شهادة الضمير: لماذا أستمر في القول والتعليم والتواصي بالحق؟

عثمان محمد علي Ýí 2026-08-24


شهادة الضمير: لماذا أستمر في القول والتعليم والتواصي بالحق؟

كثيراً ما يصلني تساؤلٌ محبٌّ ومحير من أناس كرام يحاطونني بالمودة والإشفاق، مفاده: ((لماذا تأبى إلا أن تتطرق إلى المسائل الحساسة وتناقش القضايا الصادمة التي أَلِفَ الناسُ عليها دينَهُم وتدَيُّنَهُم؟ وما الفائدة المرجوة من كتاباتٍ لا يجلب لك بعضُها سوى السباب والاعتراض))؟

وهذا السؤال، بحد ذاته، يحمل بداخل هواجسه دافعاً عميقاً يستحق التوقف والمكاشفة؛ لأنه لا يتعلق بمجرد موقف شخصي، بل يمس أصل حرية الفكر والتعبير ومسؤولية الكلمة وأمانة البلاغ أمام الله تعالى. ولعل أفضل ردٍّ أحمله لكل محبٍّ ناصح، ولكل قارئ يبحث عن حقيقة موقفنا، يتلخص في هذه الرؤية والشهادة.

فالله خيرٌ حافظاً وهو أرحم الراحمين.

أنا لا أفرض كلامي على أحدٍ نهائياً، ولا أجبر أحداً على أن يؤمن به، ولا أمنع شخصاً يدخل ليتبرك بضريح، ولا أمنع شيخاً من اعتلاء المنبر أو أن يقول ما يشاء، بل على العكس تماماً، أنا أطالب بحرية الرأي والتعبير... ولا أمنع أحداً من زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام في الحج أو العمرة، ولا أن يصلي فيما يسمونها الروضة الشريفة، ولا أمنع أحداً من أن يؤمن بأن النبي عليه الصلاة والسلام سيشفع له يوم القيامة.

كل إنسان مسؤول عن نفسه وعن تدينه وعن اختياره، وسيحاسَب على ذلك بمفرده يوم القيامة.

في المقابل، هناك نقطة هامة جداً وتتكون من جزأين:

الجزء الأول: هو أمر القرآن الذي نؤمن به جميعاً لنا بالتذكرة والدعوة للإصلاح المستمر، والتواصي السلمي بالحق: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾.

الجزء الثاني: هو أن نلقى الله سبحانه وتعالى ونحن لم نكتم الحق، بل قلناه وأعلناه ونشرناه، لندافع عن أنفسنا أمام الله جل جلاله يوم القيامة بأننا أبلغنا الحق ولم نكتمه طالما كنا على ذلك قادرين في الدنيا، ولم يمنعنا أحد بقوة قاهرة.

وأنا أحمد الله جل جلاله أن هداني للقرآن الكريم وحده في دين الله، وأن أحاطني ببيئة ودولة ومكان آمن يضمن ويؤمن بحرية الدين والرأي والتعبير، ونحمد الله جل جلاله على نعمة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي الحرة والمجانية والعالمية.

فماذا سأقول لرب العالمين حين يسألني((لقد كانت لديك الفرصة كاملة لقول الحق، ولم تقله، ولم تكتبه، ولم تعلنه، فما الذي منعك))؟

ألم تؤمن بآيات القرآن التي تحث وتأمر بالمعروف سلمياً، وتأمر بوجوب تذكير الناس بالقرآن وتشريعاته، وبالآيات التي تدعو للإصلاح والتواصي بالحق؟

فماذا سأقول وقتها؟

أنا أقول ما أؤمن بأنه الحق وأجري على الله، ولا أفرضه على أحد نهائياً، ولا أمنع أحداً من أن يختلف معي على الإطلاق... أنا أنشره على صفحتي الشخصية.

وهنا،من القراء الأعزاء كرامٌ يوافقون عليه ويضيفون إليه، وهناك من يختلف باحترام. وهناك من يوافق على جزء ويختلف مع جزء ، وهناك من يسب ويلعن — وهو معذور لأنه مصدوم، ولأنه اكتشف في داخله (رغماً عنه) أنه كان مخدوعاً بالمناهج والمشايخ وغيرهم، فيرفض أن يصحح له أحد أخطاء تدينه، وهناك من يتكبرعن معرفة الحق ويتولى عنه، فلا يجد سوى السب والشتم..

وأولئك أتركهم وأعرض عنهم كما أمرنا القرآن الكريم: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾.

ونقول لهم طبقاً للقرآن أيضاً: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾، وسيفصل الله جل جلاله ويحكم بيننا جميعاً يوم القيامة.

وأنا أعتبر خصومتهم الفكرية (حتى وإن تضمنت سباباً) وعداءهم لي واستعداءهم المجتمع ضدي أعظم شهادة لي، وشهادة لي أمام الله جل جلاله يوم القيامة؛ لأنها ليست خصومة على مواريث، ولا أموال بيننا، ولا شراكة في حطام الدنيا، ولا نزاعاً على سلطة أو سطوة أو ثروة. وإنما خصومة نابعة من عجزهم عن مواجهة ما أؤمن بأنه الحق، ولإعلاني له، وعدم استطاعتهم أن يردوا عليه علميا وفكريا بالحجة والبرهان والرأي والفكر، ولعجزهم عن الاحتكام إلى القرآن الكريم وحده فيما أقوله وفيما يقولونه.

فحقيقةً والله وبكل صدق، أنا أشفق عليهم من الجهل المقدس وصراعهم مع طواحين الهواء التي يحاربونها، ومن إتباعهم لوساوس الشيطان في دفاعهم المستميت عن الباطل (من وجهة نظري ومن واقع إيماني أنه باطل).

وأنا حين أتأمل سبب هذا الرفض والسباب، أراه أيضا عمقه خوفاً مقدساً.

أفهم تماماً أن الإنسان حين يبني دينه واطمئنانه وسكينة قلبه على منهج وطريقة معينة ورثها عن أبيه وشيخه وبيئته - كأن يزور ضريحاً فيشعر بالقرب، أو يظن أن النبي سيشفع له فيطمئن، أو ووووووو - فإنه لا يدافع عن فكرة فقهية دينية، بل يدافع  وجوده هو وعن بيته الداخلي،عن هويته وتاريخه .

فإذا جاءه من يقول له: إن هذا كله ليس من الدين وليس من تشريعات القرءان ، يشعر لا إرادياً - أن البيت كله سينهار فوق رأسه، وأن دينه كله سيضيع. فيخاف، ومن خوفه يسب ويلعن، لا كرهاً للحق، بل خوفاً من التيه.

 وأنا أقول هنا بكل صدق: أنا أفهم خوفكم، وما جئت لأهدم بيتكم الدينى ، بل جئت لأقول لكم إن البيت الحقيقي أوسع وأأمن وأبقى وهو القرءان الكريم . وإن القرءان وحده يكفي ليكون هو الأصل والأساس والسقف، وما عداه ليس من دين الله في شيء ، ولتحتكموا إليه فيما تؤمنون به من تراث قبل فوات الآوان .

 إن الإيمان الذي ينهار بسؤال، هو إيمان يحتاج أن نعيد بناءه على صخر القرآن الذي لا ينهار: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾.

 وأدعو الله لي وللجميع بالهداية قبل فوات الأوان.

 هذه كلمتي وهذه شهادتي، أضعها بين يدي كل ذي عقلٍ وفكر، أطرحها بحرية. وأستقبل الاختلاف عليها بحرية ومحبة وإحترام مُتبادل ، ودعائي الدائم لي وللجميع بأن يهدنا الله صراطه المستقيم، وأن يجعل أعمالنا ورسائلنا شاهدةً لنا لا علينا يوم نلقاه.

 

اجمالي القراءات 92

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق