هجرة العلماء من أميركا للصين: هل بدأت حرب باردة جديدة؟

اضيف الخبر في يوم الخميس ٠٨ - يناير - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: الجزيرة


هجرة العلماء من أميركا للصين: هل بدأت حرب باردة جديدة؟

حركة العلماء بين الولايات المتحدة والصين ليست مجرد هجرة فردية عادية لها دوافع شخصية، بل صارت جزءًا من مشهد أعمق يتمثل في تنافس بين قوتين عالميتين، على التمويل، وجذب العلماء، ونشر الورقات البحثية، وعلى مناخ سياسي وأمني يزداد حساسية في كل بقاع الأرض تقريبًا.

نتيجة هذا التنافس أن ما كان يعد قبل عقدين من الزمن فقط أمر طبيعي، وهو الدراسة في الولايات المتحدة ثم استقرار طويل في جامعاتها ومختبراتها، بدأ يتصدع لصالح العودة إلى الصين أو الانتقال إلى بلدان أخرى.

الصين مستمرة في جذب العلماء من كل بقاع الأرض (شترستوك)
ما حدث في واشنطن
مع بداية 2025 دخل ملف الهجرة في الولايات المتحدة مرحلة أكثر تشددًا على مستوى الخطاب والتنفيذ، ففي 20 يناير/كانون الثاني 2025 صدر أمر رئاسي بعنوان "حماية الشعب الأميركي ضد الغزو"، يغير عمليات تنفيذ قوانين الهجرة، ويربط الملف صراحة باعتبارات الأمن القومي والسلامة العامة.

هذا النوع من الأوامر لا يغير فقط نصوص القوانين، لكنه يغير مزاج الجهاز التنفيذي وسلوكه اليومي، وهو ما ينعكس سريعًا على شعور الباحثين الأجانب بالاستقرار، وعلى قابلية الجامعات لاستقدام المواهب دون خوف من تغير مفاجئ في القواعد.

وفي يونيو/حزيران 2025 اتخذ التشدد شكلًا أوضح عبر مسارين متوازيين، الأول هو توسيع التدقيق الأمني في تأشيرات الدراسة والتبادل، إذ أعلنت وزارة الخارجية أنها ستطبق تدقيقًا شاملًا يشمل النشاط الإلكتروني لجميع متقدمي تأشيرات الطلاب والتبادل الأكاديمي، ما يعني أن المراجعة لن تبقى محصورة في الوثائق الأكاديمية أو التمويل كما كان معتادًا، بل ستطال البصمة الرقمية أيضًا.

أما المسار الثاني، فظهر مع تقارير عن تجميد مؤقت لمواعيد المقابلات الجديدة الخاصة بتأشيرات الطلبة والتبادل في أواخر مايو/أيار 2025 ضمن التحضير لتوسيع فحص وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يعني أن هذه القيود لم تعد نظرية، بل لها علاقة مباشرة بالقبول الوظيفي.
ثم جاء تطور لافت في يونيو/حزيران 2025 كذلك مع إعلان قيود دخول وإصدار تأشيرات بحق رعايا دول معينة بذريعة قصور إجراءات التدقيق وتبادل المعلومات، بدأ سريان هذا الإجراء في 9 يونيو/حزيران 2025.

وفي 19 سبتمبر/أيلول 2025 صدر إعلان رئاسي يقيد دخول حاملي تأشيرة "إتش-1بي" القادمين من خارج الولايات المتحدة إلا إذا كان الطلب مصحوبًا بدفع 100 ألف دولارات ولمدة محددة.

تتيح هذه التأشيرة لصاحب العمل الأميركي توظيف أجنبي في "مهنة تخصصية" تتطلب عادة مؤهل جامعي أو ما يعادله من خبرة، هذه التأشيرة كانت أداة جذب للمواهب إلى الولايات المتحدة، والآن أصبحت مسارًا محفوفًا بمخاطر مالية وتنظيمية.

وإذا قررنا اختصار موقف الحكومة الأميركية في 2025 بجملة واحدة من زاوية السياسات الفعلية، فهو ببساطة تغليب منطق "الردع" و"الفرز الأمني" الصارم على منطق الجذب والانفتاح.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب (أسوشيتد برس)
أسباب للعودة
لكن الأمر لا يتوقف فقط على ما حصل مؤخرًا، بل له جذور عمرها أطول، ففي تحليل بحثي صادر من "مركز ستانفورد لاقتصاد الصين ومؤسساتها" يتتبع الانتماء المؤسسي للباحثين عبر منشوراتهم العلمية رصد الباحثون أن أكثر من 19 ألفًا من علماء الولايات المتحدة غادروها إلى دول أخرى، بما فيها الصين، بين 2010 و2021.

وجد التقرير أن نسبة من يغادرون ويتجهون إلى الصين ارتفعت من 48% في 2010 إلى 67% في 2021.

في هذا السياق فإن الصين لا تراهن على العودة لأسباب عاطفية، ولكنها تصنع هيكلًا لجذب العلماء يعتمد على تمويل أكبر وأسرع، ومكافآت مالية ومهنية مرتبطة بالمناصب، ومختبرات جديدة، مع مكانة اجتماعية أعلى للأساتذة والباحثين، ووفرة مساعدين ومتعاونين أكفاء.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة ما تزال الأكبر إنفاقًا على البحث العلمي والتطوير في 2021 بما قيمته 806 مليارات دولارات، لكن الصين باتت قريبة جدًا عبر إنفاق حوالي 668 مليارات دولارات في سبيل البحث العلمي والتطوير، هذا التقارب يجعل العرض الذي تقدمه الصين للعلماء في الخارج أكثر قابلية للتصديق.

من جانب آخر، كانت هناك دائمًا عوامل دفعت بالعلماء للخروج من الولايات المتحدة، واستنادا إلى استطلاع رأي أجري بين ديسمبر/كانون الأول 2021 ومارس/آذار 2022 على 1304 باحثًا من أصول صينية في الولايات المتحدة، وجد أن 72% منهم لا يشعرون بالأمان كباحثين أكاديميين، وأقل قليلًا من هذه النسبة فكر في مغادرة الولايات المتحدة.

جوهر الفكرة أنها تمنح طرقًا أسهل للدخول والإقامة في الصين لفئة محددة من "المواهب الشابة" في نطاقات العلوم والهندسة التكنولوجيا (الجزيرة)
نقطة فاصلة
هناك نقطة فاصلة في هذا السياق بدأت سنة 2018، مع تطبيق "مبادرة الصين"، وهي برنامج أطلقته وزارة العدل الأميركية عام 2018 ضمن قسم الأمن القومي، بهدف مكافحة ما تقول إنه تهديدات مرتبطة بالصين مثل التجسس الاقتصادي وسرقة الأسرار التجارية والقرصنة، مع توعية المؤسسات البحثية بمخاطر نقل التكنولوجيا.

مع الوقت، تعرضت المبادرة لانتقادات واسعة لأنها انحرفت نحو ملاحقة باحثين أكاديميين أكثر من ملاحقة قضايا تجسس فعلية، وخلقت صورة متحيزة ضد العلماء من أصول صينية بشكل خاص.

وتشير دراسة منشورة في دورية "يبي إن إيه إس" (PNAS) إلى أن المبادرة حققت علنًا مع نحو 150 عالمًا أكاديميًا ووجهت اتهامات جنائية لبضع عشرات منهم.

ومن ثم فهذا الأثر ممتد إلى الآن، ففي استطلاع لمجلة "نيتشر" في مارس/آذار 2025 لأكثر من 1600 باحث في الولايات المتحدة، أفاد نحو 75% منهم بأنهم يفكرون بمغادرة الولايات المتحدة بسبب تدهور البيئة البحثية في ظل إدارة الرئيس ترامب.

إذن فهذا القرار الفردي كان دائمًا سياسيًا بامتياز، يأتي مع تصاعد التوتر التكنولوجي والأمني منذ سنوات، وخطاب حماية المعرفة الحساسة الذي انتشر في الولايات المتحدة الأميركية، والذي دفع إلى تشديد الرقابة على التعاون والتمويل والعلاقات المؤسسية مع الصين.

إلى جانب ذلك، ومع تزايد الحديث عن قيود على الطلاب الصينيين في المجالات الحساسة، أصبح التخطيط المهني طويل المدى أصعب، وفضل الطلاب اتجاهًا ناحية الصين، ونتحدث هنا بشكل خاص للطلاب من أصول صينية.

الصين تصنع هيكلًا لجذب العلماء يعتمد على تمويل أكبر وسريعٍ (غيتي)
ما تفعله الصين الآن
في هذا السياق، فإن الصين مستمرة في جذب العلماء من كل بقاع الأرض، تأمل مثلًا تأشيرة الصين الجديدة المعروفة إعلاميًا بـ "تأشيرة كيه"، وهي فئة أضيفت إلى التأشيرات العادية في الصين، وجرى الإعلان عنها ضمن تعديلات تنظيمية على إدارة الأجانب، وبدأ العمل بها اعتبارًا من 1 أكتوبر/تشرين الأول 2025.

جوهر الفكرة أنها تمنح طرقًا أسهل للدخول والإقامة لفئة محددة من "المواهب الشابة" في نطاقات العلوم والهندسة التكنولوجيا، بدلًا من المسارات التقليدية التي غالبًا ما تضع شروطًا أصعب.

تتيح التأشيرة الانتقال إلى الصين من دون الحاجة إلى تأمين وظيفة قبل الوصول، بما يعني أن الباحث يمكنه دخول البلاد ثم البحث عن وظيفة من الداخل، هذا يزيل عائق البداية، والذي يمثل عادة مشكلة كبيرة لكل باحث.

هدف هذه التأشيرة ببساطة هو الدخول بقوة في سباق العلوم والهندسة، ومحاولة لاستغلال ما يمكن أن نسميه "الاضطراب الأميركي"، لاستقطاب أفضل المواهب عالميًا، مع ربط مباشر برغبة الصين في تعزيز تنافسيتها في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات وعلوم المواد المتقدمة.

ببساطة، ليست هذه التأشيرة الجديدة إلا أداة سياسة جديدة لتوسيع مخزون العقول الموهوبة داخل الصين بسرعة وفاعلية غير مسبوقة.

البذور التي أثمرت
يأتي ما سبق في سياق مهم، فقد تخطت الصين بالفعل الولايات المتحدة في عدد الأبحاث المنشورة سنويًا في نطاقات العلوم، وبشكل خاص فنحن نتحدث عن مؤشرات لا تقيس عدد الأوراق فقط، بل تقيس الحضور داخل مجموعة منتقاة من المجلات عالية التأثير.

هذا مهم، لأن عدد الأبحاث في العموم قد لا يكون مؤشرًا إيجابيًا، خاصة مع انتشار مصانع الأبحاث المفبركة حول العالم، والدوريات الضعيفة التي يمكن أن تقبل هذه الأبحاث.

أحد الأمثلة المهمة في هذا السياق هو "مؤشر نيتشر"، الذي يتتبع المساهمات في 145 مجلة عالية الجودة في العلوم الطبيعية وعلوم الصحة. وفي عام 2025، جاءت الصين في المرتبة الأولى عالميًا في هذا المؤشر، مع اتساع الفارق مقارنة بالولايات المتحدة.

من جانب آخر، يقيس فريق من العلماء حصة الدولة من الأوراق البحثية ضمن أعلى 1% عالميًا من حيث الاستشهادات، والاستشهادات هي "عملة" الوسط العلمي، فكلما تم الاستشهاد بمعدلات أكبر بورقتك البحثية، كانت "أثمن" بالمعنى الحرفي والدلالي للكلمة.

في تقرير بحثي لمؤسسة "سبرينجر نيتشر" (Springer Nature)، قُدرت مساهمة الأبحاث الصينية بنحو 27.2%، يعني أن أكثر من ربع الأبحاث المنشورة ضمن أفضل 1%، كانت صينية، مقابل 24.9% للولايات المتحدة للفترة نفسها.

هذا النوع من القياسات يظهر أن لحاق الصين بالولايات المتحدة ليس كميًا فقط، كما أشيع لفترة طويلة، بل يمتد إلى جزء مهم من الأبحاث العلمية.

أما على مستوى "رأس المال البشري العلمي"، تظهر قائمة "كلاريفيت" (Clarivate) المرموقة أن الولايات المتحدة لا تزال الأولى بعدد الباحثين شديدي التأثير حول العالم بنسبة 36.4% من القائمة، أما الصين فجاءت في المرتبة الثانية بنسبة 20.4%، مع ملاحظة أن حصتها تضاعفت منذ عام 2018.

الولايات المتحدة الأميركية لا تزال بالطبع في مركز صدارة إذا ما تحدثنا عن الابتكار العلمي، لكن ما يقلق واشنطن كبير، ويتعلق بالتسارع الشديد للصين في هذه النطاقات، وهو تسارع لا سبيل إلى إيقافه.
اجمالي القراءات 115
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق