بطالة وعزوف عن البروتين.. فاتورة الأزمة الاقتصادية التي يدفعها المصريون

اضيف الخبر في يوم الأحد ١٣ - نوفمبر - ٢٠٢٢ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: رصيف 22


بطالة وعزوف عن البروتين.. فاتورة الأزمة الاقتصادية التي يدفعها المصريون

حتى أشهر قليلة، كان إبراهيم عبدالله يصنف نفسه ضمن الطبقة الوسطى المصرية، التي يراوح الدخل السنوي للأسرة فيها - بحسب تقديرات وكالة فيتش سولوشنز في 2021 بين 78 و156 ألف جنيه في السنة، فهو يمتلك شقة وسيارة وكان يكفيه دخله إضافة لدخل زوجته لإعاشة أسرتهما الصغيرة، وادخار جانب من الدخل لإنجاز خطط المستقبل، حتى أزيح من هذه الطبقة، وانضم وزوجته إلى صفوف العاطلين منذ بضعة أشهر.

خسر عبدالله صاحب الـ36 عاماً وظيفته في شركة إماراتية ناشطة في مجالي الإعلام والأبحاث، تتخذ من القاهرة مقراً لها، وذلك ضمن عملية تسريح كبيرة طالت الكثير من موظفيها في منتصف العام الجاري، بهدف ترشيد نفقاتها التشغيلية، وإعادة هيكلة جسمها الوظيفي.

لم يشفع له أنه قضى نحو 10 سنوات عاملاً في الشركة نفسها، ليجد نفسه فجأة هو وزوجته من دون عمل، ينفقان من مدخراتهما الآخذة في التآكل بسرعة كبيرة بفعل الغلاء والتضخم المستمرين في الارتفاع منذ نهايات العام الماضي.

بحسب دراسة إحصائية نوعية أصدرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في السادس من نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، بعنوان "أثر الأزمة الأوكرانية الروسية على الأسر المصرية"، تأتي عائلة عبد الله وزوجته ضمن 9.3% من الأسر المصرية التي تغيرت حالتها الوظيفية (فقدوا أعمالهم أو إحدى وظائفهم) بسبب الظروف الاقتصادية التي خلقتها الحرب.

الدراسة التي حصل رصيف22 على نسخة منها (لم تنشر بعد على الموقع الرسمي للجهاز)، ترصد الآثار السلبية لـ"الأزمة الأوكرانية الروسية" على دخل وأنماط حياة الأسر المصرية، وخلصت إلى أن 20% من تلك الأسر تأثرت سلباً بالأزمات الاقتصادية والغذائية الناجمة عن الحرب. ويتصدر ملامح الدراسة انضام شرائح جديدة غالبيتها من حملة المؤهلات الجامعية إلى صفوف المتعطلين، وخفض أجور آخرين، إضافة إلى توقف مشروعات بعض أرباب الأسر نتيجة تراجع الطلب في الكثير من المجالات، ما أثر بالتالي على دخل الأسرة وقدرتها على تحقيق الكفاية.

بحسب دراسة إحصائية نوعية أصدرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء حديثاً، تأتي عائلة عبد الله وزوجته ضمن 9.3% من الأسر المصرية التي تغيرت حالتها الوظيفية (فقدوا أعمالهم أو إحدى وظائفهم) بسبب الظروف الاقتصادية التي خلقتها الحرب الروسية الأوكرانية
فبحسب دراسة حديثة أصدرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أثرت "الأزمة" بشكل واضح على النظام الاقتصادي العالمي من خلال فرض القيود على التصدير وانقطاع سلاسل الإمداد العالمية، والتي بدورها أثرت بشكل كبير على طبيعة العمالة وانخفاض الطلب عليها أو على نوع النشاط.

بحسب البيانات التي جمعت خلال شهر أغسطس/آب الماضي، يعتقد 94.1% من الأسر المشاركة في الدراسة، أن "الأزمة الأوكرانية الروسية" أثرت فيهم بشكل عام، وكذا تصدر ارتفاع أسعار السلع لائحة مجالات التأثير بنسبة 99.2%.



"الصورة اسودت فجأة"
خلال فترة التعطل عن العمل التي امتدت إلى أربعة أشهر، غيرت أسرة إبراهيم عبدالله نمطها الغذائي، وتخلت عن الكثير من "الرفاهيات" للخروج من هذه المحنة بأقل خسائر، فعزف هو عن ارتياد المقهى بشكل منتظم لتدخين الشيشة، توفيراً للنفقات، كما أوقفت الأسرة الصغيرة نزهاتها الدورية، وإرسال الابنة الصغرى إلى الحضانة، لتوفير 1500 جنيه كانت تخصصها لهذا البند.

التحق عبد الله بوظيفة غير آمنة يتقاضى فيها نحو نصف الراتب الذي كان يتقاضاه في السابق، ولا يكف عن القلق حول مصيره وأسرته في ظل هذه الظروف المستجدة، والتي قد تتغير إلى الأسوأ: "الصورة أسودت فجأة وتغير شكل حياتنا، كنا من أبناء الطبقة الوسطى المستورة، وبدلاً من التخطيط لتوفير مصروفات إلحاق ابنتي الوحيدة بمدرسة دولية أو مدرسة خاصة قومية ذات تعليم جيد، خسرت أموالي في شهور العطلة كي ألبي احتياجات المعيشة".

ينتمي المواطن الثلاثيني بحكم دخله السنوي إلى الطبقة الوسطى، التي تعرفها الإسكوا، لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا، بأنها تضم كل من يستطيع تلبية كل حاجاته الأساسية وأكثر قليلاً، وكل من يعمل في فئة من الوظائف يطلق عليها الياقات البيضاء.لكن أصحاب الياقات البيضاء في مصر عانوا في الآونة الأخيرة من تداعيات اقتصادية طاحنة، بلغت ذروتها الشهر الماضي بخسارة الجنيه المصري 25% من قيمته أمام الدولار، جراء إقدام البنك المركزي على تحرير سعر الصرف، بهدف تخفيف الطلب على العملة الصعبة، في وقت سجل التضخم السنوي أعلى مستوياته في نحو أربعة أعوام، إذ زاد أسعار المستهلكين 19 % في أكتوبر/ تشرين الأول المنتهي، مرتفعاً 3.5% عن معدل التضخم في الشهر السابق.

أصحاب الياقات البيضاء في مصر عانوا في الآونة الأخيرة من تداعيات اقتصادية طاحنة، بلغت ذروتها الشهر الماضي بخسارة الجنيه المصري 25% من قيمته أمام الدولار
عام البطالة وتبخر الأحلام
كان بدء 2022 يشي بالتفاؤل بالنسبة لسلمى جابر، بعدما أتمت عامها الثالث في وظيفتها التي ظنتها مستقرة في فرع مصر لإحدى الشركات متعددة الجنسيات. خاصة مع وعود تلقتها هي وزملاؤها العام الماضي، بأن تراجع الشركة عقودهم وتزيد من رواتبهم هذا العام.

حققت الشركة وعودها قبل عاصفة الحرب، فتضاعف راتب سلمى وارتفع معه سقف أحلامها لنفسها وأسرتها وخاصة ابنتها الرضيعة. لكن الربع الأخير (الحالي) من السنة جاءها بعاصفة مفاجئة، إذ أنهت الشركة عقدها من دون مقدمات، ضمن خطتها للتحول التدريجي نحو "الأتمتة"، أو الاعتماد على تطبيقات الذكاء الصناعي وإحلال الآلات محل البشر، وهو توجه تبنته الكثير من الشركات العاملة في مجال التكنولوجيا تحديداً.

تقول جابر لرصيف22: "كنت أعول على راتبي في الانتقال إلى مستوى معيشي أفضل، لكن الأحلام تبخرت برفضي المفاجئ ما عطل الكثير من المشاريع، وزادت الأعباء على زوجي الذي يكافح من أجل تدبير احتياجاتنا الشهرية بمفرده في الأشهر الأخيرة".

حققت الشركة وعودها قبل عاصفة الحرب، فتضاعف راتب سلمى وارتفع معه سقف أحلامها لنفسها وأسرتها وخاصة ابنتها الرضيعة. لكن الربع الأخير (الحالي) من السنة جاءها بعاصفة مفاجئة، إذ أنهت الشركة عقدها من دون مقدمات
ما يصعب من حظوظ سلمى في الحصول على وظيفة تقنية قريباً في المجال الذي انخرطت فيه منذ 5 سنوات، هو شح الفرص المتاحة في شركات مماثلة، مقابل عدد هائل ممن فقدن وظائفهن تحت وطأة الأزمة الاقتصادية. فبحسب منظمة العمل الدولية، تميل الشركات وأصحاب الأعمال إلى إنهاء عقود النساء عند اتخاذ قرارات خفض العمالة، وتزيد معدلات الاستغناء عن النساء لدى جهات العمل في الدول التي لا تطبق قوانين صارمة للعدالة والمساواة وتطبيق معايير الكفاءة.

ويشهد العام الحالي موجة تسريح كبيرة على خلفية اشتداد الأزمة الاقتصادية العالمية التي خلفتها الحرب الروسية الأوكرانية، فألغت مايكروسوفت بعض المناصب وسرحت نحو ألف موظف كجزء من إعادة التنظيم، وجمدت آبل كذلك عمليات التوظيف بها.

ومؤخراً، أقدمت إدراتا "ميتا" و"تويتر" عملاقتا التواصل الاجتماعي، على تسريح عدد كبير من موظفيهما، فأعلن مارك زوكبيرج مالك الأولى نيته تسريح 11 ألف من العاملين، فيما أعلن الملياردير الأميركي إيلون ماسك نيته تسريح نصف موظفي تويتر بعد أيام من إتمام استحواذه على موقع التدوينات القصيرة، في إطار حملة تخفيض النفقات وإعادة الهيكلة التي طالت الكثير من الشركات.



معدلات البطالة في مصر لم تراوح نسبتها خلال النصف الأول من عام 2022، إذ بلغ عدد العاطلين 2.15 مليون في الفترة من أبريل/ نيسان إلى يونيو/ حزيران 2022، مقابل 2.14 مليون في الربع الأول من العام نفسه، فيما زاد عدد العاطلين 36 ألفاً عن الربع المماثل من العام السابق بنسبة 1.7 بالمئة، وهو ما يوضح تأثُّر سوق العمل المصري بالأزمات المصاحبة للحرب الروسية الأوكرانية.

بدا لافتاً أيضاً أن النسبة الأكبر من المتعطلين ينتمون إلى شريحة حملة المؤهلات العليا، إذ اصل نسبتهم إلى 83.0% من إجمالي المتعطلين في الربع الأول من العام.

ووفقا للإحصاءات الحديثة الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فإن رؤساء الأسر الذين تغيرت حالتهم العملية، هم الحاصلون على شهادة أعلى من الجامعية، فتشير البيانات الى أن 21% من الحاصلين على شهادة أعلى من جامعي (ماجستير أو دكتوراة) تغيرت حالتهم العملية نتيجة الأزمة، تليها الأسر التي لا يتخطى المستوى التعليمي لرئيسها شهادة الابتدائية، بنسبة 8.17 %.

لم يفقد الموظف الحكومي عادل عبد الحميد عمله، لكن النمط الغذائي له وأسرته تأثر بشكل ملحوظ في الأشهر الماضية، نتيجة التأثير المباشر للأزمة على أسعار السلع الغذائية والارتفاع الكبير الذي شهدته أسعار البروتين، ما أجبره على الاستغناء عن كل أشكال اللحوم، وتقليص وجبات أساسية لم تكلن تخلو مائدة أسرتيه الكبيرة والصغيرة منها.

يلمس عبدالحميد ذلك بوضوح في أسعار السمك تحديداً، فأسرته كانت تجتمع بشكل أسبوعي على مائدة تضم صنوفاً مختلفة يتولى شخصياً شراءها من الأسواق الشعبية بمنطقة إمبابة (أحد الأحياء الشعبية التابعة لمحافظة الجيزة). لكن هذا الطقس العائلي تغير تماماً في الشهرين الماضيين، وبات تجمع العائلة من أجل الوجبة المفضلة يقتصر على مرة واحدة شهرياً.

يقول عبد الحميد: "أحب السمك أكثر من الفراخ واللحوم، لذا مائدتي كانت لا تخلو منهما أسبوعياً. لكن بت مضطراً للتخلي عن هذا النمط بعد الارتفاع الذي ضرب الأسماك، بما فيهم البلطي أرخص أنواع السمك، إذ زاد سعر الكيلو إلى 55 جنيهاً بينما كان قبل أسابيع 35 جنيهاً. كنت أملأ المائدة أسبوعياً أنواعاً بـ300 جنيهاً، حالياً زادت إلى 450. أصبحنا نكتفي بتناول السمك مرة واحدة شهرياً".

بحسب بيانات المركزي للإحصاء، تأثر نمط استهلاك 65.8% من الأسر في إنفاقها على السلع، فيما انخفض استهلاك حوالي 90% من الأسر من البروتينات "لحوم وطيور وأسماك"، مقابل زيادة في استهلاك المصريين من الخبز والبقوليات.

ترجع الدراسة أسباب انخفاض الاستهلاك إلى ارتفاع أسعار السلع و"جشع التجار" الذي دفع كثيرين إلى تغيير نمط إنفاقهم.

لم يكن السمك وجبة مفضلة على مائدة الخمسينية منال حسين، التي تعتمد أسرتها في التغذية على اللحوم الحمراء، لكن الظروف الاقتصادية أجبرتها أيضاً على استبدال اللحم بالدجاج، كعادة الكثير من الأسر التي تعوض ارتفاع أسعار اللحوم بالحصول على البروتين من الدجاج.

تضحية حسين لا تبدو هذه المرة كفيلة بتجاوز الأزمات الاقتصادية التي تعصف بأسرتها، فضاعفت الحرب في أوكرانيا المأساة لاعتماد مصر بشكل أساسي على الحبوب ومنها بالطبع أعلاف الطيور والحيوانات، التي تستوردها من روسيا وأوكرانيا، باعتبارهما أكبر مصدري الحبوب في العالم، ما تسبب في زيادة أسعارها.

وتشهد مصر أزمة طاحنة في الأسابيع الأخيرة على خلفية نقص الأعلاف نتيجة احتجاز نحو 1.5 مليون طن من الذرة الصفراء في الموانئ، بخلاف 500 ألف طن من فول الصويا، المكون الأساسي للعلف، ليقفز على إثرها سعر الأعلاف من 7400 جنيه إلى 16 ألف للطن، ما دفع بعض مربي الدواجن لإعدام الكتاكيت الصغيرة، لعدم قدرتهم على إطعامها وارتفاع الأسعار في الأسواق.

لذلك، عملت الحكومة المصرية خلال الأسابيع الماضية على التوصل إلى حلول عاجلة، إذ وجّه مصطفى مدبولي رئيس الوزراء الجهات التنفيذية بالإفراج عن كميات من بذرة فول الصويا المخزنة في الموانئ المصرية لحماية صناعة الدواجن، مؤكداً أن هذه الأزمة هي نتاج التداعيات السلبية للأزمة العالمية، والتي طالت العديد من السلع والمنتجات الأخرى.

اجمالي القراءات 171
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق