ثروة “المرشد”.. كيف كان يعيش خامنئي في ترف الـ 200 مليار دولار بينما يفتك الجوع بالإيرانيين؟

اضيف الخبر في يوم السبت ٠٧ - مارس - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: وطن


ثروة “المرشد”.. كيف كان يعيش خامنئي في ترف الـ 200 مليار دولار بينما يفتك الجوع بالإيرانيين؟

وطن-مع إعلان وفاة المرشد الإيراني علي خامنئي، لم يكن الحدث مجرد محطة سياسية في تاريخ الجمهورية الإسلامية، بل فتح باباً واسعاً أمام أسئلة تتعلق بمستقبل ثروة توصف بأنها من بين الأضخم على مستوى العالم. فخلف الصورة الزاهدة التي روّجها الراحل عن نفسه، تكشف الوقائع عن شبكة مالية متشعبة استندت إلى أجهزة الدولة وأمتدت استثماراتها خارج الحدود الإيرانية، لتطال أوروبا وأميركا اللاتينية.

وهم الزهد وحقيقة الثروة
على مدى عقود، حرص خامنئي على الظهور بمظهر رجل الدين المتقشف الذي يعيش في منزل متواضع لا تتجاوز مساحته ستين متراً مربعاً. لكن تقارير استقصائية عدة، أزاحت الغطاء عن إمبراطورية مالية ضخمة بُنيت باسمه وباسم مؤسسات تابعة له، تمتلك عقارات فاخرة في دول مثل إسبانيا والمملكة المتحدة، فضلاً عن حسابات مصرفية في ملاذات ضريبية.

وقدّر تقرير لصحيفة إسرائيلية ثروة خامنئي بما يتراوح بين 100 و200 مليار دولار، وهو رقم يضعه ضمن قائمة العشرة الأوائل عالمياً بحسب معايير مجلة “فوربس”، إلى جانب أسماء مثل وارن بافيت وأمانسيو أورتيغا. للمقارنة، فإن هذا المبلغ يساوي ضعفي صادرات إيران النفطية لعام 2025، ويقترب من نصف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد البالغ 434 مليار دولار.

ثراء القمة وفقر القاعدة
هذا التفاوت الصارخ بين ثروة القائد الراحل والوضع المعيشي لغالبية الإيرانيين يعكس التناقض البنيوي في الاقتصاد المحلي. فبلد يتجاوز عدد سكانه 90 مليون نسمة يحتل المرتبة 177 عالمياً في متوسط الدخل الفردي، فيما تتجاوز معدلات التضخم 40 في المئة سنوياً، وتغيب السلع الأساسية من الأسواق. أكثر من ثلث السكان يعيشون تحت خط الفقر، بينما تبلغ بطالة الشباب نحو 20 في المئة، ويغادر عشرات الآلاف منهم إلى الخارج بحثاً عن فرصة.

ورغم امتلاك إيران احتياطيات ضخمة من النفط والغاز، تعاني البلاد انقطاعاً متكرراً في الكهرباء ونقصاً في المياه، ما يعمّق الأزمة المعيشية التي تفاقمت خلال العقدين الماضيين.

شبكة الاستثمارات العابرة للقارات
بينما يرزح الاقتصاد المحلي تحت ضغط العقوبات والفساد، كانت العائلة الحاكمة تدير شبكات مالية اتجهت في جزء كبير منها إلى إسبانيا، التي تحولت بحسب تحقيقات إعلامية إلى ملاذٍ مفضّل لتبييض الأموال. هناك اشترت شركات مرتبطة بخامنئي منتجعات سياحية فاخرة وحقول غولف في جزر مايوركا ومناطق متوسطية أخرى، مستفيدة من بنية السوق الإسبانية لاستيعاب رؤوس الأموال الأجنبية بعيداً عن رقابة دولية مباشرة.

وفي المقابل، كانت فنزويلا تمثل الركن الآخر في هذه الشبكة. فالعلاقة السياسية المتينة بين طهران وكاراكاس سمحت بتدوير أموال النفط الإيراني بعيداً عن العقوبات، كما أُودع جزء من الثروات في مصارف سورية وإماراتية لضمان استمرار تدفق العوائد المالية حتى في حال تغيّر المشهد السياسي في طهران.

“ستاد”: المؤسسة التي تحولت إلى إمبراطورية
العصب الرئيس لهذه المنظومة يُعرف باسم “ستاد تنفيذ أوامر الإمام”، وهي هيئة تأسست بعيد الثورة الإيرانية عام 1979 لإدارة الممتلكات المصادرة من رموز النظام السابق وتوظيفها لأغراض خيرية. لكن مع صعود خامنئي إلى موقع القيادة، تبدّل مسار المؤسسة لتصبح كياناً اقتصادياً واسع النفوذ يضم قطاعات النفط والاتصالات والصناعات الدوائية، وحتى أعمالاً غير متوقعة مثل تربية النعام وإنتاج وسائل منع الحمل.

وكشف تحقيق لوكالة “رويترز” عام 2013 أن “ستاد” تعمل خارج أي إشراف برلماني أو حكومي، ولا تدفع ضرائب، ما وفر لها حصانة قانونية ومالية مطلقة. وقد مكّن ذلك خامنئي من تمويل الأجهزة الأمنية وضمان ولاء مراكز القوى دون الحاجة إلى اعتماد الميزانية الرسمية أو انتظار تقلبات سوق النفط.

سياسة المصادرة المنهجية
اعتمدت “ستاد” على أسلوب ممنهج لتوسيع أصولها: إذ كانت تقيم دعاوى قانونية تزعم أن بعض الممتلكات “مهجورة” أو مملوكة “لأعداء النظام”، فتُصدر المحاكم الثورية قرارات بمصادرتها دون تمكين أصحابها من الدفاع عن أنفسهم. بعد ذلك تُباع الممتلكات في مزادات أو تُضم مباشرة إلى محفظة المؤسسة العقارية.

وغالباً ما كان أصحاب هذه العقارات من الأقليات الدينية، ولا سيما أتباع الديانة البهائية، الذين عانوا من اضطهاد رسمي متواصل. كما وُجهت اتهامات إلى “ستاد” باستخدام أساليب ترهيب لإجبار بعض الملاك على دفع إيجارات أو التنازل عن أملاكهم، تحت طائلة الإخلاء القسري.

أموال متنقلة وشركات واجهة
تمت إدارة ثروة خامنئي عبر شبكة معقدة من الشركات الوهمية والوكلاء في ملاذات ضريبية مثل ليختنشتاين وسويسرا. كان هؤلاء يعملون كواجهة قانونية لاستثمارات تشمل عقارات فاخرة في لندن ومدريد وماربيا، وفنادق ومنتجعات في جزر المتوسط، مع توزيع الأموال عبر مؤسسات مالية يصعب تتبعها.

وفي السنوات الأخيرة قبل وفاته، كان نجله مجتبى يشرف بصورة غير معلنة على هذا النظام المالي، ما جعله اليوم المرشح الأبرز لخلافة والده داخل التيار المتشدد الحاكم.

إرث ثقيل ومستقبل غامض
يواجه الإيرانيون اليوم تحدياً مضاعفاً: فبينما يمر بلدهم بأزمة اقتصادية واجتماعية عميقة، تبرز مهمة كشف خيوط الشبكة التي أحكمت العائلة قبضتها عليها لعقود. وتُثار تساؤلات حول إمكانية استعادة الأموال التي وُصفت بأنها “ثروات الشعب المنهوبة” وإعادتها إلى خزينة الدولة.

وفي خضم الجدل الدائر حول خلافة خامنئي ومصير نفوذه المالي، يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت إيران ستتمكن من طي صفحة الفساد المنظم، وبناء دولة يكون فيها المال العام في خدمة المواطن لا في خدمة السلطة. فالمستقبل السياسي للبلاد ليس وحده على المحك، بل كرامة أجيال كاملة أُنهكها الفقر والانسداد، وهي تنتظر لحظة عدالة طال غيابها.
اجمالي القراءات 22
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق