز التنفيذ، من دون أن تنضم إليه مصر والسودان، بما يعكس استمرار الانقسامات بشأن الإطار المؤسسي المنظّم لحوض النيل.
حدود الخيار العسكري
غالباً ما فُسّر ضبط النفس المصري إزاء سد النهضة باعتباره إقراراً بالضعف العسكري. غير أن المسألة لا تتعلق بعجز في القدرات؛ فمصر تمتلك قوة جوية وقدرات عسكرية إقليمية معتبرة، وإنما تتعلق بإحجامها عن استخدامها، لأسباب عملية وأخرى أعمق، سياسية ونفسية وتاريخية في آن واحد. على المستوى العملي، يقع سد النهضة على بُعد نحو 1400 كيلومتر جنوب مصر، ما يجعل أي هجوم جوي عليه يتطلّب ترتيبات معقّدةً للتزود بالوقود. ومن شأن تنفيذ عملية انطلاقاً من قواعد سودانية أن يحل مشكلة المسافة، لكنه سيعرّض معدات عسكرية متطورة لمخاطر عدم الاستقرار السياسي في السودان، فضلاً عن احتمال جرّ هذا البلد إلى مواجهة كبرى مع إثيوبيا. وعلى المستوى الفني، فمن الصعب للغاية تدمير سد مشيد من الخرسانة المرصوصة بضربات جوية تقليدية؛ إذ لا يمكن استهداف سوى التوربينات أو محطات الكهرباء أو مفيضات السيول، من دون تدمير السد نفسه. كما أن انهيار خزان ممتلئ قد يؤدي إلى موجة مدمرة على امتداد النيل الأزرق، تصيب مناطق مأهولة في إثيوبيا ثم السودان قبل أن تصل إلى مصر. وبالتالي فإن ضربة مصرية للسد قد تلحق أكبر أضرارها بالسودان، وهو الحليف الذي تسعى مصر إلى الحفاظ عليه.

لا مصلحة للقاهرة ولا لأديس أبابا في دفع الطرف الآخر إلى حدّ لا يترك له أي مخرج

وإلى جانب هذه القيود العملية، هناك سبب سياسي ونفسي نادراً ما يحظى بالاهتمام الكافي: الحساسية الشديدة التي يثيرها أي تدخل عسكري مصري، باعتباره تدخلاً عربياً وشمال أفريقي، ضد دولة من دول أفريقيا جنوب الصحراء. فالهجوم على إثيوبيا يمكن أن يعيد فوراً إلى الواجهة قراءات ما بعد استعمارية وخطابات أفريقية وحدوية مناوئة للقاهرة، وأن يقوّض عقوداً من الجهود التي بذلتها مصر لتقديم نفسها شريكاً للقارة، لا قوة مهيمنة آتية من الشمال. وهذه الكلفة المعنوية، على صعوبة قياسها، لا تقل وزناً في الحسابات المصرية عن القيود الفنية.

أقدم حضارتين
بعيداً عن موازين القوة، ثمة تقارب تاريخي ورمزي بين الشعبين المصري والإثيوبي قلّما يجري التذكير به. فمصر الفرعونية وإثيوبيا، وريثة مملكة أكسوم، تعدّان من أقدم وأعرق حضارات القارة الأفريقية. وهذا القِدم والاستمرار التاريخيان يغذّيان لدى الطرفين نوعاً من الإعجاب المتبادل قلّما نالت منه توترات الحاضر. في عام 615، منح أَرْمَة، النجاشي المسيحي لمملكة أكسوم، ملاذاً للمسلمين الأوائل الذين فرّوا من الاضطهاد في مكة، في واقعة تأسيسية حفظتها المصادر الإسلامية الكلاسيكية. وفي عام 1896، ظلّ انتصار إثيوبيا على إيطاليا الاستعمارية في معركة عدوة، في الذاكرة الأفريقية والعربية، أحد الأمثلة النادرة على هزيمة قوة أفريقية لجيش أوروبي. وهو مصدر اعتزاز لا يقتصر على إثيوبيا، بل يشترك فيه الأفارقة جميعاً، بمن فيهم المصريون.وعلى الصعيد الديني، ظلّت الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية لأكثر من خمسة عشر قرناً تحت سلطة بطريرك الأقباط في الإسكندرية، قبل أن تستقل كنسياً عام 1959. كما تضم إثيوبيا اليوم واحداً من أكبر التجمعات المسلمة في أفريقيا، إذ يقارب عدد المسلمين نصف سكانها، ويتركزون خصوصاً شرقي البلاد، حول مدينة هرر، في أثر مباشر لذلك الحضور الإسلامي العريق على الأراضي الإثيوبية. وامتدت هذه الصلات إلى الدبلوماسية الأفريقية. في عام 1963، حين كانت القاهرة من بين المدن المرشحة لاستضافة مقر منظمة الوحدة الأفريقية، اختار ناصر دعم أديس أبابا بدلاً من الإصرار على ترشيح القاهرة. وأسهم هذا الموقف، إلى جانب الحياد الرمزي للإمبراطور هيلا سيلاسي الأول ومكانة إثيوبيا بوصفها من الدول الأفريقية النادرة التي لم تخضع للاستعمار، في جعل أديس أبابا مقرّاً للوحدة القارية، وهو الدور الذي لا تزال تضطلع به إلى اليوم. ويُضاف إلى ذلك ضبط نفس مماثل لدى الطرفين: فلا مصلحة للقاهرة ولا لأديس أبابا في دفع الطرف الآخر إلى حدّ لا يترك له أي مخرج. إنه حساب عقلاني مشترك، لا دليل على ضعف أحادي الجانب.

عوائق داخلية
يُضاف إلى ذلك مأزق سياسي داخلي يواجهه الطرفان. بالنسبة إلى رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، سيُعدّ توقيع اتفاق ملزم تنازلاً عن السيادة الوطنية، يصعب تبريره داخلياً بعد عقد من التعبئة حول السد بوصفه رمزاً للاستقلال. أما بالنسبة إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، فإن أي موقف يتراجع فيه عن المطالب المصرية التاريخية سيُأوّل باعتباره تنازلاً وتخلّياً عنها. ولهذا، لا يستطيع أيّ من الرجلين تحمّل هزيمة سياسية واضحة. لذلك، يبقى السيناريو الأرجح استمرار صراع يُدار على المدى الطويل، من دون اتفاق رسمي، ولكن أيضاً من دون اندفاع متعمّد نحو القطيعة.
من الصعب للغاية تدمير سد مشيّد من الخرسانة المرصوصة بضربات جوية تقليدية

وثمة، نظرياً، سيناريو عسكري أكثر اتساقاً مع جغرافية المشكلة من توجيه ضربة جوية، ويتمثل في عملية برية تنطلق من السودان. ويفترض هذا السيناريو وجود نظام سوداني متوافق تماماً مع مصر ومتعاون معها، بالتنسيق مع قوات متمرّدة تتقدّم نحو أديس أبابا، بهدف إسقاط النظام الإثيوبي نفسه، على غرار محاولات تغيير الأنظمة التي نفّذتها دول غربية في إيران، على أمل أن تكون النتيجة هذه المرة أكثر حسماً. ويظل هذا السيناريو بعيد الاحتمال إلى حدّ كبير في الظروف الراهنة. لكنه يستحق الذكر، ولو لمجرد قياس مدى واقعية ضبط النفس الذي أبدته مصر حتى الآن.

تهديد حقيقي للزراعة، لكنه مؤجّل
في ما يتعلق بالتهديد الذي يمثله السد للزراعة المصرية، فإن الأرقام التي تقدمها السلطات المصرية تستحق أن تؤخذ على محمل الجد. انخفض نصيب الفرد من المياه المتاحة في مصر إلى نحو 500 متر مكعب سنوياً، أي إلى نصف عتبة الفقر المائي المعترف بها دولياً. أما حصة مصر التاريخية، التي حدّدها الاتفاق المصري ــ السوداني لعام 1959 بـ55.5 مليار متر مكعب سنوياً، فتظل أدنى بكثير من احتياجاتها الفعلية، المقدّرة بما بين 110 و120 مليار متر مكعب. وفي مواجهة هذا الضغط، استثمرت مصر بكثافة في حلول داخلية، من بينها إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، كما في محطة معالجة بحر البقر، والتوسع في المساحات الزراعية في إطار مشروع الدلتا الجديدة، وتحلية مياه البحر، والتعميم التدريجي للري بالتنقيط من أجل الحد من التبخر والهدر.

