الجمعيات السلفية فى مصر : مسجد العزيز بالله، ود . جميل غازى

آحمد صبحي منصور Ýí 2017-07-20


كتاب : نشأة  وتطور أديان المسلمين الأرضية.  ج 2 الوهابية

الباب الخامس : السلفية الوهابية فى مصر

الفصل الرابع : الجمعيات السلفية فى مصر : مسجد العزيز بالله، ود . جميل غازى

 أولا : حى الزيتون ومسجد العزيز بالله

1 ـ حىّ الزيتون من أهم مناطق تجمع المسيحيين بالقاهرة ، وسكانه ينتمون الى الطبقة الوسطى ، وكان يخلو من مسجد كبير جامع .  أيضا كان يسكن فى الحى الشيخ عبد الحليم محمود اشهر الصوفية فى مصر ( 1910 : 1978 ) ، والذى أصبح شيخا للأزهر فى عصر السادات فيما بين :( 1973 : 1978 ). . لذا خطّط الوهابيون السلفيون من أنصار السنة الى تأسيس مركز سلفى وهابى قوى يواجه المسيحيين فى الحى بل وفى القاهرة ومصر ، ويواجه الصوفية أيضا .

2 ـ بالأموال السعودية والخليجية تم تأسيس مسجد ( العزيز بالله ) فى شارع العزيز بالله ، بجوار بيت الشيخ عبد الحليم محمود ، وبالقرب منه واحدة من أكبر الكنائس فى مصر كلها . وتعيّن إماما للمسجد الشيخ محمد جميل غازى ، أفصح خطيب فى عصره ، وبفصاحته ودروسه فى ( التفسير ) فى خطبة الجمعة إحتل مسجد العزيز بالله المكانة التى كان يحتلها مسجد الشيخ عبد الحميد كشك ( 1933 : 1996 ) فى حى حدائق القبة بالقاهرة . جدير بالذكر أن السادات منع الشيخ كشك من الخطابة عام 1981 .

3 ـ منذ إنشائه عام 1968 أحدث مسجد العزيز بالله تغييرا هائلا فى حى الزيتون وفى القاهرة وفى مصر بأسرها . اصبح حىّ الزيتون معقلا للوهابية ومركزا لنشر الوهابية من كتب وصحف وشرائط ، وراجت فيه تجارة السواك والعسل الجبلي وبول ولبن الإبل و القباقيب والبخور والحجامة والزى السلفى من الجلباب الأبيض القصير للرجال، وإسدالات ونقاب وجوارب وقفازات كلها باللون الأسود للنساء ،كل هذا بفصاحة محمد جميل غازى ، وأشرطته التى إنتشرت فى مصر وخارجها تنافس أشرطة الشيخ كشك .

4 ـ كان المسجد يضم قسمين أحدهما للرجال وآخر للنساء، يشمل مستشفيا كبيرا من عدة طوابق وجمعيات لمساعدة الأسر الفقيرة وغيرها من الأعمال الخيرية، التى تقوم إدارة المسجد بتوصيلها للأسر المحتاجة.. وتؤكد إدارة المسجد أنها تنفق أموالها على مساعدة الفقراء والمحتاجين بعد أن تتلقى تبرعات الأغنياء على حساب رقم 66162 فى بنك فيصل الإسلامى- فرع روكسى ( مصر الجديدة ) ، وهناك تبرعات عينية مباشرة . أما ساحة المسجد الداخلية فواسعة للغاية، وهى تمتلئ بأكثر من ألفى شخص فى صلاة الجمعة وغيرها من الأيام التى تقدم فيها دروس دينية.

5 ــ تطور الأمر ليتحول من مجرد مسجد إلى مؤسسة تعنى بنشر الفكر السلفى والدعوى فى مصر تضم عدداً من المؤسسات الأخرى، منها اللجنة الشرعية التى تتكون من نخبة من علماء السلفية ، ومعهد علوم القرآن والسنة، يقوم بإعداد الدعاة وتخريجهم لنشر الفكر السلفى، ويقوم بالتدريس بالمعهد نخبة من أساتذة الأزهر السلفيين ، كما يقوم المركز بتنظيم مؤتمر سنوى ( إسلامى) ، وقام المركز بإنشاء قسم خاص للإنترنت، لنقل المحاضرات والمؤتمرات التى تعقد بالمركز،بالصوت والصورة على الهواء. كما يضم المركز مكتبة صوتية تحتوى على العديد من الشرائط المسجلة بالمسجد للدعاة، كما يشتمل كذلك على مكتبة مرئية تحوى العديد من شرائط الفيديو واسطوانات الليزر، وكذلك يضم المركز مكتبة مقروءة تحوى العديد من الكتب التى يحتاج إليها طلبة العلم فى جميع المجالات الشرعية. استطاع المسجد تخريج مجموعة كبيرة من دعاة السلفية ومنظريها ممن كانوا يعرفون بمشايخ الكاسيت قبل أن يتحولوا إلى الفضائيات مثل محمد حسان و أبوإسحاق الحوينى . أول من تأثر بهذا الفكر كان هو نجل مؤسس المسجد محمد جميل مغازى الذى أدين فى قضية أندية الفيديو الشهيرة.  وبسبب مسجد العزيز بالله فى الزيتون تحولت الأحياء القريبة منه الى مراكز للإرهاب ، خصوصا أحياء المطرية وعين شمس والزاوية الحمراء والقصيرين وشبرا الخيمة حيث مسجد الفتح الذى كان الإمام فيه عبد البديع غازى ابن عم جميل غازى .

5 ـ بعد موت جميل غازى عام 1988 حرص الوهابيون على إستمرار المسجد فى دوره فتعاقب على إمامته أشهر الدعاة السلفيين من عمر عبد الرحمن الى محمد حسان ويعقوب ، وبهم أصبح مسجد العزيز بالله أكبر تجمع سلفى فى القاهرة الكبرى ، وقائدا للمراكز السلفية الأخرى فى مصر.

ثانيا : د جميل غازى :

1 ـ محمد جميل غازى مولود عام 1936 فى قرية كفر الجرايدة بمحافظة كفر الشيخ ، وإشتهر فى شبابه بميوله الأدبية والشعرية فى المعهد الأحمدى الأزهرى فى طنطا ، وبسبب فصاحته فى الخطابة تلقفته جمعية أنصار السنة وجمعية الشبان المسلمين . وفي عام 1959م انتقل محمد جميل غازي إلى كلية اللغة العربية جامعة الأزهر بالقاهرة،وحصل على الليسانس عام 1963 ، وعمل موظفا بوزارة الثقافة ، وحصل على الماجيستير ثم الدكتوراة فى الآداب فى كلية اللغة العربية عام 1972 . قام بنشر بعض الكتب التراثية لابن تيمية وغيره بنفس طريقة الشيخ حامد الفقى . مجرد تعليقات ساذجة لا تعكس ثقافته السلفية ، كما أصدر بعض المؤلفات عن القرآن وعن الصوفية . وظل محافظا على وظيفته فى وزارة الثقافة برغم عدم إنتظامه فى الحضور ، ووصل الى درجة كبير الباحثين فى المجلس الأعلى للفنون والآداب .  

2 ـ شهرة د جميل غازى تتركز فى فصاحته فى الخطابة و( التفسير ) الذى وصل به الى سورة القارعة ، وإشتهر أيضا بالهجوم على الصوفية ، برغم علاقته الطيبة بالشيخ عبد الحليم محمود ، حاره فى المسجد وفى السكن أيضا .  

ثالثا : معرفتى بجميل غازى

1 ـ إقتربت من د جميل غازى فى أعوام ( 1977 : 1979 ) كنتُ مدرسا مساعدا فى قسم التاريخ كلية اللغة العربية بالقاهرة ، أخوض صراعا ضد الصوفية وزعيمهم شيخ الأزهر عبد الحليم محمود الذى كان مع أتباعه الصوفية داخل جامعة الأزهر يضغطون علىّ لتغيير ما أكتب فى رسالة الدكتوراة ( اثر التصوف فى مصر العصر المملوكى ) لتكون مدحا لأولياء التصوف بدلا من نقدهم وتحليل أقوالهم وتاريخهم . وكنت أعيش فى حىّ المطرية ، وتصلنى أخبار جميل غازى وهجومه على الصوفية . قرأت ما كتبه جميل غازى عن الصوفية فوجدته سطحيا ، لا يختلف كثيرا عن اللهجة الخطابية للشيخ عبد الرحمن الوكيل ، مع ما لهما من الريادة فى الهجوم على التصوف والتعامل المباشر مع بعض كتب التصوف . رأيت أن إتصالى بجميل غازى يفيده ويفيدنى ، فلنا خصم مشترك وهو الصوفية ، وكنت وقتها سنيا معتدلا ، لا أرى باسا بالأحاديث طالما لا تتعارض القرآن الكريم . مأ قوله هنا هو شهادة سأكون مسئولا عنها يوم القيامة أمام الواحد القهار .

2 ـ كان جميل غازى مثل الراحل فرج فودة فى ميوله الأدبية والعبقرية فى إجتذاب الناس بالكرم وحُسن العشرة وحلاوة الحديث . كان لجميل غازى شلّة ( مجموعة) من الأصدقاء المقربين ، أصبحت منهم وقتها ، وكنا نجتمع معه فى بيته القريب من مسجده وفى مكتبه داخل مسجده . فى هذه الجلسات ترى فيها جميل غازى الانسان المختلف تماما عن جميل غازى السلفى الخطيب . فى الجلسات الخاصة يختلف الحديث ، وتصبح الجلسة جلسة أدبية لا تخلو من الفرفشة والنكات والتدخين ، والبطل هو جميل غازى الذى كان من الحكائين .

3 ــ كانت تمر أوقات الصلاة فأقوم للصلاة وهو لا يتحرك ، ولفت نظرى أنه لا يذهب للمسجد إلا فى صلاة الجمعة حيث يؤدى خطبته الشهيرة . وسألته مرة ( لماذا لا تصلى ؟ ) ورد بكلمة أضحكتنى سنوات ، قال (أنا مصلحة).النكتة يفهمها أبناء جيلنا. قوله :(مصلحة) يشير الى ( مصلحة ) النقل العام فى القاهرة، والتى كانت تعطى الحق للموظفين فيها بالركوب المجانى . وبينما ندفع نحن الركاب اجرة التذكره فإن الموظف بالمصلحة يكفى أن يقول للكمسارى ( مصلحة ) أى إنه يعمل فى ( المصلحة ) ليعفيه من دفع التذكرة . هنا نكتة جميل غازى التلقائية ، هو لا يصلى لأنه تابع للمصلحة بل رئيس المصلحة وهو المسجد الذى يصلى فيه الناس .

4 ــ من هنا نفهم شخصية جميل غازى ، فهو محترف سلفية ، وليس سلفيا فى حقيقته ، يؤكد هذا شخصيته الأدبية ، وهوايته الشعر وتخصصه الأدبى . غاية ما هناك أنه بفصاحته الفذّة وجد طريقا للثراء والشهرة ، وهو إلقاء خطبة الجمعة الاسبوعية ، التى أبهر بها الناس ، فكان له منهج ( فى التفسير ) ( الأدبى ) مختلفا عن التفسيرات السلفية المُغرقة فى الخرافات والتخريجات النحوية والتشنجات العصبية الحنجورية .

إمتاز جميل غازى أيضا ب ( تحرره ) الأخلاقى ، ولم يكن فيه هذا النفاق الذى يغلب على الدُّعاة السلفيين الذين يكتمون إنحلالهم الخلقى الطبيعى والشاذ ، يزايد بعضهم على بعض بمظاهر التقوى . لم يكن جميل غازى يتحرج من الحديث عن مغامراته العاطفية وزواجاته السرية . وقال لى مرة إنه يعرف المأذون الذى قام ــ سرا ــ بتزويج عشرات النساء للشيخ عبد الحليم محمود ، وكأنه قال هذا ليبرر المرات القليلة التى فعل فيها هذا الفعل .

5 ـ تبسطه مع أصدقائه وكرمه أطمع فيه كثيرين . منهم رجل من أبناء الحى أطلق لحيته وصار ملازما لجميل غازى ، ومسئولا عن التمويل . وعجبت حين طُلب منه دفع مبلغ معين فأخرج رزمة أموال كبيرة من جيبه ، وأعطى منها المبلغ المطلوب ، بلا سؤال أو إستفهام وبلا كشف حساب . بعدها ظهرت إختلاسات هذا الرجل ، وبإقتراح من جميل غازى إكتفى مجلس الادارة بطرده وعدم مساءلته عما سرق ، مما جعل الشبهات تحيط بجميل نفسه ، وجعل بعض أهل الحى يتساءلون عن مصدر البذخ الذى يعيش فيه . جدير بالذكر أن ملايين التبرعات والتمويلات التى تنهال على الجمعيات والمساجد والمراكز الدينية يغوص معظمها فى الجيوب العميقة للشيوخ الأفاضل .

5 ـ بتبسطه وحلاوة معشره إكتسب صداقة مخبر أمن الدولة الذى كان لا يفارق مجالسه ، وإكتسب صداقة ضباط أمن الدولة فى ( لاظوغلى ) وقتها ، كان يؤرقهم دعوته السلفية وتأثيرها فى تحويل الشباب السلفيين الى مربع الارهاب . كان لجميل غازى منزلة عندهم فلم يتعرضوا له بأذى ـ رغم ذلك ، وربما أيضا لأن الصدام معه يعنى ثورة يشعلها آلاف السلفيين المتشددين . وكان من ناحيته ( متعاونا ) معهم بالقدر الذى يوازن فيه بين زعامته وسلامته . وأذكر أنه أراد أن يترشح نائبا لمجلس الشعب ، فذهب يستشير أمن الدولة . وصحبته مع بعض أصدقائه ، وأذكر أننا جلسنا فى الشارع المقابل تحت لظى الشمس حتى سمحوا لجميا غازى بالدخول ، وقابلهم ،ورجع بالرفض .

6 ـ لم أستفد من جميل غازى فى معركتى مع الأزهر أثناء الاضطهاد فى أعوام ( 1977 : 1980 ) ، ولكنه إستفاد منى إذ أعطيته معلومات عن التصوف من رسالتى ، وبالتأكيد إستفاد منها فى محاضراته وندواته وخطبه . ولهذا إشتهر بحدته فى فضح الصوفية ، خصوصا فى كتابه ( الصوفية الوجه الآخر ).

اجمالي القراءات 6893

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4618
اجمالي القراءات : 45,620,777
تعليقات له : 4,803
تعليقات عليه : 13,770
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي