مفهوم الخوف والرجاء في القرآن الكريم!

نسيم بسالم Ýí 2012-05-14


 

    لا يستقيم إيمانُ المَرءِ حتَّى يستَند على دِعامَتين اثنتين لا رُجحان لإحداهُما على الأُخرى... الخَوف والطَّمع! فإذا مال الإنسان لأيٍّ مِنهُما – ولَو قليلا -  سارَ إلى ربِّه مسيرَة عَرجاء، وخَبط في طريقِ السُّلوك إلى بارئِه خَبط عَشواء!

   يقُول تعالى: {وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف : 56].

ويقُول مُثنيا عَلَى الصَّادقين مِن عبادِه قُوّامَ اللَّيل في السَّجدَة: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [ 16].

   وكذا في الزُّمر: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} [الزمر : 9].

   مثالُ ما أقُول مِن عالَم الشَّهادة – رِجْلا الإنسان – فقَد خلقهُما الله لحكمَة بالِغة مُتساويتين تساويا عَجيبا حتَّى يتَّزِن قِوامُه ويستطيع السَّير بيُسر ومُرونَة؛ بل حتَّى يستَطيع أن يُهروِل ويَجري! ولَو قُدِّرَت لَه عاهَة في إحدَى ساقَيه بِأن زادَ طُول إحداها على الأُخرى فإنَّه سيتعرَّج وسيمَشي بصعُوبَة؛ ولرُبَّما احتاجَ إلى عُكَّاز يستعين بِه في خَطوِه! ناهيكَ عَن أن يُسرِع ويعدُو!

   لله المَثلُ الأَعلَى؛ هذا ما يحدُث تَماما لأيِّ إنسان غلَّب جانِب الخَوف على الطَّمع أو العَكس؛ فإنَّه سيجدُ كلَفَة في العبادَة وسينقطع لا مَحالَة في مُنتَصف الطَّريق! والشَّيطان اللَّعين همُّه أن يشُلَّ إحدَى الرِّجلين غير مُكتَرث  بِأيِّها سَقط الإنسان، المُهم أن يقعُد لَه الصِّراط المُستقيم ويُخذِّلَه عن مُتابَعة السَّير إلى الله! تَماما كمُصارِع "الجيدُو" يسعَى لِطرح خَصمِه أرضا لا يهمُّه بِأيِّ الرِّجلين وَقع!المُهم عِندَه أن يكسِب نِقاط المُباراة ويفُوز بالمَنازَلة! كذلِكم الشَّيطان يَفعَل بأوليائِه وقُرنائِه!

   هُنالِك مِن عبادِ الله مَن غلُبَ جانِبُ الخَوف عَندَه على الرَّجاء؛ وهُؤلاء إمَّا مُستَقيمون على أَمر الله أَو مُنحرِفُون!

فإن كانُوا مُستَقيمين فإنَّ ذَلك الخَوف يَخلُق لَهُم ضَربا مِن الوَسواس، والنَّظرة السَّوداويَّة إلى الحَياة الدُّنيا! فتجدُه لا يستَبشر بِعَمل صالح وفَّقَه الله إليه، ولا يُمنِّي نَفسَه بنَعيم الجنَّة، ويُبالِغ في جَلدِ ذاتِه وتتبُّع نقائِصِها وعُيوبِها، ويُحرِّم على نَفسِه طيِّبات أحلَّها الله، ويَمتَنع عن مُخالَطة النَّاس لأنّهُم فاسِقُون عُصاة في نَظرِه... وغَير ذَلك مِن الأَعراض التي إن استمرَّت لرُبَّما يُصابُ صاحبُها بمَرض عَقلي أو هَلوسَة؛ أو إنَّه ينقَلبُ إلى النَّقيضِ والعياذُ بالله انتِقاما لكَبتِه السَّابِق غير الفِطري!

   وأمَّا إن كانُوا مُنحَرفين فسيُلقيهِم الشَّيطان في حَبائِل القُنوط مِن التَّوبَة واليَأس مِن رَحمَة الله؛ وسيُزيِّنُ اللَّعينُ لَهُم أنَّ الله توعَّد على صغائِر الأُمور بالنَّار فكَيف بكبائرِها، ولا يقُول لُهم (خُبثا) أنَّ ذَلك مع الإصرار لا مَع التَّوبَة والإنابَة!

   فيلتَفتُ ذَلكم العاصي إلى نَفسِه، ويتأمَّل في ماضيه فإذا عَشرات الملفَّات تَدلِفُ إلى خَلدِه مِن قَتل رُبَّما وسَرِقة وزِنى وهَتك للأَعراض، وقائِمة طَويلَة مِن الكفَّارات وقضاء الصِّيام والصَّلوات؛ فيقُول لَه الشَّيطان كرَّة أُخرى: مِن أين تبدأ ومِن أين تَنتَهي في التَّصفيَة؟! هَل تطمَع أنَّك ستَحيا حتَّى تتُوب مِن كُلِّ هذا الرُّكام مِن الأوزار والسِّيئات؟! ألا تَرى أنَّ البعَداء والأَقربين قَد هجرُوك وأصبَحتَ عِندَهُم منبوذا مَطرُودا عَن المَجالِس؟! ولَو ابتَغيتَ نِكاحا ما زوَّجَك أحد!

   إذَن أنصحُك أن تَمضي في هذا الطَّريق إلى النِّهايَة فقَد بلَغتَ نُقطَة اللارُجوع، وأن تستَمتِع بِما بَقيَ مِن حياتِك (كَما نقُول بالعامية الجَزائرية: غير اهرَدها وزيد عليها) وَلاتَ حينَ مَناص! وشياطين الإنس أيضا يزيدُون لَه تقنيطا وتخذيلا؛ ورُبَّما تَجدُ بَعضهُم مِن رجال الدِّين وحُماة المُجتَمع وأصحابَ المناصِب؛ والمُقدَّمين في المَساجِد والله المُستَعان! كَم مِن شاب راح ضحيَّة أمثال هؤلاء؛ فخسر نَفسَه وخَسِره مُجتَمعُه!

   إلى هؤلاء الشَّاردين والسَّادِرين في غيِّهِم؛ القانِطين مِن العَودَة إلى رِحابِ الله؛ أُهدي هذه الآيَة الكَريمَة الجامِعَة؛ فهي البلسَم الشَّافي لما يحيكُ في الصَّدر مِن وساوِس: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55)}. الزُّمر

هَل مِن مُسرِف على وَجه الأَرض أشدَّ إسرافا مِن فِرعون؛ وهُو الذي يُذبِّح الأبناء ويستَحيي النِّساء؟!

{ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} [يونس : 83].

ومَع ذَلك فالله بِه غفُور رَحيم؛ بَعث لَه سيِّدَنا مُوسى وأخاه واعِظين مُذكِّرين لَعلَّه يتذكَّر أو يَخشى! وقَد كانَ قادِرا أن يلعنَه عَن رَحمتِه لَعنَة أبديَّة بعد أن فَعل فِعلتَه التي فَعل! فَكيفَ يسُوغُ لَنا تَقنيطُ عباد الله مِن رَحمَة الله وهُم أحياءُ يُرزَقُون؟! وفي نِعم الله سابحُون؟! والباري عزَّ وجل غفَّار غفُور يَغفِر الذّنوب مَهما عظُمت؛ ويَقبَل التَّوبَة عن الذُّنوب مَهما كثُرَت؟!

{وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ. وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [الشورى :25-  26].

* في الشِّق المُقابِل هُنالِك مِن النَّاس مَن غلُبَ عليه جانِب الرَّجاء؛ فأوقَعه الشَّيطان في مَرض خَطير لا يقلُّ خُطورَة عَن سابِقِه هُو مرضُ التَّزكيَة!

   تجدُه غَير مُكتَرِث بآياتِ الوَعيد التي تُجلجِلُ القُلوب وتُلهِب مشاعِر الخَوف والوَجل مِن عذابِ الله؛ بل إنَّه يستَمِع لَها ضِمن ما يستَمع من آيات الكِتاب، ولكنَّه يَشعُر وكأنَّها لا تَعنيه في قَبيل ولا دَبير! كُلُّها لليهُود والنَّصارى والمُشرِكين والمُنافقين؛ وأمَّا هُو فالجنَّة مضمُونَة في الفِردَوس الأَعلى مَع النبيين والصِّديقين والشُّهداء والصَّالِحين؛ وإذا لَم يدخُلها هُو فمَن يدخُلُها إذَن؟! وهَل قضيَّة دُخولِه إلى الجنَّة مَحل شك وارتياب أَصلا؟!

   تلفاه مُغترا بِظواهِر أعمالِه؛ مُمتنا بِها رُبَّما على عِبادِ الله؛ يخدَعُه بَريقُ تِلك الأُجور الفَلكيَّة التي تَزخَر بِها الرِّوايات (والله المُستَعان على ما يصفُون) على أعمال بسيطَة؛ فهيَ وإن صحَّت فلا تَنالُ صاحِبَها إلا بالتَّقوى والتَّوبَة النَّصُوح. ومَع تغلغل فِكر الميزان في الوَعي الإسلامي (عُموما) يبدَأ (مُستعينا بوَسواسِ الشَّيطان) في مقايَسَات ومُطارَحات؛ فيجدُ رصيدَه عاليا مِن الأُجور والحَسنات (حجات وعمرات؛ تهليلات وتسبيحات، صدقات وتبرُّعات...)؛ لا تُنقِصُ مِنه المَعاصي إلاَّ قليلا! فتهُون لَديه المَعصيَة بعد ذَلِك ويسهُل عليه اقترافُها؛ ولا يَرى التَّعدي على الأعراض وانتِهاك الحُرمات شَيئا ذا بال! يقُول لَك أحدُهم في تبجُّح وغُرور: ما عِندي مِن الحَسنات والأُجور يَكفيني ويَكفيك؛ كَم سيأخذُ منِّي الذين ظلَمتُهم في الآخِرة؟! سيأخُذون الكَثير وسيبقَى الكَثير! فلمَ أخافُ وأرتعد وأردُّ المَظالِم؟!

* أرأينا الآن كَيفَ يأتي الشَّيطان أولياءَه عَن الشِّمال وعَن اليَمين؟!

{قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ. ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف :16-  17].

   لقَد صدَق  إبليسُ - على أكثَر النَّاسِ- ظنَّه فاتَّبعُوه إلاَّ فريقا مِن المُؤمنين؛ وما ذَاك إلاَّ لبُعد ونأي عَن مَنبع الوَحي الصَّافي بكَوثرِه الثَّجاج الذي يُطهِّر العُقول من الزَّيفِ والخُرافَة؛ ويُطهِّر القُلوب مِن الشِّرك والمَعصيَة!

{وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [الأنعام : 26].

* إلى هُؤلاء المَغرُورين المُنتَفخين بِأعمالِهِم أُهدي قَوله تعالى إجمالا: {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم : 32].

وقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} [النساء : 49].

وتَفصيلا أبدأ مُستعينا بالله في استِعراض مَوضُوع الخَوف مِن خِلال بيان الله عزَّ وجل الشَّافي الذي لا يأتيه الباطِل من بين يَديه ولا مِن خلفِه!

* لَقد أمرَنا الله عزَّ وجل في كَثير مِن الآياتِ بالخَوف والرَّهبَة مِنه وخَشيتِه حقَّ الخَشيَة! فلا يَستقيم إيمانُ المَرء وصلاحُه وكفُّه عن الآثام إلاَّ إذَا كانَت مشاعِر الخَوف مُصاحِبَة لَه في كُلِّ أحوالِه بكفَّة مُتعادِلة مَع الرَّجاء والطَّمع كما صدَّرنا هذا المَقال. والخَوفُ الحَقيقي يُؤدِّي إلى التَّقوَى؛ وهُو المَقصَد مِن كُلِّ آياتِ الوَعيد في القُرآن العَظيم!

{فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} [قـ : 45].

{قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ. لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ} [الزمر :15-  16].

{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر : 23].

{وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} [الأعراف : 154].

{إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} [يس : 11].

   نُلاحِظ في الآيَة الأَخيرَة كيفَ أنَّ اتِّباع الذِّكر سبب للخَشيَة من الرَّحمن الرَّحيم عزَّ وجل! سُبحانَك ربِّي ما أدقَّ كلماتك!

وهذه بعض آيات فيها أَمر صَريح بالخَوف والرَّهب مِن جَنابِ الله عزَّ وجل!

يقول تعالى: {وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران : 175].

ويقُول: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [البقرة : 40].

ويقُول: {فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} [المائدة : 44].

* وهُنالِك آيات كثيرَة في القُرآن تَحصِر الجنَّة على الخائِفين؛ أمَّا أصحابُ الرَّجاء (الزَّائِد) فلا نَصيبَ لهُم أبدا!

{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن : 46].

{ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)} النازعات.

{وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ. وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد :21- 22].

{إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [الملك : 12].

{وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ. هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ. مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ}[قـ: 21- 33].

{جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ}[البينة : 8].

* وبعد هذه المُقدِّمَة أسيرُ وإيَّاكُم – إخواني القُرَّاء- في قافِلة مِن عباد الله المُتَّقين يُؤتون ما أتوا وقُلوبُهم وَجلَة أنَّهُم إلى ربِّهم راجِعُون!

{ إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61)} المُؤمنون.

   يستَحيلُ – والله – أن يُسارِعَ المرء في الخَيرات والقُربات إذا لَم يكُن خائِفا وَجِلا ممَّا فرَّط في جَنبِ الله؛ كثيرِ الاستِغفار والإنابَة إلى مَولاه! فإذا كانَ مُزكيا لنَفسِه فإنَّك تجدُه يقُول: القَليل مِن العَمل يَكفي! فلمَ تصديعُ الرَّأس بكثرَة المُراقَبة وألوان المُجاهَدة!

ولِذا نَجدُ صِفَة "قيام اللَّيل" مَقرُونَة في بيان الله عزَّ وجل بالخَوف والطَّمَع؛ ومَعلُومٌ مَا في قيامِ اللَّيل مِن قَهر النَّفس على مشقَّة تَرك النَّوم والفِراشِ الوَثير الدّ                افِئ، والقِيام بينَ يَدي الكَبيرِ المُتعال سُبحانَه وتعالى؛ فيستَحيلُ إذَن أن يُواظِب الإِنسان على هَذا الخَير إلاَّ أن كانَ شَديد الرَّهَب مِن جَنابِ ربِّه؛ خائِفا مِن عذابِه؛ وإلاَّ فإنَّه سينقَطع في وسَط الطَّريقِ ولا غَرو!

لننظُر إلى ذَانِكم الرَّجلين المَذكُورين في سُورة المائِدَة (ولا يبعُدُ أن يكُونا مُوسى وأخاهُ وهارُون) كَيف أنَّ خَوفَهُم مِن الله جَعلَهُم يستسهلُون أصعب الطَّاعات وأشق القُربات ألا وهِي القِتال! ونَلمَس في المُقابِل خَور وضُعف وقُعود أولئك الذين يَرون أنفُسَهم أبناءَ الله وأحباؤه!

{يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (23) قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25)} المائِدَة.

- إذا كانَ الإنسان خائِفا مِن ربِّه لَم تدعهُ نفسُه أن يَقع ولَو في أبسَط المُحرَّمات؛ وأمَّا إن لَم يكُن كذَلك طاوعته نَفسُه لاجتراحِ أكبَر المُوبقات؛ لنتأمَّل هتين الآيتين ولنستَشف المَعنى واضِحا مِن الجَمع بينهُما.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ} [المائدة : 94].

{مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ (51) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً (52) كَلَّا بَل لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (53)} المدثر.

* نبدَأ مسيرَنا في القافِلَة المُبارَكة بالمَلائِكة الكِرام البَرَرة؛ الذين لا يَعصُون الله ما أمَرهُم ويَفعلُون ما يُؤمَرُون! لا يستَكبرُون عَن عبادَتِه ولا يستحسِرُون! يُسبِّحُون اللَّيل والنَّهار لا يفتُرون! فرُغمَ تفانيهِم العَجيب في عبادَة الله وطاعَة أمرِه، والاستِسلام لحُكمِه مِن غَير اعتِراض ولا تعقيب؛ إلاَّ أنَّهُم مَع ذَلك دائمِو الخَوف مِن الله، شَديدُو الفَرق مِن بطشِه وجبرُوتِه!

يقُول تعالى بشأنِهم: { بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ. لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ . وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [الأنبياء :26- 29].

ويقُول في سُورة الرَّعد سُورة التَّسبيح: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} [الرعد : 13].

وفي النَّحل أيضا: {وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلآئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ. يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل : 49- 50].

سُبحانَكَ ربِّي يا عَظيم! ملائِكتُك الأَطهار الأنقياء يَخافُونَك ويَخشَون نِقمَتك وهُم مَن هُم في التَّسبيحِ والخُضوعِ لأمرِك، وتَدبيرِ ملكُوتِك! فكيفَ سيكُون خَوف عبادٍ ضِعاف مساكين مُقصِّرين مِن أمثالِنا لَم يبلُغوا مُدَّ أحدِهم ولا نصيفه؟! وأنَّى لحُشود كَبيرَة مِن العُصاة والفجَرة أن  يَسلمُوا مِن عذابِك؛ وقَد أمنُوا مَكرك؛ وركنُوا إلى خُيوط سَراب يظنُّون أنَّها تُنجيهِم مِن عذابٍ غَليظ؟!

لعَمر الحق إنَّه لَبون شاسِع بين المُستَوى الذي يُحدِّثُنا بِه وعَنهُ القُرآن وبينَ واقِع أكثَرِ المُسلمين!

   تجدُ الجماهير الغفيرَة تتفنَّنُ في مَعصيَة ربِّها؛ ولا تَدع بابا مِن أبوابِ الفِتنَة والإثم إلاَّ ولجَت فيه؛ ولا يُساورُها أدنى شَك في أنَّها ستكُون بِجوار المُصطَفى في غُرف مِن فَوقِها غُرفٌ مَبنيَّة؛ يشرَبُون مِن يَدِه الشَّريفَة شَربَة لا يظمَؤون بعدَها أبدا!

   يا حَسرَة على العِباد ما يأتيهِم مِن رَسُول إلا كانُوا بِه يستهزِئون! والاستِهزاءُ فُنون كَما أنَّ الجُنون فُنون! أم يقُولون شاعِر نتربَّصُ بِه ريبَ المَنُون؛ قل تربَّصُوا فإنِّي مَعكُم مِن المُتربِّصين!

* نُعرِّجُ على ابن آدَم الأَوَّل؛ وسُنبَهر مِنه كيفَ أنَّ خَوفَه مِن عذابِ الله ألجمَ نفسَه عَن المَعصيَة؛ رُغمَ سُنوحِ الفُرصَة أمامَه لِفعلِها؛ بل حتَّى وجَوازِ أن يَقتَرفَها رُبَّما!

{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [المائدة :27- 28].

   عِبرَة وأيَّة عِبرَة! كيفَ يَعيشُ الإنسان مُتَّقيا عابِدا بعيدا عَن المَعصيَة بشَيء واحِد؛ هُو الخَوف! ما أبعَد الذي يُزكِّي نَفسَه عَن التَّقوى والوَرع والتَّوبَة النَّصُوح! وما أنآه أيضا عَن قبُول الله لعمَلِه الذي يمُنُّ بِه على الله تَعالى!

{يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الحجرات : 17].

{وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ. وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} [المدّثر :6-  7].

* وهذا نبي الله إبراهيم الخَليل قاهِر الأَوثان؛ ومُحارِب الشِّرك والمُشرِكين؛ لا يَخافُ إلاَّ مِن خالِقه وبارِئه عزَّ وجل؛ ولا يَخشى أحدا إلا الله!

{وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ. وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ. الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام :80- 82].

ما يهُمُّنا مِن مواقِف حياتِه – عليه السَّلام- في موضُوعِنا؛ هُو  قصَّتُه وهُو يَبني الكَعبَة الشَّريفَة؛ لا أخالُ أنَّ هُنالِك قُربَة إلى الله أعظَم مِن هذا العَمل! فكُلُّ مَن طافَ بالبَيت مِن عهدِه إلى أن يَرث الله الأَرض ومَن عليها سيَكُون مِثلُ أجرِه في صَحيفَتِه هُو وابنُه!

فلَو كانَ يعيشُ بِفِكر كثيرٍ مِن النَّاس في هذا العَصر واستَعظَم عَملَه ذَاك ورآه شَيئا كَبيرا؛ لألقَى الدِّثارَ على وَجهِه وغطَّ في نَوم عَميق! ولَكن لنستَمع القصَّة مِن لدُن حكيم خَبير؛ لا زيادَة فيها ولا مُبالَغة!

يقُول تعالى وهُو يَنقُل إلينا المَشهَد بصيغَة المُضارِع حتَّى نتفاعَل مَعه؛ وتَحيا قُلوبُنا ببيِّناتِه؛ ولا يكُون شبيها بأساطير الأَوَّلين كَما هُو دَيدَن كثير مِن المُسلِمين – والعياذُ بالله – مَع كِتاب ربِّهم.

   {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة :127-  128].

- سيِّدُنا الخَليلُ وهُو يَبني الكَعبَة تتضوَّعُ في جَوانِحِه مشاعِر الرَّهَب والخَوف مِن ربِّه رُغمَ اتِّخاذِ الله خَليلا ومُقرَّبا! فتَجدُه لِذلك يُظهِر افتِقارَه لربِّه و يُكثِر مِن الدُّعاء والتَّضرُّع أن يَقبَل الله مِنه عملَه؛ ويَجعلَه مُسلِما هُو وذُرِّيتُه؛ وأن يتُوبَ عَليه!

خَليلُ الرَّحمن لَم يَضمَن بعدُ كَونُه مُسلِما! وأكثَر مِن ذَلك يبكي لخالِقه في سُورة الشُّعراء أن يُلحِقُه بالصَّالِحين؛ وأن لا يُخزيهِ يَوم يُبعَثُون؛ ونَحنُ نَقرَأ في كِتاب الله أنَّ الخِزي والسُّوء يَوم القيامَة للكافِرين! يَعني أنَّ سيِّدَنا الخَليل لَا ضَمانَة لَه بعدُ أنَّه قَد خرَج مِن زُمرَة الكافِرين!

لا أملِك تَعليقا على هذه المَواقِف مِن ذَلِكم العَبد الأوَّاه المُنيب إلا أن أقُول: صَدق الله: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفسَه}[البقرة : 130].

   هذه هيَ ملَّة إبراهيم الحَقيقيَّة التي نَحتاجُ أن نُحييها في نُفوسِنا وفي النَّاس! كَفانا شِعارات وكَفانا أوهاما! لقَد شوَّه الدِّينَ أبناءَه بِروايات وأماني حتَّى غدا كدينِ أهل الكِتاب لا يَفتَرِق عَنه في قَبيل أو دَبير!

 ما أحوَجَنا إلى العَودَة بجديَّة - وقَبل أن نُسامَ بعَذاب أليم- إلى المِشكاة الصَّافيَة التي حَفظَها لَنا ربُّنا سالمَة مِن الزِّيادَة والنُّقصان؛ ونَلقي الخُزعبَلات والطُّرَّهات وراءَنا ظِهريا! إلى مَتى تستَولي على عُقولِنا الأقاصيص والخُرافات وأفكار البَشر؟! إلى مَتى وكِتاب ربِّنا قَد احكِمت آياتُه ثُمَّ فُصِّلَت مِن لدُن حَكيم خَبير؟!

{وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً} [الفرقان : 30]... حقا والله لَقد اتَّخذوه اتِّخاذا!

* ولنَأتِ إلى حَبيبِنا المُصطَفى لنجدَ أنَّه لَم يَحِد عَن سَنن أبيه إبراهيم قيدَ أُنملَة؛ فالمَنهَج هُو المَنهَج! والطَّريق السَّالِك هُو الطَّريق!

{أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً}[الإسراء: 57]... إشارَة إلى أنبياء الله ورُسلِه جَميعا عليهم أفضَل الصَّلوات وأطيَب الدَّعوات!

{وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنعام : 115].

- لقَد بيَّن لَه خالِقُه العَظيم مَنهجَ ذِكره وتسبيحِه فامتَثل وأذعَن فكانَ نِعم العَبد صَلوات ربِّي وسلامُه عليه!

{وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف : 205].

أجل! ذِكر بمشاعِر الافتقار والخَوف (تضرعا وخيفَة) هُو الذي يُثمِر العُبوديَّة الحَقيقيَّة لله، وينأى بالإنسان عَن الغفلَة والنِّسيان! أمَّا الذِّكر المُصطَنَع وتقليب حَجرات المَسبَحة في الأيادي والقُلوب لاهيَة فلا قيمَة لَه، ولا يَزيدُ الإنسان إلاَّ غفلَة وضَلالا لأنَّه أشبَه بالمسرحيَّات والتَّماثيل؛ وفيه مِن الاستِهزاء بالذَّات العليَّة ما فيه!

- هذا الذِّكر المُتواصَل بالغُدو والآصال هو الذي أجَّجَ مشاعِر الخَوف في نَفس المُصطَفى (عليه السَّلام) فكانَ يَخافُ مِن عصيانِه ويَفرَقُ مِن مُخالِفَة أمرِه! وقَد نَقلَ الله لَنا شهادَته على خَوفِه مِن ربِّه في ثلاث آيات بِنفس الصِّيغة تقريبا!

{قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأنعام : 15].

هذه هيَ سُنَّة النبي (ص) الحَقيقيَّة لمَن أرادَ أن يترسَّمَها؛ وهذا سبيله لَمن أرادَ أن ينصُره حقيقَة لا عاطِفة! كَما كانَ عهدُ الرَّعيل الأَوَّل مِن أصحابِه عليهِم السَّلام الذين اصطَبغُوا بِصبغَة القُرآن الحق قَبل أن يدخُله الدَّخيل؛ يُروَى عَن أحدِهم (وهُو الفاروق عُمر رضيَ الله عنه) قوله: لَو أنَّ بغلَة عثرت بأرضِ السَّوادِ لخِفتُ أن يسألَني الله عَنها لِمَ لَم تُمهِّد لَها الطَّريق يا عُمر؟! ولمَّا حَضرتهُ الوَفاة أمَر أولادَه أن يضعُوا رأسَه على التُّراب قائلا: لعلَّ الله ينظُر إليَّ فيرحَمني رُغمَ كُلِّ ما قدَّم وأبلى في سَبيلِ إعلاءِ كلمة الله والذَّب عَن حياضِ دينِه!! هكذا فلنكُن أو لا نكُون!

* ولنأت الآن إلى عبادٍ لله تَعالى ليسُوا بأنبياءَ ولا مُرسَلين؛ ولَكن اتَّبعُوا سَبيلَهُم واقتَفوا مَنهجهُم؛ يُؤتون ما آتوا وقلوبهم وَجلَة أنَّهُم إلى ربِّهم راجِعُون!

{ إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61)} المُؤمنون.

- فهؤلاءِ رِجال بَررَة لَم تُقعِدهم نَزواتهم مَع القيلِ والقال، والمَجالِس الفارِغة؛ بل إنَّهُم يَقضُون غُدوَّهم وآصالَهم في بيُوت الله مُسبِّحين ذاكرين! لَم يكُونوا كذلِك إلا لمشاعِر الخَوف التي تِملأ وُجدانَهم وتُسيطِر على كيانِهم!

يقُول تعالى بشأنِهم: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ. رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ. لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [النور :36- 38].

- وهُؤلاء أصحاب الخِصال الرَّفيعَة في سُورة المَعارِج؛ الذين هُم في جنَّات مُكرمُون وفي الرَّوضات يُحبَرون! مِن أخصِّ صِفاتِهم الخَوف وعَدم تزكيَة النَّفس!

لنستبصِر بنُور هذه الآيات البيِّنات: {إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ (24) لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ (35)} المَعارِج.

- وهُؤلاء الأبرار في سُورة الإِنسان الذين يُوفون بالنُّذور ويُنفقون أموالَهم سحَّاءَ بالغُدو والبُكور؛ لَم يمنعهُم مَعرُوفهم أن لا يخافُوا مِن يَوم البَعثِ والنُّشور!

يقُول تعالى في تِلك السُّورة الكَريمَة: { إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً (5) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً (9) إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً (11) وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً (12)}.

- وهؤلاءِ أيضا صَفوَة الله مِن عبادِه في سُورة الرَّعد تتلقَّاهُم ملائِكة الرَّحمن بالحَفاوَة والتَّرحيب؛ يدخُلون عليهِم مِن كُلّ بابٍ سلام عليكُم بما صَبرتُم! كيفَ كانُوا في الدُّنيا؟! لنستمع إلى بيانِ الله فليسَ فوقَه بيان؛ وإنَّه ليعلُو ولا يُعلى عَليه! أعلاه لمُثمِر وأسفلُه لمُغدِق!

 {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ (23) سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24)}.

- أليسَ طريقُ الجنَّة الآن واضِحا مُبينا؟! فلمَ التَّعميَة وتلبيس الحَقائِق والجَعل مَع هذا الكِتاب كُتبا أُخرى تقُول غيرَ ما يقُول؟! ألا نَخافُ أن نكُون مِن الذين بَدا لَهُم يَوم القيامَة مِن الله ما لَم يكُونوا يَحتسبُون؟!

* في نِهايَة مَطافِنا الشِّيق المُمتِع مَع هذه الآيات البيِّنات نتساءَل: وهَل يبقَى الإنسان خائِفا إلى ما لا نِهايَة مِن الزَّمن؟!

الجَواب لا: فالخَوفُ مقصُور زمنُه على الدُّنيا فقَط! فما إن تَأتي مَلائكة المَوت لذَلكم الإنسان المُتَّقي الخائِف الوَجِل حتَّى يُبشَّر بمصيرِه السَّعيد؛ فلا يَبقَى لَه بعدَ ذَلِك إلاَّ الطَّمع ورَجاء رَحمة الله بنسبَة (100%) بعد أن كانَ يعيشُ دَوما (50% خَوف- 50% طَمع) ! فضلا مِن الله ونِعمَة!

{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} [فصلت :30- 31].

{يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ. يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الزخرف :68-  71].

{وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْماً وَلَا هَضْماً} [طه : 112].

{ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْساً وَلَا رَهَقاً} [الجن : 13].

* فاللهم ارزقنا عِلم الخائِفين مِنك وخَوفَ العالمين بِك إنَّك سَميع قريبٌ مُجيب.

{وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأنعام : 51].

والحَمد لله ربِّ العالمين

اجمالي القراءات 20987

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2012-01-12
مقالات منشورة : 53
اجمالي القراءات : 715,690
تعليقات له : 9
تعليقات عليه : 27
بلد الميلاد : algeria
بلد الاقامة : algeria