كارثة القطيعة العربية لمدنية العالم وحضارته

د. شاكر النابلسي Ýí 2010-10-12


هناك علاقة وثيقة للقطيعة الحضارية والمدنية لأية أمة مع أية أمة أخرى نتيجة لاشتداد التعصب الديني. وفي هذه الحالة تكون القطيعة الحضارية في أسوأ حالاتها، حيث يكون الصراع بين الأمم وحضاراتها صراعاً عقائدياً. ومن هنا، يصعُب أن يتنازل أي طرف للطرف الآخر، حيث يعتبر كل طرف من الأطراف المتنازعة، أو المتصارعة أن ما يعتقده هو الحق والصواب، الذي لا يأتيه باطل.

-2-

ولكن، شكراً للعلم الحديث وأ&Igravg;أجهزة الاتصالات الحديثة التي وفرها هذا العلم، والتي ساعدت - كما لم يسبق ذلك – على تقارب وتفاهم الشعوب، وتقريب المسافات بين الشعوب، وحدّت - إلى درجة كبيرة - من القطيعة بين الشعوب. فيما انحصرت هذه القطيعة بين فئات دينية متشددة فقط. ثم انكمشت هذه القطيعة، من الفضاءات العامة والمنابر السياسية، إلى داخل دور العبادة المختلفة، وظلت محصورة بين جدران هذه المعابد. وربما كان السبب أيضاً في هذا الانكماش ما يؤكده كثير من الباحثين والمفكرين كمُطاع صفدي المفكر السوري/الفرنسي في كتابه "نظرية القطيعة الكارثية" من أن "المجتمعات المدنية تتولى في العصر الحديث ريادة الانفتاح على بعضها، ومد جسور التعارف ما بين قواعد الأهرامات الدولية القائمة." وهذا – رغم الإنكار الشديد من الكثيرين – من "بركات" العولمة الاقتصادية التي أطلقت الشركات العابرة للقارات، وأزالت الحدود والسدود بين الدول والشعوب، حيث خفَّ الشعور بالقطيعة، والكوارث المتسببة منها.

-3-

لقد لفت نظري كثيراً، ما قاله الأستاذ علي بن سعد الموسى، في الأسبوع الماضي، في "الوطن" (13/9/2010) في مقاله بعنوان "نحن والرموز: ثلاثة يهود وخمسة عرب"، وهو المقال الذي كان هدفه وغايته، تنبيهنا بحرص وذكاء شديدين، إلى أن القطيعة الحضارية، هي الكارثة المُحققة لنا، ولأية أمة تسير في هذا الطريق الموحش، وخاصة عندما تكون هذه القطيعة بفعل إنكار علم وعطاء رموز كبار، والاستكبار على عطائها ومساهمتها في الحضارة الإنسانية جمعاء، وهو ما عبَّر عنه الدكتور الموسى بقوله في بداية مقاله، من أن " أية ثقافة تحترم نفسها، فإن مثلهؤلاء (الرموز الحضارية الذين ذُكروا في المقال من عرب وعجم) يجب أن يكونوا موضعاً للاتفاق والاختلاف البناءين، وأن يكونوا قصة نقاش وجدالمثمرين، من أجل الوصول إلى الحقائق المنشودة."

-4-

إن نداء الدكتور الموسى الحضاري، لن يُلبى إيجابياً إلا إذا تمَّ تغيير المناهج الدراسية المدرسية والجامعية في العالم العربي عامة، بحيث تصبح مثل هذه الرموز الحضارية من عرب وعجم، مادة للدراسة والبحث وترسيخ الوعي الثقافي الإنساني، في مدارك الطالبات والطلبة. فمن الملاحظ الآن، أن الشعراء الحداثيين العرب لا يُدرَسون في مدارسنا، ولا في جامعاتنا، كما أن فلاسفة العرب القدماء والمحدثين، وكذلك فلاسفة الإغريق والأوروبيين لا يُدرَسون، ولا تعرفهم طالباتنا، كما لا يعرفهم طلابنا في المدارس والجامعات، إلا من قرأ عنهم في مقال عابر، أو شاهد لهم كتاباً – ولم يشتره- في معارض الكتب السنوية. كما أن الحديث عن هذه الرموز من العرب والعجم في الإعلام الخليجي عامة، من غير المحبب غالباً، لمخالفتهم الإيديولوجيا المتوحدة السائدة. وإن تجرّأ كاتب، وتحدث عن فكر مثل هؤلاء الرموز، راح المفسرون، والمبشرون، والمتصيدون، يكيلون للكاتب ولما كتب، شتى التُهم المضحكة.

إذن، فالإعلام  -حتى ولو قام بواجبه على أكمل وجه، وبكافة وسائله-  لن يستطيع أن  يُحيي هذه الرموز التي حولنا في الثقافات الأخرى، كما لن يستطيع إحياءرموزنا الثقافية القديمة والحديثة.

-5-

بوادر القطيعة بين العرب والعالم، اشتدت وطفت على السطح بعد كارثة 11 سبتمبر 2001، وإعلان قيادة الإرهاب متمثلاً بتنظيم "القاعدة" الإرهابي، أن العالم أصبح فسطاطين: "فسطاط الكفر"، و"فسطاط الإيمان". وتمَّ تبني هذا الخطاب دينياً، من قبل أصحاب المصلحة الضيقة، في هذا الخطاب المتشدد والمتشنج. واتخذ أعداء الإسلام في الغرب هذا الخطاب حجة وحاجة لتبرير خطاب القطيعة مع الإسلام وحضارته، وبالتالي مع المسلمين، كما يحدث الآن.

ولكن مُطاع صفدي في كتابه المهم عن "نظرية القطيعة الكارثية"، يلفت نظرنا إلى نقطة مهمة، وهي أن مفهوم القطيعة، يجب أن لا ينطبق على ما ادعته إدارة بوش من الانفصال بين عالم ما قبل 11 سبتمبر، وعالم ما بعد هذا التاريخ.

-7-

إن المعضلة الكبرى في العالم العربي انتفاء الحوار والنقاش. فالحقيقة لا يمكن الكشف عنها، والتوصل إليها إلا عن طريق الحوار والجدال. فالحقيقة هي صوت الجماعة، وليست صوت الفرد الأحادي. والرأي لا يُعرف إلا بالرأي الآخر. ويظل الرأي في صدور الأفراد ساكناً، ما لم تُتح له فرصة الظهور، نتيجة الاحتكاك بالرأي الآخر. ومن هذا الاحتكاك، تخرج شرارة الحقيقة التي يَقدحُ شررها حجرا الرأي والرأي الآخر. وبدون هذين الحجرين (الرأي والرأي الآخر) لا يخرج شررُ الحقيقة، ولا يظهر نور المعرفة. وكما قال الفيلسوف الألماني المعاصر يورغن هابرماس Habermasفي كتابه "الأخلاق والتواصل"، المشترك مع الفيلسوف الألماني الآخر كارل آبل Apple، فإن "الحوار هو الذي يكشف حدود التفاهم، بقدر ما يدفع بالمتحاورين إلى الإدلاء بما لديهم من الحجج والحجج المضادة." وبالحوار يتم التواصل، وبالتواصل تبزغ المعرفة.

فالرأي فردٌ واحد، والمعرفة جماعة

اجمالي القراءات 8921

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-01-16
مقالات منشورة : 334
اجمالي القراءات : 3,556,508
تعليقات له : 0
تعليقات عليه : 361
بلد الميلاد : الاردن
بلد الاقامة : الولايات المتحدة