القدرة على الاستغناء

الأحد ٢٤ - نوفمبر - ٢٠٢٤ ١٢:٠٠ صباحاً


نص السؤال:
قرأت لك تعبير ( القدرة على الاستغناء ) وأريد توضيحه ، وهل هو تعبير تراثى ؟
آحمد صبحي منصور :

إجابة السؤال  :

ليس تعبيرا تراثيا .

تعبير ( القدرة على الاستغناء ) أنا الذى صنعته ، هو وليد المعاناة ، والتصميم على الصمود والتحدى وعدم الاستسلام ، وقبل ذلك كله معايشة القرآن الكريم تدبرا وجهادا وطلبا للهداية وأملا فى الانتصار . وبإيجاز أقول :

1 ـ لكى تصمد وتنتصر على خصمك الظالم لا بد أن تنتصر على نفسك أولا . أن تنهاها عن الهوى . بهذا تكسب الدنيا وبرحمة ربك جل وعلا تكسب الجنة . والناس هنا نوعان . قال جل وعلا : ( فَإِذَا جَاءَتْ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) النازعات ). الطُّغاة يؤثرون الحياة الدنيا يتصورون أنهم فيها خالدون . أما الذى يبتغى وجه ربه خائفا من الجحيم فهو الذى ينهى النفس عن الهوى ، وهو الذى يقوم بتزكية نفسه فيفلح . قال جل وعلا : (  وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) الشمس )

2 ـ إنّ للإنسان إحتياجات ضرورية للبقاء حيا ، بدونها يموت ، وهو الرزق الذى ضمنه الله جل وعلا لكل دابة تتحرك من الحشرات الى الحيوان والانسان ، قال جل وعلا : ( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6) هود ) . وهذا الرزق مُتاح ومجانى ، يبدأ بالأوكسجين الذى نتنفسه ثم الماء والضرورى من الغذاء والمُتاح من اللباس والمسكن .  ما بعده وما دونه يمكن الاستغناء عنه ، ويبقى الانسان حيا ، هى كماليات وزخارف مُضافة ، ولا ينبغى للانسان أن يفقد كرامته وإحترامه لنفسه بسبب هذه الكماليات والزخارف . والمؤمن الصبور الشكور الذى يرجو لقاء ربه يتنازل عن هذه الكماليات ، وتتأصل لديه القدرة على الاستغناء عنها .

3 ـ بل إن الاستغناء عنها يكون وأدا لغريزة الطمع ومرض الشّحّ داخل النفس ، قال جل وعلا : ( وَأُحْضِرَتْ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (128)  النساء )، وتكرر فى القرآن الكريم : ( وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (9) الحشر) ، ( وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (16) التغابن ) .

4 ـ  وهذا الإستغناء لا يكون إلا بإرادة قوية وعزيمة صلبة ، ولا بد فيها من الصّبر الايجابى الذى يعنى إستمرار النضال والتحدى تمسكا بالحق ، وهذا مع والرضا بالأقدار الحتمية والابتلاءات التى لا مهرب منها كالموت والمصائب والرزق  ، مع الثقة فى رب العزة جل وعلا الذى وعد المؤمنين المجاهدين الصابرين بالفوز فى الدنيا والآخرة .

5 ـ وهذا الإستغناء يُولّد فى النفس طاقة إيجابية ورضى ، وبه تتضاءل كل زخارف الدنيا ، ويرها كما قال رب العزة جل وعلا متاعا قليلا : ( وَلكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36)  البقرة ) ( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)   آل عمران ) ( قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى ) (77) النساء ) ( فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (38) التوبة  ) ( وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ (26)  الرعد )(  وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ (20) الحديد )

6 ـ بهذه الطاقة الايجابية تتضاءل متاعب الدنيا وأزماتها ، ويشعر الشخص أنه يقف فوق ناطحة سحاب يرى ما يجرى فى الشوارع ـ من بشر ومواصلات وصراعات ـ  أشياء قليلة ومضحكة . يرى الناس يتصارعون ثم يموتون ، يرى شواهد القبور لمن كان يملك البلايين جمعها بالظلم  ، وتركها خلفه ويتعين عليه أن يُحاسب على ما جمع ، حيث سيفرُّ من أقرب الناس اليه ، ويفرُّ منه أقرب الناس اليه ، ويتمنى لو يفتدى بهم نفسه لينجو من عذاب السعير : ( يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ (13) وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ (14) كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى (15) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (16) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (17) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (18)  المعارج ).

ودائما :

صدق الله العظيم .!



مقالات متعلقة بالفتوى :
اجمالي القراءات 3367
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 5365
اجمالي القراءات : 74,680,359
تعليقات له : 5,532
تعليقات عليه : 14,954
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي


سليمان وبلقيس: لقد قرأت كثيرا لكم في رؤيتك م للقتا ل في...

نعم ..أم .. لا ؟!!: • هل زواج المتع ه حلال فی القرآ ن ...

ابتعدى عنه: أنا فتاة من الجزا ئر تبلغ من العمر 19عاما حال...

مقالات بالفرنسية: هل لك مقالا ت بالفر نسية عن زيّ المرأ ة، ...

تعدّى على الطريق: سؤال حول إشهار السلع السلا م عليكم ورحمة...

سبقت الاجابات: سلام علی ;کم یا دکتر احمد صبحي منصور انا...

بين خالى ووالدى : خالى موظف فقير ، وبنت خالى فى نفس سنى وجميل ة ...

يكلؤئكم من الرحمن: ما معنى ( يكلؤك م من الرحم ن ) فى الاية 42 من سورة...

لا داعى للحيرة .!!: لدي سؤال احترت في الجوا ب عليه منذ فترة وهو عن...

ثلاثة أسئلة: السؤ ال الأول : ما هو الفرق بين الفعل ( غل/...

انفطرت: ما معنى ( إذا السما ء إنفطر ت )؟ ...

الصراط المستقيم: بخصو ص موضوع الصرا ط المست قيم ،...

حداد المرأة: لي اخت توفي زوجها فأعلن ت الحدا د اربعة اشهر...

سدرة المنتهى : قرأت لكم مقالا عن خرافة المعر اج وإقتن عت ...

الطهارة بالماء او ..: هل تُطهّ َرُهذ ه النّج اسات الحس&# 1740;ّة. ...

more