ج1 ب2 ف 4:الاعتقاد في الكرامات الصوفية .الكرامات في فكر الخاصة واعتقاد العامة

آحمد صبحي منصور Ýí 2015-01-31


 كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

 الجزء الأول : العقائد الدينية فى مصر المملوكية بين الاسلام والتصوف .

  الباب الثانى :  تقديس الولي الصوفي في مصر المملوكية

الفصل الرابع :أنواع الأولياء الصوفية ومهامهم وكراماتهم

  الاعتقاد في الكرامات الصوفية.الكرامات في فكر الخاصة واعتقاد العامة   

   1- استلزم الاعتقاد في الأولياء الاعتقاد في مقدرتهم على الإتيان بالخوارق ، أو ما عُرف في العصر المملوكي بالكرامات ، التي شاع الإيمان بها في العصر المملوكي تبعاً لازدهار التصوف ، حتى لقد فرضت نفسها على تفكير الخاصة واعتقاد العامة كما لو كانت معلوماً من الدين بالضرورة .ويمكن أن نجمل تفكير الخاصة أو العلماء في العصر المملوكي فيما يخص الكرامات في اتجاهين : اتجاه عملي هو ألصق بالمتحررين منهم ، واتجاه نظري يعتقد في حدوث الكرامة مطلقاً أو مع بعض تحفظات .

     2- وكبار الصوفية يعتقدون في إمكانية حدوث الكرامات مطلقاً ، فكتاب المناقب الصوفية يثبتون الكرامة في مقدماتها ليؤمن القارئ بما حشدوه فيها من أساطير [1] . وقد أجهد اليافعي نفسه في الاستدلال على جواز الكرامة عقلاً ونقلاً [2] ، وكعادة  الصوفية لا يفرقون بينها وبين المعجزة إلا في عدم التحدي  كشرط لوقوع الكرامة [3] ،  لتتاح الفرصة للتهرب من إثبات الكرامة عملياً . والقارئ لمناقب الحنفي تهوله كثرة الكرامات فيها مع أن المؤرخ أبا المحاسن كان معاصراً للحنفي وترجم له ترجمة عادية خالية من ذكر أي كرامة له [4] .

      وقد دان علماء العصر المملوكي عامة بدين التصوف باطراد يتناسب مع الازدهار المستمر للتصوف من بدايته إلى نهايته ، ففي أوائل العصر كان ابن خلدون يرى وقوع الكرامة أمراً صحيحاً غير منكر [5] . ويقول السبكي إن من حق الصوفية إظهار الكرامات للبشارة أو الإنذار أو التربية [6] ، بينما انصرف جهد السيوطي – في نهاية العصر – إلى إثبات نواح من الكرامات لم تخطر على بال المتصوفة الأولين ، فيصنع رسالة في إثبات تطور الولي وتواجده في مكانين مختلفين في وقت واحد [7] ، أو ما تعبر عنه كتب المناقب أحياناً بوجود أكثر من جثة للولي في أماكن مختلفة .

      3- وكانت لبعض العلماء في أوائل العصر تحفظات على وقوع الكرامة ، لا تنال من إمكانية وقوعها من حيث المبدأ ، فابن تيمية يرد كرامات المتصوفة إلى فعل شيطاني ويسميهم أولياء الشيطان ويفرق بينهم وبين أولياء الرحمن [8] . ويرى الأدفوي أنه ( لا مانع عقلي أو شرعي من وقوعها " ... ولكن أطردت العادة المستمرة بعدم وقوع ذلك والعوائد يقضي بها في حكم الشرع باتفاق أئمة الاجتهاد .. والأمور البعيدة يتعجب من وقوعها ويتوقف في قبولها إلا إذا عُلم  صدق المخبر كما في قصص القرآن عن زكريا ومريم وامرأة إبراهيم ، ولا تثبت الكرامة  لمجرد اشتهارها واستفاضتها عند الفقراء فإن الكذب فيها كثير ، وكثير من  الصوفية جاهل بصحة النقل أو مغفل يروي بحسن الظن ، ثم إن أكثرها مرسلة وبعضها مبني على التوهم .." ويري أنها لو سلمت من ذلك ورويت على نسق الحديث المتواتر قبلت بشرط ألا تكون بعيدة في العادة ، وقد وقع مثلها) [9] . أي أن الأدفوي سلم بالمبدأ دون التطبيق ، ومع جرأته الواضحة إلا أنه خلط – كمحدث – بين المعجزة والكرامة .

     4- ولأن التصوف أصبح حرفة في العصر المملوكي ، والكرامات مؤهلها الأساسي ، فقد كان للأولياء طرقهم الخاصة في انتحال ما يخدعون به العامة . وقد فطن لذلك بعض العلماء ممن نعدهم ضمن أصحاب الاتجاه العملي المتحرر.

     وأبرزهم الجويري الذي فضح أساليبهم ضمن ما سجله في كتابه " المختار في كشف  الأسرار" فكان يذكر الكرامة ثم يتبعها بكشف سرها ، ونذكر بعض الأمثلة : يقول عن من جعلهم في الدرجة الثالثة من المشايخ " ... ومنهم من يتعاطى النزول في التنور ، وقد أوقد فيه قنطاراً من الحطب فينزل فيه ثم يغيب ساعة ويطلع " ثم يشرح الجويري تصميم التنور وكيف أن حرارته من أعلاه ، وأسفله بارد فلا تضر الشيخ ، وذكر طريقة أخرى وهي أن الشيخ يطلي جسده بمادة عازلة " ... التي يعملونها لمنع النار فمن ذلك يؤخذ الضفدع  ويسلق حتى ينضج ويتفتت .. ثم يرفع عن النار حتى يبرد فإذا برد جمد الدهن على وجه الماء فيؤخذ الدهن ويضاف إليه شئ من البارود الثلجي ، ثم يلطخ به جسده ويدخل النار فلا تضره " [10] . وقد يلطخ الشيخ أصابعه بهذا الدواء ، ويتقدم في السماع ويشعل أصابعه من الشمع " ولا يزال يرقص وأصابعه تشتعل حتى يضج الخلق ، ثم يدنون الشمعة ، فيشعلها ويطفي أصابعه " وفي هذه الحالة يضيف النفط إلى  الدواء السابق [11].

      وبعض المشايخ يوهم المريدين بنبع الماء من أصابعه . " وكشف ذلك أنه يأخذ مصران غنم فيدبغه بعد غسله ثم ينقعه بماء الورد سبعة أيام ، وبعد ذلك يأخذه  فيربط طرفه الواحد ربطاً جيداً ، ثم يجعل في طرفه الآخر عقدة قصب ، ثم ينفخه في الهواء حتى يجف فإذا جف .. أخذه ثم ملأه ماء .. ثم جعله في قميصه ، وقد عمل له حمالات من تحت القميص .. فإذا أراد أن يسقي   الناس جعل رأس المصران في فم الوعاء وهو دائر من حيث لا يعلم به أحد ، ثم يفك رأس المصران بظفره ، فينزل الماء في الوعاء "[12] . ومنهم من يبقى " أربعين يوماً لا يأكل ولا يشرب  ويدعون أن طعامهم التسبيح وشرابهم التقديس " ، وذكر عدة طرق لذلك يستعمل فيها بذرة الحبة القمحاء أو كبد الغزال العطشان حين يمتنع عن شرب الماء ، أما من يمتنع عن الطعام فيستعين بمسحوق من أكباد الخرفان وذكر طريقة عمله .. وتابع الجويري هتك أسرارهم " كمن يظهر في ظلام الصحراء عامود نور إلى عنان السماء " ،" ومن يقف يصلي تحت الشجرة فتسجد له " . "ومن يظهر الفواكه في غير أوانها " ،" ومن يأكل الحيات والنار ، ومن ينبع له الماء في الصحراء " [13] . ثم يقرر أن هؤلاء المشايخ مجمعون على بطلان معجزات الأنبياء ويعتقدون أنها " مثل هذا النوع الذي سلكوه وهم كاذبون " [14].

    5- وقد وردت  إشارات تؤيد الجويري في مصادر أخرى . فابن الحاج اعترض على من يدخل النار ولا يحترق [15] ، واكتشف ابن تيمية حيل الأحمدية في دخولهم النار وواجههم بذلك [16] ، وقيل عن بعض الصوفية أنه كان صائم الدهر بخانقاه سعيد السعداء " يصوم الدهر ويفطر دائماً على حمص مصلوق بغير آدام " [17] .

     وقد اشتهر محمد بن عبد الله المرشدي في مصادر العصر المملوكي بأنه كان يطعم الضيوف ما يشتهونه في خاطرهم ، وقد أورد الصفدي السر في ذلك " وحقيقة الأمر أن هذه  الكرامات  إنما كانت بصناعة مقررة بينه وبين قاضي  " فُوّه " فإنهما كانا روحين في جسد ، وكان قد تحصن بالشيخ فلم يقدر قاضي القضاة ولا أحد على عزله ... ولم يبق له دأب إلا تلقى من يصل من ذوي الأقدار قاصداً زيارة الشيخ لأن فوه طريق منية مرشد ، فإذا وصل الزاير أنزله وأضافه وشرع في محادثته ومحادثة من معه حتى يقف على ما في خواطرهم وما يقترحونه ، ثم أنه يبعث بذلك إلى الشيخ على دواب مركزه في الطريق بينهما ، ويمده من الأصناف ما لعله لا يكون عنده ، ويعطيه حلية كل رجل من المذكورين واسمه [18] .

  6 ــ   ومع ذلك فلم يتأثر اعتقاد العامة في الأولياء ،ويقول الفقيه  البقاعي عن أحد المعتقدين " وكان للناس فيه اعتقاد كبير جداً وينسبون إليه مكاشفات ولم يظهر إلىّ أنا شئ من ذلك ، فإنه بشر غير واحد من أصحابنا بأشياء لم تقع " [19]  . ومن النص يتضح عمق اعتقاد العامة في الصوفية حتى ولو أخطأ أحدهم في دعاويه .

  7 ــ   والواقع أن الناس في العصر المملوكي كانوا على استعداد لتصديق الكرامات وتناقلها ، فكان مجرد إشاعة كرامة ما كفيل بتوجه الناس جميعهم إلى صاحبها زائرين ومعتقدين ومتوسلين [20]، واستجابة لتلك العاطفة الشعبية حاول علماء العصر المملوكي أن يجدوا أصلاً شرعياً للكرامات ، فوضعت فيما بعد كرامات الصوفية القرنين الثالث والرابع الهجريين كما فعل الذهبي والسيوطي ، ولم يعثر على أصولها التي نقلت عنها مما دفع بعض الباحثين للتأكيد بأنها وضعت لإرضاء عاطفة شعبية تريد إثبات صوفية أولئك الزاهدين ، فالشعب لا يقبل الصوفي إلا بما يروى عن كراماته [21].

أخيرا

1 ــ وما كان لكتاب المناقب أن يحشدوها بكل ما هو مخالف للعقل والنقل لولا أن العصر المملوكي كان على أتم استعداد لتصديقها بحيث يصح اعتبارها مقياساً لعقل العوام ـ غذا كان للعوام عقل ـ وبسيطرة التصوف بخرافاته إنتشرت عقلية العوام بين الجميع ، وإنخرطوا فى الاعتقاد الأولياء وتأليههم وكراماتهم . والعامة في كل زمان ومكان قليلة العقل تميل لسماع الأقاصيص والأساطير، وتميل أكثر لتصديقها، ولهذا فإن التجارة بالدين كانت ولا تزال سوقا رائجة، خصوصاً إذا كان العقل غائباً.

2 ــ لقد ارتفع الإسلام على أسلوب المعجزات الحسية فأتي والعقل الإنساني قد شب عن الطوق ، ولأن القرآن خاتم الرسالات السماوية إلى يوم القيامة كان معجزة عقلية باقية يتحدى الله بها البشر في كل زمان ، وشأن المعجزة الحسية أن تنتهي بوقتها وقومها ، وقد ندد القرآن الكريم بطالبي المعجزة المادية من كفار مكة " سورة الإسراء من الآية 90 إلى 93" ودعاهم إلى استعمال العقل ، ولم يعرف الرسول " ص" المعجزة الحسية ، وكان أحوج إليها حين أوذي وحين جرح وقاتل ، فقام بكل ذلك ومعه الصحابة بالمجهود البشري مؤيداً بدعوة عقلية .وإذا أُهمل العقل البشري تعلق الناس بالمحسوسات ، لذا تسود أساطير الكرامات في عصور الجهل . والكرامة فكرة حادثة في تاريخ المسلمين فلم يرد لفظها في القرآن، وإن كان ما كتب عنها يجعلها في أهمية المعلوم من الدين بالضرورة، وقد تمسك بها أصحابها معرضين عن القرآن ودعوته العقلية، بل حاولوا التلاعب بآيات القرآن ليجدوا أصلاً إسلامياً لأساطيرهم. وقد استدلوا بما حكى القرآن عن خوارق لبست الأنبياء كما حدث لمريم وزوجة إبراهيم وصاحب موسى وصاحب سليمان ، كأنما يعيشون تلك العصور غير مدركين أن القرآن أفتتح عصراً جديداً وأن ما حدث قبله  وكان مناسباً لذلك العصر لا يصح أن يستمر في عهد القرآن بل ويُتخذ دليلاً ضده.

3 ــ إن كرامات الصوفية ترفعهم فوق البشر والرسل وتقرنهم بالله سبحانه وتعالى وتعطيهم ما لله من قدرة تفوق قدرة البشر ، وذلك هو السبب الحقيقي في إسناد الكرامة للولي .. أن يكون  إلها مع الله مع أنه لا إله إلا الله ، ولا إله مع الله !!

    



[1]
- في مناقب المتوفي فصل في المقدمة عن إثبات الكرامة .

[2] - اليافعي . فضل مشايخ الصوفية ص17 وما بعدها .

[3] -  اليافعي . روض الرياحين 205. الشعراني ، فتح المنة في التلبس بالسنة 22.

[4] - حوادث الدهور جـ1/ 140.

[5] - المقدمة 110، 474.

[6] - السبكي . معيد النعم 159

[7] - رسالة السيوطي : القول  الجلي في تطور الولي .

[8] - مجموعة الرسائل والمسائل في الجزء الأول .

[9] - الطالع السعيد 370، 373.

[10] - الجويري : المختار في كشف الأسرار 21، 22.

[11] -  نفس المرجع 23

[12] - نفس المرجع 22، 23 وذكر طريقة أخرى ص 26.

[13] - نفس المرجع 24: 142.

[14] - نفس المرجع 280.

[15] - المدخل جـ2/201.

[16] - تاريخ  ابن كثير جـ14/36.

[17] - تاريخ قاصي شهبه – مخطوط جـ1/6 ترجمة ابن صديق التبريزي.

[18] - الصفدي . أعيان العصر مخطوط جـ6 قسم 1 ورقة 48، 49.

[19] - تاريخ البقاعي . مخطوط 88، 89.

[20] - السخاوي . التبر المسبوك 338

[21] - محمد كامل حسين – حوليات آداب القاهرة مجلد 16 سنة 1954 ص 49.

اجمالي القراءات 7667

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4637
اجمالي القراءات : 45,989,514
تعليقات له : 4,817
تعليقات عليه : 13,792
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي