فجوة بين أرقام وزارة الصحة ومعاناة المرضى.. مستشفيات متهالكة وديون بالملايين ونقص أدوية السرطان
تتوالى الشهادات والوثائق الرسمية التي تكشف عن فجوة واسعة بين الخطاب الحكومي عن إنجازات القطاع الصحي، وما يعيشه المرضى فعليًا داخل المستشفيات العامة. فبين شكوى مواطن من “طرده” من سرير الطوارئ، وتقرير هندسي يوصي بهدم أحد أكبر مستشفيات الصعيد، وديون متراكمة تتجاوز 47 مليون جنيه على مديرية صحية واحدة، وأزمة نقص أدوية أورام تدفع المرضى إلى السوق السوداء، تتجمع خيوط أزمة واحدة تطرح تساؤلات جادة حول واقع الخدمة الطبية بعيدًا عن البيانات الرسمية.
واقعة الطوارئ.. سحب عينة دم قبل الموافقة وتحصيل مبالغ دون علاج
انتشر مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يوثق شكوى مواطن دخل قسم الطوارئ بأحد المستشفيات بسبب ألم حاد بالمعدة. وبحسب الشكوى، تم سحب عينة دم منه قبل الحصول على موافقته على إجراء التحاليل، ثم طُلب منه سداد نحو 5 آلاف جنيه مقابل تحاليل وأشعة. ولدى رفضه إجراءها، اضطر إلى مغادرة سرير الطوارئ بناءً على طلب فريق العمل، بحجة الحاجة إلى السرير لمريض آخر. ورغم ذلك، تم تحصيل 850 جنيهًا مقابل الكشف الطبي، و200 جنيه أخرى مقابل مستلزمات طبية اقتصرت على سرنجة سحب العينة، دون صرف أي علاج. وأوضح المريض أنه توجه بعدها إلى مستشفى آخر، حيث شُخصت حالته بأنها نزلة معوية بسيطة، ولم يُطلب منه إجراء الفحوصات ذاتها، بعدما كان قد دفع بالفعل أكثر من ألف جنيه دون أن يحصل على أي علاج فعلي.
أزمة مستشفى قنا.. إقالة المدير وتقرير يوصي بالهدم
شهدت محافظة قنا أزمة موازية، إذ أقال محافظ قنا اللواء الدكتور مصطفى الببلاوي مدير مستشفى قنا العام الدكتور محمد الديب، عقب جولة تفقدية مفاجئة رصدت أوجه قصور داخل المستشفى، من بينها اضطرار بعض المرضى لشراء مستلزمات طبية من خارج المنشأة. وردًا على قرار إقالته، أوضح الديب أن نقص توريد الأدوية والمستلزمات عبر منظومة الشراء الموحد هو السبب الرئيسي وراء اضطرار المرضى للشراء الخارجي، تجنبًا لتأخير العمليات الجراحية، مؤكدًا أن التقصير القائم “مجبر عليه وليس مخيرًا فيه”، في ظل تحديات تشغيلية خارجة عن إرادته.
وتفاعلت نقابة الأطباء مع الواقعة بتضامن واسع، إذ تقدمت النقابة العامة لأطباء مصر بشكوى رسمية إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة ووزيرة التنمية المحلية، معترضة على ما وصفته بـ”التعنيف العلني” والتصوير داخل المنشأة الطبية. وأكد بيان النقابة أن تحميل الإداريين مسؤولية أزمات المنظومة الصحية المتراكمة هو اختزال غير منصف لا يعالج جذور المشكلة، مشددة على أن هذا الأسلوب لن يوفر المستلزمات الناقصة ولن يملأ المخازن بالأدوية ولن يضيف أسرّة جديدة. وطالبت النقابة بأن تتم أي محاسبة عبر الإجراءات القانونية الرسمية وتقييم مؤشرات الأداء، بعيدًا عن الاستعراض الإعلامي، داعية إلى معالجة الأسباب الجذرية عبر زيادة ميزانية الصحة وسد العجز في الأطباء والتمريض.
وفي تطور لافت يكشف حجم الأزمة الهيكلية للمبنى نفسه، تضمن خطاب رسمي صادر عن الإدارة المركزية للشؤون الهندسية والتجهيزات، موجه من القائم بأعمال الإدارة المركزية م/علي عبد الساتر إلى مدير الإدارة العامة للمراجعة الداخلية والحوكمة الدكتور أحمد عمر إمام بتاريخ 12 مايو 2026، أن المكتب الاستشاري “شركة مركز الدراسات التخطيطية والمعمارية” أجرى معاينة فنية لمبنى مستشفى قنا العام، وخلص في تقريره المؤرخ 22 أبريل 2026 إلى عدم جدوى أعمال التطوير، نظرًا لقدم المبنى وتردي حالته الإنشائية، مع وجود شروخ عديدة بالعناصر الخرسانية وتآكل في حديد التسليح، إلى جانب تقارب تكلفة الترميم من تكلفة الإنشاء من الصفر. وأوصى التقرير الفني بهدم المبنى القائم وإعادة إنشاء مبانٍ جديدة للمستشفى بالكامل.
ديون بالملايين على مستشفيات سوهاج
في سياق متصل، كشف تقرير رقابي صادر عن الجهاز المركزي للمحاسبات عن تراكم مديونيات ضخمة على مديرية الصحة بمحافظة سوهاج ومنشآتها التابعة، بلغت قيمتها الإجمالية 47,929,212.16 جنيه، نظير مستحقات متأخرة عن استهلاك المياه والكهرباء والتليفونات، وفواتير الأغذية للعاملين والمرضى، وأعمال الأمن والحراسة والنظافة. وتصدر مستشفى سوهاج العام قائمة الجهات المدينة بمبلغ 21,686,347.68 جنيه، تلته مديرية الصحة بمبلغ 3,780,354 جنيه، ثم الوحدة المحلية لحي الكوثر بمبلغ 3,655,270.09 جنيه. كما شملت القائمة الإدارات الصحية بالبلينا (2,135,688.54 جنيه)، ودار السلام (1,823,501.76 جنيه)، وساقلته (1,473,008.88 جنيه)، ومستشفى طهطا العام (1,417,455 جنيه)، وجهينة (1,240,893.16 جنيه)، وطما (1,060,846.42 جنيه)، والمنشأة (1,025,994.45 جنيه)، وسوهاج (676,476 جنيه)، وأخميم (552,652 جنيه)، وطهطا (497,228 جنيه)، إضافة إلى مديرية الزراعة (345,478.18 جنيه)، والإدارة الصحية بالمراغة (133,144 جنيه)، ومديرية الطب البيطري بمبلغ 25,257 جنيه، وهو الأقل قيمة في البيان.
مرضى السرطان بين الأرقام الرسمية ومعاناة السوق السوداء
على صعيد آخر، أعلن وزير الصحة والسكان الدكتور خالد عبد الغفار عن انخفاض وفيات مرضى السرطان بنسبة 23.5%، وتراجع الإصابات بنسبة 17.2% بين عامي 2022 و2024، واصفًا هذه النسب بأنها نقلة نوعية غير مسبوقة. وأشارت البيانات الرسمية إلى تراجع أعداد الإصابات من 150.6 ألف حالة إلى 137.4 ألف حالة، وانخفاض الوفيات من 95.3 ألف حالة إلى 80.5 ألف حالة.
غير أن هذه الأرقام تصطدم بواقع مختلف يعيشه مرضى الأورام يوميًا. فتكلفة “المسح الذري” (أشعة بت سكان) تتراوح في بعض المعامل الخاصة بين 9500 و13 ألف جنيه، في وقت تشهد فيه إجراءات التأمين الصحي بطئًا يجعل المرضى ينتظرون طويلًا للحصول على الأشعة أو الأدوية الأقل تكلفة، بينما يظل المسح الذري خارج التغطية غالبًا. أما أزمة نقص الدواء، فتدفع كثيرين إلى السوق السوداء، حيث كشف رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية علي عوف أن علبة دواء لمريض أورام سعرها الرسمي 30 ألف جنيه تُباع بالسوق السوداء بـ50 ألف جنيه. كما اضطر بعض المرضى للاستيراد من الخارج بأسعار فلكية، إذ صرح أحد المرضى بأنه كان يشتري عبوة دواء شهريًا من الولايات المتحدة بتكلفة نحو 2800 دولار، ما يعادل وقتها 138 ألف جنيه مصري شهريًا، وهو عبء مالي يفوق طاقة الغالبية العظمى من الأسر المصرية.
تكشف هذه الوقائع مجتمعة – من قسم طوارئ يحصّل رسومًا دون علاج، إلى مبنى مستشفى يوصى بهدمه لتهالكه، ومديونيات تتجاوز 47 مليون جنيه، وصولًا إلى مرضى سرطان يلجأون للسوق السوداء – عن أزمة بنيوية تتجاوز الحوادث الفردية، وتطرح تساؤلات ملحة حول مدى انعكاس الأرقام الرسمية المعلنة على الواقع الفعلي داخل المنشآت الصحية.
اجمالي القراءات
16