وتتيح هذه التدابير إمكانات حقيقية للصمود، لكن مفعولها يظل محدوداً زمنياً. بحيرة ناصر، التي يحجز مياهها السد العالي في أسوان، تضم مخزوناً قابلاً للاستخدام يُقدّر بنحو 90 مليار متر مكعب، يمكنه امتصاص صدمة كبرى مدة تراوح تقريباً بين ثمانية عشر شهراً وثلاث سنوات. وبعد ذلك، ستصبح العواقب وخيمة: توقف السد العالي عن إنتاج الطاقة الكهرومائية، وتسرّب المياه المالحة إلى طبقات المياه الجوفية في الدلتا، وانهيار تدريجي للزراعة في صعيد مصر والدلتا. كما أن إعادة الاستخدام المكثف لمياه الصرف الزراعي المحتوية على أملاح مذابة قد يؤدي، مع الوقت، إلى تراكم الأملاح في التربة إذا لم يكن غسلها وتصريفها كافيين، ما يزيد من ملوحتها ويخفض المردودية الزراعية. ولذلك، فإن تكيّف مصر يمثّل رهاناً على عامل الوقت واستراتيجية لامتصاص الصدمة، أكثر مما يمثّل حلاً دائماً للعجز المائي الهيكلي.
التمويل في خدمة الدبلوماسية؟
لا يمثّل التمويل والدبلوماسية بالنسبة إلى القاهرة مسارين متنافسين، بل وسيلتين متكاملتين لتحقيق هدف واحد: حمل إثيوبيا على قبول إطار ملزم ينظّم تشغيل سد النهضة وإقامة سدود مستقبلية على النيل الأزرق. وإذا كانت الدبلوماسية التقليدية، من دعوات إلى الوساطة وقرارات وبيانات، لم تُفضِ إلى أي نتيجة خلال عقد كامل، فإن الضغط المالي يوفّر أداة أكثر واقعية لتحقيق الهدف نفسه. فقد موّلت إثيوبيا سد النهضة ذاتياً بصورة أساسية، من خلال إصدارات السندات ومساهمات المغتربين والموارد الضريبية الداخلية، وذلك تحديداً لتجنّب الشروط ودراسات الأثر العابر للحدود التي كان سيفرضها التمويل من مؤسسات مثل البنك الدولي أو بنك التنمية الأفريقي. كما أعلنت إثيوبيا عن إقامة ثلاثة سدود إضافية على النيل الأزرق؛ كارادوبي ومابيل وماندايا، وهو جانب لم يحظَ بتغطية إعلامية كافية، إذ ظل اهتمام وسائل الإعلام منصبّاً أساساً على سد النهضة.

يمثّل ملف سد النهضة، في نهاية المطاف حالة استثنائية: نزاعاً لا مصلحة لأيّ من طرفيه في حسمه بالقوة

ويمكن تصوّر مسارين مختلفين للضغط. يستهدف الأول المموّلين الإقليميين المنخرطين مباشرة في تمويل البنية التحتية الإثيوبية، وفي مقدمتهم الإمارات العربية المتحدة، لإقناعهم بتجميد دعمهم السدود الجديدة. أما الثاني فيتعلق بالمؤسسات المالية الدولية، كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، من خلال ضغوط تمارسها الولايات المتحدة، بالنظر إلى النفوذ الكبير الذي تتمتع به إدارة ترامب داخل هذه المؤسسات. والرسالة الضمنية الموجّهة إلى أديس أبابا واضحة: لا يمكن للقاهرة أن تقبل بالسدود الثلاثة الجديدة باعتبارها مجرد امتداد لسد النهضة، ما لم تُخضع هذه المرة منظومة النيل الأزرق المائية برمّتها لاتفاق ملزم. وإذا تمكّنت إثيوبيا، رغم ذلك، من تمويل هذه المنشآت وبنائها بمواردها الذاتية، أو بدعم مموّلين غير غربيين أقل تشدداً في شروطهم، وفي مقدمتهم الصين، فستفرض أمراً واقعاً جديداً. وحينها ستتقلّص بشدة الوسائل غير العسكرية المتاحة للقاهرة للحفاظ على مصالحها، وسيغدو استبعاد خيارات الإكراه، المباشرة منها وغير المباشرة، أكثر صعوبة.

إدارة الصراع
يمثّل ملف سد النهضة، في نهاية المطاف، حالة استثنائية: نزاعاً لا مصلحة لأيّ من طرفيه في حسمه بالقوة، في حين تجعل القيود السياسية الداخلية أي تسوية صريحة مكلفة للقيادتين، ويحرم غياب إطار مؤسسي إقليمي فعّال مصر من أداة جماعية مؤثرة للضغط. ويظل السيناريو الأرجح في السنوات المقبلة لا حلّ النزاع من خلال اتفاق ملزم، ولا الانزلاق الفوري إلى تصعيد عسكري، بل استمرار صراع مُدار من دون اتفاق ملزم، مع بقاء خطر التصعيد العسكري قائماً. وسيعمل كل طرف على الحد من المخاطر التي يواجهها، من دون التخلي علناً عن موقفه المبدئي. غير أن مصير السدود الثلاثة المعلنة قد يغيّر المعادلة؛ فإذا عزّزت هذه السدود سيطرة إثيوبيا على النيل الأزرق وضيّقت تدريجياً هامش الحركة أمام مصر، فقد يصبح من الصعب إبقاء النزاع في حدود صراع مُدار. وعندها سيتبيّن ما إذا كان الضغط المالي كافياً لتحقيق ما عجزت الدبلوماسية عن انتزاعه، أم أن تضاؤل البدائل سيدفع نحو منطق آخر.

* مساعد وزير الخارجية الأسبق وسفير سابق
اجمالي القراءات 22
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق