كيف تحب القراءة لتصبح قارئًا جيدًا؟

اضيف الخبر في يوم الجمعة 22 نوفمبر 2019. نقلا عن: ساسه


كيف تحب القراءة لتصبح قارئًا جيدًا؟

لم ينقطعوا عن القراءة أبدًا، سيماهم في أحاديثهم، أو أكوابهم، أو حقائبهم التي تحمل كتبًا فائضةً على الدوام. كيف يكبر بعض الناس ليصبحوا قرّاءً متعطشين شغوفين لا تنقطع قراءاتهم أبدًا مهما تقلبت بهم أطوار الحياة؟ وكيف يمكن للأبوين أن يربّوا أطفالهم ليرغبوا بالكتب ويتحصلون على متعتهم منها؟ هذا ما يتناوله محرر مجلة «أتلانتك» الأمريكية جو بينسكر في مقاله الجديد ومقالاته مع مؤلّفين متخصصين في هذا المجال.

 

 

أنماط قابلة للتنبؤ

لا تتماثل إحصائيات القراءة كثيرًا رغم إجرائها على عيّنات مأخوذة من نفس البلد أحيانًا، إذ تختلف النتائج باختلافِ تعريفك للقراءة واعتباراتك لمتوسط القراءة العاديّ بالنسبة للفرد، لكن أيّا ما كانت النتائج يوجد دائمًا تلك الفئة المحددة المتعطشة للقراءة والكتب والتي يبدو أنها تسابق الوقت لتطلع على المزيد. فكيف يصل المرء إلى حالةٍ لا يجد فيها متعته والمعنى إلا بالقراءة؟

يجيب الكاتب بوجودِ عوامل تجعل بعض الناس أكثر عرضة من غيرهم لأن يصبحوا قارئين مستدامين، وينقل عن ويندي غريسوولد -عالمة الاجتماع في جامعة نورث ويسترن والتي تدرس القراءة- قولها بأن «الأنماط قابلة للتنبؤ جدًا جدًا» وتسردها كالتالي:

– العامل الأول والأقرب للحدس: كلما زاد تعليم شخص ما زادت احتمالية أن يصبح قارئًا.

– سكان الحضر يقرؤون أكثر من سكان الأرياف.

– هناك ارتباط ما بين الثراء والقراءة.

– تقرأ الفتيات الصغيرات في وقتٍ أبكر من الفتية، وتواصلن القراءة أكثر في سنّ الرشد.

– يتدخل العامل العرقيّ أيضًا، وهو ما قد يعكس تمتّع بعض الفئات بحالةٍ مادية أعلى ووصول أفضل للتعليم.

بالطبع لا يعطي توفر هذه الخصائص لدى الفرد أيّ ضمان في أن يصبح قارئًا والعكس صحيح. يبرز عامل الشخصية أيضًا عاملًا فاعلًا بقوة، إذ ينقل الكاتب عن أستاذ علم النفس بجامعة فرجينيا دانييل ويلينغهام قوله: «يبدو أن احتمالية ممارسة بعض القراءة في أوقات الفراغ تعلو لدى الانطوائيين».

 

 

مكتبات الطفولة تربي قراءً كبارًا

قد يبدو أمرًا بديهيًا ارتفاع الاهتمام بالقراءة مع وجود عددٍ أكبر من الكتب في منزل الطفولة، ولذلك خضعت هذه الفكرة للكثير من البحوث. بشكلٍ عام، وجدت الدراسات الباحثة في «الثقافة الأسرية الأكاديمية» أن الأطفال الناشئين بين الكتب تحيط بهم يميلون إلى الوصول لمستوياتِ تعليمٍ أعلى ومعدلات قراءةٍ أفضل من أقرانهم ممن لم تحتوِ منازلهم على الكتب في الصغر، وذلك حتى بعد التحكم في تعليم آبائهم.

لا يعطي مجرد وجود الكتب في منزل الطفولة أيّ تحول سحري، ولكن الأمر وفقًا لويلينغهام يُجاب عنه بهذا السؤال: «إذا أخذت طفلًا لا ينجز جيدًا في المدرسة، ووضعت له 300 كتاب في منزله- ماذا سيحدث؟ الجواب يقين تقريبًا: لن يحدث الكثير. إذًا ما الأمر؟ إما ما يفعله الناس في البيوت بهذه الكتب، أو أنها مجرد مقياس لمجموعة واسعة من المواقف والسلوكيات والأولويات التي توجد في هذه المنازل أصلًا».

لا يمكن اختزال الأمر بعدد الكتب التي ينشأ الطفل بينها، بل بما وراء ذلك من مجموعة سلوكيات ومواقف وأولويات تشجع عليها هذه المنازل.

ليس جديدًا ارتباط الميل بالقراءة لدى الطفل باستعداديته للنجاح الأكاديمي، بما أن المدارس والمناهج الأكاديمية تعتمد بمعظمها على القراءة. لكن يذكّر الكاتب أن جعل القراءة مجرد وسيلة لتحقيق تلك الغاية يخفي كمية المتع والبهجة التي تحملها في جعبتها. قد لا يستمتع بعض الناس بالقراءة (أو يواجهون صعوبةً في الاستمتاع بها، بسبب اضطراباتِ تعلّم أو مسائل متعلقة بالانتباه)، لكنها مهارة حيوية في عالمنا المعاصر.

كيف تحبّب القراءة لطفلك؟

يقلق الآباء من صعوبة التنبؤ والتحكم بقابلية القراءة لدى أطفالهم، لكن ولحسن الحظ هناك عوامل متعددة يمكن السيطرة عليها وتوفيرها. هناك ثلاثة متغيرات تحدد بشكلٍ كبير ما إذا كان الشخص سيصبح قارئًا لمدى الحياة أم لا، وهي كما ينقلها الكاتب عن كتاب «تربية أطفال قارئين: ما يمكن للآباء والمعلمين فعله» لويلينغهام:

أولًا: يحتاج الطفل إلى تعلم «فك الرموز بطلاقة»، وأن يكون قادرًا على «الانتقال من الأشكال المطبوعة على الصفحة إلى تشكّل الكلمات في عقله بسلاسة». وهو شيء من اختصاص المدارس بالطبع –أي: تعليم القراءة-، لكن يستطيع الآباء أيضًا المساعدة في ذلك من خلال القراءة للأطفال ومعهم -وخاصة عندما تتضمن هذه القراءات تلاعبًا بالألفاظ، لأنها تساعد الأطفال الذين يستصعبون تحديد «أصوات الكلام الفردية» التي تشكل الكلمات بالنهاية.

ثانيًا: يتعلم الطفل فكّ الشفرة بطلاقة أكثر حين تتوفر لديه معرفة أساسية أوسع حول العالم، وكما يوضح ويلينغهام: «المؤشر الرئيسي بما إذا كان الطفل أو الشخص البالغ على حدّ سواء يفهم النص، يتمثل بمقدار ما يعرفونه حول هذا الموضوع أصلًا». وبالتالي يستحسن أن يسلّح الآباء أطفالهم بمعلوماتٍ واسعةٍ حول العالم لتتطور قدرتهم على تفسير كل ما يصادفونه في الكلام المطبوع، وإعطائهم ألفةً وبعض الاطلاع السابق بما يقرأونه.

ثالثًا: يتمثل العنصر الأخير بوجود «الدافع» وفقًا لويلينغهام، إذ أنه وبمجرد توفر العاملين السابقين يتبقّى أن «يكون لديك موقف إيجابي تجاه القراءة وصورة ذاتية إيجابية للقارئ». لا يمكن الاستهانة بمسألة الدافع، إذ يمثل عاملًا رئيسيًا في الفصل بين القارئ المقلّ والقارئ المستقبلي الشغوف الذي يتمناه الآباء لأطفالهم.

 

 

لا تقل لهم.. بل دعهم يعيشونها

يسهب الكاتب في مدى أهمية العنصر الثالث، بأن تعطي أطفالك الدافع والشغف بالقراءة وهو المحور الرئيسي لكتاب «كيف تربّي قارئًا» لباميلا بول وماريا روسو. تعلّق باول على هذا الأمر قائلة: «يقع الكثير من الآباء تحت ضغطٍ شديد من كثرة الأبحاث التي تربط بين القراءة والنجاح الأكاديمي أو الاختبارات المفصليّة أو الوظائف التنفيذية أو الصحة العاطفية. معرفة كل ما سبق يدفع الآباء للتفكير: «حسنًا، يجب أن يصبح طفلي قارئًا». ولكن بول تحذّر من أن هذه العقليّة تؤطّر القراءة وتقدّمها للأطفال على هيئة التزامٍ غير محبب: «يدرك الأطفال هذا فورًا-يعرف الأطفال، مثلا، حين تحاول دفعهم لأكلِ شيء جيد لصحتهم». وبالتالي فإن الهدف ألا تكون القراءة «سبانخ» بالنسبة للطفل، بل «كيكة الشوكولاته».

يمكن أن يصبح للقراءة لذة الحلوى عند الأطفال إذا ما شارك الآباء بالقراءة بأنفسهم بسعادة وانتظام. تحكي ماريا روسو عن نفسها: «عندما أجلس على أريكتي أقرأ كتابًا وأطفالي منشغلين بأمورهم، أحب أن أفكر «أنا أمارس الأبوّة أنا-فهم يروني أقرأ هذا الكتاب». وعلى نفس المنوال تقول باميلا بول: «بعد العشاء مباشرة، تتصفح هاتفك أول شيء أو تفتح لابتوبك أو تشاهد التلفاز» وهو أمر يلاحظه الأطفال، يرسل الآباء باستمرار رسائل حيوية لأطفالهم عن كيفية اختيار وقت الفراغ.

يجب أن تمثل القراءة للطفل ما تمثله الحلوى، أن يرغب بها وينتظرها. ويحصل هذا حين يرى الطفل أبويه يستمتعان بالكتب ويهتمان بأحاديثها وكذلك عندما لا تُفرض عليه أو يُطالب بها لأجل إنجازات مستقبلية.

لا ينبغي على الآباء والأمهات أن يكونوا متعطشين للقراءة ليربّوا أطفالًا قراء شغوفين، وتقترح الكاتبتان سلوك تصرّفات تكبّر من شأن القراءة لدى الأطفال، أشياء من قبيل: الحديث عن الكتب أثناء تناول الطعام كما يتحدث الآباء عادةً عن الحياة اليومية والأحداث، والتوقف للمرور على المكتبات على نحوٍ منتظم وقضاء الوقت داخلها، وكذلك تقديم الكتب هدايا في أعياد الميلاد وغيرها من أمورٍ تُدخل القراءة لحياة الطفل المعيشة.

 

 

وتنصح بول خاصة بنشرِ الكتب في جميع أنحاء المنزل، عوضًا عن إخفائها في مكانٍ محدد مثل غرفة النوم أو أيّ مكان محدد ليس في متناول جميع أفراد الأسرة. تشير بول أيضًا إلى وجود خياراتٍ أقل تكلفة لشراء الكتب، بما في ذلك الكتب المستعملة والمجانية أحيانًا أو المتاحة للاستعارة، مضيفة: «لا تحتاج الكثير من المال لملء منزلك بالكتب.. ويصعب أن يوجد طفلٌ ضجِرٌ حين تتوفر الكتب حوله دائمًا».

وضمن مقابلة الكاتب مع ماريا روسو، أشارت للقراءة باعتبارها «نظامًا خاصًا لتوصيل المتعة»، وهو مفتاح رئيسي للعقلية التي تنتج أطفالًا يقرأون: يفهم أغلب الآباء أهمية القراءة للتطور الأكاديمي والحياتي في المستقبل، لكن يجب التركيز على مساعدة الأطفال لاكتشاف القيم الذاتية الأساسية في القراءة لمرحلتهم الحالية. أما المستقبل، فستُقطف ثمار ما زرعه الآباء حينها.

اجمالي القراءات 162
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق