الغلاء يرسم خريطة الاستهلاك في مصر: "التقسيط"

اضيف الخبر في يوم الثلاثاء ٠٣ - فبراير - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: العربى الجديد


الغلاء يرسم خريطة الاستهلاك في مصر: "التقسيط"

في مواجهة موجة غلاء الأسعار التي تضرب الأسواق المصرية منذ أعوام، بات التقسيط أحد أكثر الأدوات شيوعاً التي يلجأ إليها المواطنون لتدبير احتياجاتهم الأساسية، خصوصاً السلع المعمرة والأجهزة الكهربائية والمنزلية. بين تآكل الدخول وارتفاع تكاليف المعيشة، لم يعد الشراء النقدي خياراً متاحاً لقطاعات واسعة من الأسر، وهو ما انعكس بوضوح في القفزات الكبيرة التي حققها نشاط التمويل الاستهلاكي خلال عام 2025.
مقالات متعلقة :


حيث يشهد نشاط التقسيط والتمويل الاستهلاكي خلال الفترة السابقة انتشاراً واسعاً، سواء بمعرفة شركات متخصصة منتشرة في أنحاء الجمهورية أو بنوك محلية مدعومة بتطبيقات رقمية سهلة وإعلانات وأنشطة دورية على وسائل التواصل الاجتماعي تقدم عروضاً مستمرة لتمويل وتقسيط جميع السلع والاحتياجات والخدمات بشروط ميسرة غالباً بدون مقدم، وبأنظمة سداد تصل لـ 36 شهراً.

ووفقاً لبيانات الهيئة العامة للرقابة المالية، حصل المصريون على تمويلات بقيمة 75 مليار جنيه (1.6 مليار دولار) خلال الفترة من يناير إلى أكتوبر 2025، استفاد منها نحو 9.2 ملايين عميل، مقارنة بـ 3.3 ملايين عميل فقط خلال الفترة نفسها من العام السابق. وتشير الأرقام إلى نمو لافت بلغ 182.7% في عدد العملاء، و58% في قيمة التمويلات، في دلالة واضحة على اتساع الاعتماد على التقسيط آلية للتكيف مع الضغوط الاقتصادية.

ضمن هذه التمويلات، استحوذت الأجهزة الكهربائية والمنزلية على نصيب معتبر، إذ بلغت قيمة التمويلات الموجهة لشرائها نحو 12.4 مليار جنيه (الدولار 47 جنيهاً)، بما يمثل 16.6% من إجمالي نشاط التمويل الاستهلاكي خلال الفترة المذكورة. ويعكس هذا الرقم حجم التحول في أنماط الاستهلاك، حيث لم يعد شراء الثلاجة أو الغسالة أو التكييف قراراً موسمياً بسيطاً، بل أصبح مرتبطاً بقدرة الأسرة على الالتزام بأقساط شهرية تمتد لأشهر وربما سنوات.

مواطنون كثر يرون في التقسيط طوق نجاة أكثر منه رفاهية. أحمد داوود، موظف في الأربعين من عمره وأب لثلاثة أطفال، يقول لـ"العربي الجديد"، إن دخله الشهري لم يعد يسمح بشراء الأجهزة الأساسية دفعة واحدة. ويوضح أنه اضطر إلى استبدال الثلاجة القديمة بعد تعطلها، ولم يكن أمامه سوى خيار التقسيط على 24 شهراً. بالنسبة له فإن القسط الشهري، رغم ما يحمله من التزام طويل، يظل أهون من استنزاف مدخرات محدودة، أو اللجوء إلى الاقتراض من الأقارب.الحال ذاته ترويه منى عبد الرحمن، ربة منزل من محافظة الإسكندرية، التي تؤكد أن التقسيط أصبح جزءاً من التخطيط المالي للأسرة، فمع ارتفاع أسعار الأجهزة بنسبة كبيرة خلال فترة قصيرة، لم يعد الانتظار خياراً ممكناً، خاصة في ما يتعلق بالأجهزة المرتبطة بالحياة اليومية. وتضيف أن العروض التي تقدمها شركات التقسيط، رغم ما تحمله أحياناً من فوائد أو مصروفات إدارية، تبقى أقل قسوة من محاولة تدبير المبلغ كاملاً.

من منظور اقتصادي، يرى خبراء أن هذا التوسع في التمويل الاستهلاكي يعكس تفاعلاً طبيعياً مع التضخم وارتفاع الأسعار، لكنه في الوقت ذاته يحمل أبعاداً أعمق. الدكتور علاء حسب الله، أستاذ الاقتصاد والتسويق بالأكاديمية العربية، يوضح لـ"العربي الجديد"، أن التقسيط لعب دوراً مزدوجاً خلال الفترة الأخيرة؛ فمن ناحية، ساعد الأسر على الحفاظ على مستوى معيشي مقبول، ومن ناحية أخرى، دعم الطلب المحلي، وهو ما انعكس على استمرار دوران عجلة الإنتاج في قطاعات عدة، لا سيما الصناعات المرتبطة بالسلع المعمرة.

ويشير حسب الله إلى أن التمويل الاستهلاكي، كما تنظمه القوانين الحالية، يختلف عن أنماط الاقتراض العشوائي، إذ يخضع لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية، ويشمل مدد سداد لا تقل عن ستة أشهر، ويعتمد على أدوات دفع معتمدة من البنك المركزي. هذا الإطار التنظيمي، بحسب رأيه، ساهم في تقليل المخاطر، سواء على المستهلك أو على الشركات، مقارنة بما كان سائداً في سنوات سابقة من ممارسات غير منظمة.

في السياق ذاته، تؤكد تقارير رسمية صادرة عن الهيئة العامة للرقابة المالية أن نشاط التمويل الاستهلاكي يحقق منافع متعددة للاقتصاد، فهو يساهم في زيادة الطلب على السلع، بما يحسن من كفاءة الإنتاج والربحية لدى الشركات، ويمنح المستهلكين فرصة أفضل لتخطيط إنفاقهم، بدل اللجوء إلى حلول طارئة قد تكون أكثر كلفة على المدى الطويل.

كما تشير التقارير إلى أن هذا النشاط يدعم النمو الاقتصادي، من خلال تحفيز الاستثمار والتشغيل، وزيادة الطلب المحلي. لكن هذا التوسع لا يخلو من تحديات، فبعض الخبراء يحذرون من الإفراط في الاعتماد على التقسيط دون وعي كافٍ بالالتزامات المستقبلية. الدكتورة منال عبد العزيز، أستاذة الاقتصاد المنزلي، ترى أن سهولة الحصول على التمويل قد تدفع بعض الأسر إلى تحميل ميزانياتها بأقساط تفوق قدرتها الحقيقية، ما قد يخلق ضغوطاً مالية ممتدة. وتؤكد أهمية التوازن بين الاستفادة من التقسيط كأداة، وبين الحفاظ على نسب آمنة من الالتزامات الشهرية.ورغم أن التقسيط بات سمة مشتركة في سوق السلع المعمرة والعقارات على السواء، فإن الخبراء يؤكدون أن ما يجري في السوق العقارية يختلف جوهرياً عن نشاط التمويل الاستهلاكي المنظم. فبحسب الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، فإن التمويل الاستهلاكي يقوم على تدخل شركة تمويل مرخصة تسدد قيمة السلعة للتاجر أو المصنع مقدماً، ثم تستردها من المستهلك على أقساط زمنية محددة، في إطار قانوني يخضع لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية، ويُلزم الشركات بالإفصاح الكامل عن تكلفة التمويل، وهامش الربح، ومدد السداد.

أما في حالة العقارات، فيوضح النحاس أن المطور العقاري لا يمنح تمويلاً بالمعنى المتعارف عليه، بل يبيع وحدة مملوكة له بنظام السداد الآجل، وغالباً ما يكون سعر التقسيط أعلى من السعر النقدي، باعتبار أن الزيادة السعرية تمثل تكلفة الزمن والمخاطر، وليس فائدة تمويل خاضعة لقواعد التمويل الاستهلاكي.

ويضيف الخبير الاقتصادي أن انتشار التقسيط في السوق العقارية يعكس الأزمة نفسها التي دفعت ملايين المصريين إلى الاعتماد على التمويل الاستهلاكي لشراء احتياجاتهم الأساسية، وهي تراجع القدرة الشرائية، وارتفاع الأسعار بوتيرة تفوق نمو الدخول. غير أن الفارق، بحسب قوله، أن التمويل الاستهلاكي يوفر درجة أعلى من الحماية التنظيمية للمستهلك، مقارنة ببعض أنماط التقسيط العقاري التي تظل خاضعة لشروط تعاقدية يضعها المطور، وقد تتضمن زيادات سعرية غير مباشرة على مدار فترة السداد.

ويؤكد أن الفصل القانوني بين النشاطين ليس مسألة إجرائية، بل ضرورة لضبط السوق، وحماية المستهلك، ومنع الخلط بين أدوات التمويل وآليات البيع، خاصة في ظل التحول المتسارع للتقسيط بوصفه أحد الحلول الرئيسية التي يلجأ إليها المصريون لمواجهة غلاء الأسعار.

اجمالي القراءات 8
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق