رحلة نيبور الى مصر العثمانية 3 / 3

أحمد صبحى منصور   في الأربعاء 14 يوليو 2010


بعث البلاط الدنمركى سنة 1761م ببعثه علمية لليمن كان من أعضائها كارستن نيبور وقد اقامت البعثة عاما فى مصر , وسجل فى رحلة فى ثلاثة مجلدات ترجم الدكتورـ مصطفى ماهر ـ المجلد الأول بعنوان ( رحلة إلى مصر) ووعد بنشر الأجزاء الباقية من الرحلة .

أولا : قيمة رحلة نيبور فى تسجيل مظاهر للحياة الاجتماعية المصرية العثمانية

1 ـ وفى الكتاب تفصيل رائع للحياة الإجتماعية فى مصر العثمانية فى فترة لم تحظ بمؤرخين كبار يسجلون أحداثها .

2 ـ على أن التسجيل ا&acedil;لتاريخى لهذه الفتره ـ إن وجد ـ لا يغنى عن كتاب الرحالة ، ففى كتب الرحلات زادٌ ثمين لدارس الحياة الإجتماعية فى عصر من العصور . وذلك لأكثر من سبب :

2/ 1 : فالحياة الإجتماعية لا تجذب اهتمام المؤرخين الذين ينصب اهتمامهم على أخبار الحكام وما اتصل بهم من أخبار ، ولا يتبقى بعد أخبار الحكام إلا نذر يسير عن حوادث متقطعة برزت لسطح الأحداث الهامة فاستحقت التسجيل .

2/ 2ـ ثم أن العصر العثمانى ـ عصر الجهل والإنحدار العلمى  ـ قد حرم من وجود مؤرخين أفذاذ كما سبق فى العصر المملوكى قبله؛ لم يوجد فى العصر العثمانى مؤرخون على مثال ابن خلدون وابن حجر والمقريزى والسخاوى وأبى المحاسن . وظل أعلام مؤرخى العصر العثمانى من مخضرمى العصرين المملوكى والعثمانى كابن اياس والغزى ، وأولئك المخضرمون مع امتيازهم فلا وجه للمقارنة بينهم وبين سابقيهم ، فلا وجه للمقارنة بين المقريزى وابن اياس ، فقد كان السابقون من مؤرخى العصر المملوكى أصحاب ثقافات متنوعة انعكست على تأريخهم للحوادث واهتمامهم بأحوال المجتمع ، فجاء العصر العثمانى خلواً من الإهتمام ، فأصبحت الأحوال الإجتماعية لهذا العصر رهينة الغموض لولا كتابات الذين زاروا المنطقة فى العصر العثمانى وتحدثوا عن أحوال المجتمع وظروفه وطوائفه ، مثل صاحبنا نيبور..

2/ 3 ـ  ومن حسن الحظ أن الجمود والتأخر الذى شاب العصر العثمانى كان يقابله فى اوربا صحوة علمية إثر النهضة الأوربية وما نتج عنها من متغيرات ، كان من أبرزها الإتجاه العلمى التجريبى , فنشطت الرحلات العلمية لتقيم الحقائق العلمية على أساس من المشاهدة والتجريب ، وهكذا أتت رحلة نيبور بهدف شرح عبارة الكتاب المقدس اعتمادا على بحث البيئة الجغرافية والتاريخية التى نزل فيها الكتاب المقدس ..

2 / 4 : ومن حسن الحظ أن مستوى الرحالة الأوربيين فى هذه الفترة قد ارتفع علميا ، وصارت الحقيقة العلمية المجردة هدفا ، ولم نعد نقرأ فى كتاباتهم خرافات عن أنهار الجنة فى الأرض المقدسة وكرامات القديسين كما كان الرحالة الرهبان يكتبون فى عصر ما قبل الصحوة الأوربية ..

وقد أتاح هذا المستوى العلمى الجيد للرحالة الأوربيين فى القرن الثامن عشر ان نقرأ لهم ملاحظات علمية قيمة وبعض الحياد فى الأحكام ، مع الشرح الوافى للظواهر ومحاولات جادة لتحليلها وتصنيفها ، وهذا ما يظهر واضحا فى رحلة نيبور إلى مصر ..

2 / 5 : ونعيد التأكيد هنا أيضا بأن من حسن الحظ أن نظرة الرحالة فى بلد يزوره تختلف عن نظرة المؤرخ فى نفس البلد فالمؤرخ نشأ فى مجتمعه ويرى ما يراه على أنه شىء عادى لا يستحق التسجيل أما الرحالة الآتى من بلاد تختلف عاداتها وظروفها فهو فى حالة دهشة مستمرة مما يراه فيسارع بتسجيله والتعليق عليه ، ثم أن الرحالة يحمل فى داخله موطنه ونشأته أينما سار وهو يقارن بوعى وبلا وعى بين ظروف موطنه وما يشاهده من جديد فى البلاد التى يزورها .. ولولا كتابات الرحالة لخفيت عنـَّا أكثر الظواهر التاريخية التى كانت موجودة فى عصور سبقت ورأى المؤرخون أنها أشياء عادية لا تستحق التسجيل ثم مرت الأيام واندثرت تلك الظواهر من الحياة العلمية ومن كتابات المؤرخين أيضا , ولم تسعفنا بها إلا كتابات الرحالة الذين يزورون البلاد بأعين مفتوحة ترى كل شىء وأُذن مفتوحة تسمع كل شىء وعقل مفتوح يريد أن يتعرف على كل شىء .. وهكذا كان نيبور فى رحلته ..

3 ـ  لقد صور نيبور حياة المصريين من كافة نواحيها الإقتصادية والاجتماعية من التجارة الداخلية والخارجية والزى والعادات ووسائل التسلية والعاب وحفلات الزواج والمآتم والمواكب والغناء والرقص , كما رسم نماذج لأدوات المصريين وملابسهم والنقوش الهيروغليفية والمدن المصرية وجمع عينات أسهب فى وصفها وفحصها ... وهى تفصيلات تستحق عدة مقالات ، ولكن نكتفى بالاشارة العاجلة لبعضها.

ثانيا : بعض مظاهر الحياة الاجتماعية المصرية فى رحلة نيبور

وسنلقى الضوء على أطرف ما ورد فى الكتاب من ظواهر اجتماعية فى مصر العثمانية ، لعل اهمها حالة الأمن ..

أـ قطـّاع الطرق : فى مصر العثمانية تضائل الفارق بين قطاع الطرق الخارجين على القانون وبين البكوات المماليك الذين عاشوا فيما بينهم صراع لا يهدأ وفتن مستمرة كان ينجم عنها من السلب والنهب أضعاف ما يقع فى أيدى عصابات اللصوص وقطاع الطرق . وفى عصور الإضطراب السياسى تضعف قبضة الدولة المركزية كلما ابتعدنا عن العاصمة ، وبقدر ضعف الدولة تقوى العصابات التى تفرض حمايتها على الناطق النائية ، وهذا ماكان سائدا فى العصر العثمانى الذى حفل بنوعيات مختلفة من اللصوص احتك نيبور بنوعية منهم ، هما الأعراب ولصوص السفن النيلية ..

الأعراب :ـ

وقد عاش الأعراب على أطراف الدلتا فى الحوف الشرقى ( محافظة الشرقية ) والبحيرة مع أطراف الصعيد ، وقد اعتادوا الخروج على السلطة الضعيفة والعبث بالأمن ، وكانت لهم صولات فى فترة الإضطرابات التى انتهت بقيام الدولة المملوكية سنة 648هـ سنة 1250م . إلا أن الأعراب عادت لهم قوتهم فى فترة الضعف المملوكى منذ القرن التاسع الهجرى ، واستمرت قوتهم فى اضطراب بعد الفتح العثمانى حتى إذا جاءت رحلة نيبور كانت أخبار العربان وصراعهم مع السطان حدثا مستمراً فى كل تنقلاته مصاحبا له فى كل خطواته ..

فحين نزل فى الأسكندرية شهد موقعة بين أهلها والأعراب ، ومع أن السلطة العثمانية اعترفت بهم قوة ضمن القوى المحلية إلا أن الأعراب كانوا يتمردون على السلطة ويُغِيرون على المدن كما حدث من اغارتهم على مدينة الإسكندرية ، وقد وصفها نيبور كشاهد عيان (1)

وفى الطريق من الإسكندرية إلى القاهرة كان خطرهم ماثلاً ، حتى ان رفيق نيبور فى الرحلة واسمه فورسكال جرّده العربان من كل ما يملك (2) ، بل حين وصلوا القاهرة شهدوا هجوما خاطفا للأعراب حدث تحت القلعة مباشرة ، يقول نيبور معلقا ( ويبدو ان الأعراب لا يخافون الإنكشارية خوفا كبيراً ، فكثيراما يمارسون أعمال النهب والسلب تحت القلعة مباشرة ) (3) , وفى طريق القاهرة السويس اشتعلت الحرب بين اهل القاهرة وقبيلة صغيرة من العربان (4) , وكانت مدينة السويس محصنة ضد هجمات الأعراب وكان يحرس المدينة قائد تركى بقوات كثيرة ( ولكن يبدو أن العربان لم يكونوا يحفلون به ) (5)

وفى رحلة نيبور إلى سيناء عايش الأعراب فيها ووصف أحوالهم وأزياءهم وعاداتهم وبيوتهم (6) وهو تفصيل هام جدا لا نجد له مثيلا فى كتابات المؤرخين ، ويهمنا هنا الاشارة للناحية الأمنية ، إذ كانوا  يقومون بحراسة للسفن وما تحمل ، وكان لهم نظام يتعارفون عليه فى الحراسة . والطريف أن خفراء الحراسة من العربان كانوا هم أنفسهم من قطاع الطرق ، إلا أن الخفير يحافظ بأمانة على ما يقوم بحراسته ، وعادة ما يتصل أصحاب السفن بخفرائهم من الأعراب إذا جنحت السفينة الى الشاطىء بين السويس ورأس محمد فى جنوب سيناء وتعرضت لنهب الأعراب :( فإذا كان هذا الخفير بين العربان الذين أسرعوا إلى السفينة لنهبها فإن بضائع من يحميه تنقل إلى السويس أو القاهرة دون أن يتعرض لها غريب من العربان . فإذا لم يكن الخفير حاضرا فإن البضاعة توضع إلى جانب ويجعل حولها خط فى الرمل وتترك دون أن يمسها أحد إلى ان يبلغ بالخبر . أمَّا إذا لم يستطع المسافر أن يذكر إسم خفيره أو إسم خفير زائف فمن المؤكد أنه سيتعرض للنهب ) (7)

لصوص السفن النيلية :ـ

والفلاح المصرى مسالم بطبعه لذا كان دائما غنيمة نموذجية للمتغلبين حكاما أم لصوصا . إلا أن ضعف السلطة المملوكية المحلية فى القاهرة وتنازعها المستمر فى العاصمة مع ضعف القوة العثمانية فى مصر ـ أتاح الفرصة لبعض المغامرين من الفلاحين المصريين لسلب السفن التى كانت تعبر النيل من فرعى دمياط ورشيد ، وأولئك كانوا مهرة فى السباحة ، وينتمون للقرى التى ترصع جانبى النيل على طول ضفتيه فى الفرعين .. وكانت السلطات تحتاط لنشاطهم فجعلت كما يقول نيبور ( فى كل قرية من القرى المشرفة على النيل خفراء ، عليهم أن يبلغوا عن قوارب اللصوص فوراً إذا اقتربت بالليل ، إلا ان أهالى بعض القرى يرسلون هُـمْ أنفسهم أحيانا قوارب للسرقة ، فإذا الذين يرجون الاحتماء بهم فى الليل يتعرضون للنهب على أيديهم )(8)

وكانت لنيبور تجاربه وأخباره عن أولئك اللصوص وحكى عن مهاراتهم وألاعيبهم أثناء إبحاره فى فرعى دمياط ورشيد ، وربما كانت رحلته هى المصدر الوحيد الذى حكى عن أولئك اللصوص فى مصر العثمانية.

ويتضح من تقريره أن أولئك اللصوص لم يعرفوا العنف والقتل إثناء السرقة ، بل كانوا يتحاشون الاشتباك المسلح مع أهل السفينة ، أى كان عملهم هو مجرد الخطف والهرب اعتمادا على خفة الحركة و المهارة فى السباحة وغفلة ركاب السفينة ، نفهم هذا من قول نيبور : ( والحديث عن اللصوص الذين لا ينصرفون عن النيل كثير جدا ، إلا أن الإنسان إذا عنى بالحراسة ليلا وأشاع انه مزود بالأسلحة النارية أمن شرهم ، وتضىء السفينة فى الليل عادة مصباحا يعرفون به انها تحمل أوربيين , واللصوص يعلمون أن الأوربيين لا يسهل الهجوم عليهم وهم نيام.. وفى مارس من عام 1762 م تعرضت ثلاث سفن فى هذا الفرع ـ فرع رشيد ـ بالفعل للنهب , ولكن الاعتقاد السائد هو ان لصوص هذه الناحية لا يجرؤن على نهب سفينة كاملة إلا نادرا , ولا يفعلون ذلك إلا اطمأنوا إلى أن ركابها قليلون أو إذا دبروا للسطو بالاتفاق مع ريـِّسها , وهناك حالات معروفة اقتسم فيها اللصوص الغنائم مع ملاحى السفن , ولهذا كان على المسافر أن يستعلم جيدا عن الريـِّـس الجدير بالثقة .. ولصوص النيل مـَهَـرَة غاية المهارة , يحسنون السباحة .. ولهذا فإنهم كثيرا ما يسبحون فرادى إلى السفينة .. ويستولون على كل شىء تصل إليه أيديهم فوق السفينة , ثم يقفزون إلى الماء , بل لقد جرت بالفعل حوادث لم يصعدوا فيها إلى السفن بل مدوا أيديهم من فوق حافة السفينة وخطفوا من تحت رءوس النائمين بعض أمتعتهم .. وحكى لى الأتراك القصة التالية عن واحد من هؤلاء اللصوص . كان أحد الباشوات حديث عهد بمصر , وضرب خيامه على مقربة من النيل وقام رجاله أثناء الليل بالحراسة خير قيام واستطاعوا أن يقبضوا على واحد من اللصوص الذين كانوا يتربصون بهم , وفى الصباح سِـيقَ اللص إلى الباشا الذى توعده بالموت على الفور , وتوسل المقبوض عليه إلى الباشا أن يسمح له بأن يقوم أمامه بعمل يكشف له به سراً من أسرار فنه قائلاً أنه على يقين ان الباشا سيهبه عند ذلك الحياة , وسمح له الباشا المشغوف بالمعرفة أن يكشف له سره , وطفق اللص يجمع ثياب الباشا وكل ما وقعت عليه عيناه فى الخيمة من أشياء , وصرها صرة .. ولعب اللص بالصرة بعض الألعاب البهلوانية، ثم القى بنفسه بعدها فى النيل وسبح إلى البر الآخر والصرة فوق رأسه وبداخلها الأشياء التى سطا عليها ، وبلغ الأمان قبل أن يتمكن التراك من احضار أسلحتهم النارية لتأديبه ) (9) ـ

لقد اتخذ الفلاحون المصريون من السطو على السفن فى النيل طريقا لإظهار مهارتهم وحيلهم وتعويضا مناسبا لما يلاقونه من عسف العثمانيين والمماليك , ويبدو مما ذكره نيبور أنهم مارسوا السطو على السفن فرادى وجماعات وان ذلك النشاط احترفه الكثير من القرويين على طول فرعى النيل بالاتفاق بين القرى والحراس والملاحين . وفى رحلة نيبور خلال فرع دمياط يقول : ( وتجد السفن الآتية من القاهرة عونا كبيرا فى سيرها يتمثل فى سكون الريح بالليل .. لأنها تستطيع .. ان تندفع مع التيار فى الليل إذا كانت القرى التى فى طرقها قرى آمنة أو إذا كانت السفن فى مجموعة كبيرة لا تخشى اللصوص .. وما كدنا نقطع ميلا حتى رأينا زورق لصوص يُقبل نحونا ولكنه ما لبث أن ابتعد عندما أسْـمَعـْنـَا من به سلاحنا النارى .. ثم رأينا بعد ذلك عدداً من الزوارق الصغيرة تحت الأشجار وخلف جزر صغيرة ، ذهب ملاحونا إلى أنها تقل لصوصاً ) (10)

الأمن فى القاهرة :ـ

وعلى عكس الريف والنيل والطرق الصحراوية كان الأمن مستتباً فى القاهرة حيث تسهم الأبواب الكثيرة للمدينة المقامة على أبواب الأحياء والشوارع الرئيسية إسهاما كبيرا فى أمن الأهالى ، فهى تقفل بالليل إلا فى شهر رمضان ، ويقف بكل باب من هذه الأبواب بواب يفتح لأولئك الذين تكون لديهم أعمال فى الشوارع بالليل ويأتون إليه حاملين مصابيح راجين أن يفتح لهم ، ويتلقى لقاء ذلك بقشيشا بسيطا .أمَّا المشتبه فيهم فيستوقفهم جميعا . ومعنى ذلك أن أولئك الذين يخرجون ليلا للسرقة لا يستطيعون بحال من الأحوال الإبتعاد كثيرا . وعلاوة على ذلك هناك عند كل بوابة حجرة صغيرة لواحد أو اثنين من الإنكشارية يظلون فى مواقعهم زمنا قد يطول إلى أعوام، وعليهم السهر على الأمن والنظام فى الحى الذى يحصلون منه على أجورهم ، فإذا تهاونوا فقدوا معاشهم . ولهذه الاجراءات فائدة عظيمة عندما ينشب صراع بين الكبار فى القاهرة ، فسرعان ما تقفل الأبواب فيحال بين عامة الشعب والتجمع ، وتضيع على الرعاع فرصة النهب والسلب فى تلك الفتن .. يقول نيبور ( بل لقد سمعت أن البكوات تشتعل بينهم أحيانا معارك عنيفة فى المينة وفى الخلاء دون ان يتسبب عنها قلق كثير بين الأهالى ) (11) 

وبينما عاش أهالى القاهرة فى أمن من السرقات وهجمات اللصوص فقد افتقر الحكام أنفسهم إلى الأمن والهدوء بسب الصراع المستمر بين البكوات الصغار والكبار من طوائف المماليك ، حتى لفتت هذه الظاهرة عين الرحالة، فيقول نيبور ان القاهرة كانت تعج بصغار المستبدين الذين يتخذ كل واحد منهم لنفسه حرسا خاصا وأحزابا سرية وعلنية ويحاول أن يكون الحكم فى يديه وأن يسقط غرماءه (12).

 على أن العنف الذى عرف به الحكم المملوكى العثمانى أسهم بدوره فى اشاعة الذعر بين الأهالى الذين يرون حاكم الأمس مقتولا اليوم هو وأتباعه , فعنف الحكام انعكس على تعاملهم مع الخارجين على الشرع , وقد صور نيبور هذا الحال فى قوله ( ويذهب عدد من وجهاء موظفى القضاء والشرطة نهارا وليلا ومن خلفهم حاشية كبيرة إلى هذا الحى وتارة إلى ذلك ليتأكدوا من صحة مقاييس وأوزان البضائع المعروضة فى السوق وليجمعوا المشبوهين ويضربونهم بالعصى أو يعلقونهم ـ دون مزيد من التقاضى ـ على المشانق إذا قبضوا عليهم متلبسين ، وهكذا فإن الخوف الدائم من مباغتة رجال القضاء يلزم أصحاب الأفكار الشريرة حدودهم ، وكنت كلما لقيت واحدامن هؤلاء الموظفين فى الطريق أُلاحظ الخوف والفزع على عامة الشعب المصرى ، وكان خادمى إذا لمحه من بعيد يتمنى أن يعود من حيث جاء حتى لا يراه الموظف مرافقا لرجل أوربى خلال شوراع لم يعتد الأوربيون ولوجها ، ولو لم أكن أجبره هلى السير ورائى لتركنى وولى الأدبار ) (13) . ونفهم من السطور السابقة ان نيبور يتحدث عن وظيفة (الحسبة ) ودور المحتسب فى مراقبة الأسواق والشوارع ، وكانت له سلطة ثلاثية القبض على المتهم ن والحكم الفورى عليه وتنفيذ الحكم بنفسه ، لذا كان المحتسب فى العصرين المملوكى و العثمانى مهابا مخيفا .

ـ لقد كان منتظرا من رحالة غريب مثل نيبور أن يلاحظ بعينه الثاقبة مشاعر الناس فى القاهرة وأن يرسم لوحة تاريخية للشارع المصرى فى القاهرة العثمانية ، كما يسجل من خلال تعامله الشخصى أحداثا أهملتها الحوليات التاريخية كلصوص السفن النيلية فى الدلتا ومغامراتهم , وتفاصيل حياة الأعراب ومناوشاتهم مع العثمانيين .هذ الأحداث والظواهر التاريخية التى اندثرت كان يمكن أن تظل طى الكتمان لا نعرف عنها شيئا لولا أن سجلها الرحالة نيبور فى رحلته لمصر.

 

الهوامش من خلال ( رحلة نيبور إلى مصر ) ترجمة الدكتور ـ مصطفى ماهر

  1. ـ 120 : 122
  2. ـ  125
  3. ـ 217
  4. ـ 367
  5. ـ 382
  6. ـ 385 : 410
  7. 385
  8. ـ 137 : 138
  9. ـ 130 : 131
  10. ـ 140
  11. ـ 253: 254
  12. ـ 252
  13. ـ 252: 253

 

هذه المقالة تمت قرائتها 130 مرة


 

اجمالي القراءات 8798
التعليقات (1)
1   تعليق بواسطة   رضا عبد الرحمن على     في   الجمعة 16 يوليو 2010
[49337]

الفارق بين منهجين فى التأريخ

ان المؤرخين الذين يعيشون الأحداث فى نفس البلد تختلف نظرتهم لكثير من الأحداث بل قد يتجاهلوا معظم جوانب الحياة الاجتماعية داخل البلد الذي يعيشون فيه ، وهذا التقصير والقصور فى التأريخ عالجته رحلات الرحالة أمثال كارستن نيبور ، بحيث سلط الضوء على أحداث لا ينكر احد انها هامة جدا فى تاريخ مصر فى الفترة العثمانية التى لم تحظى بمؤرخين كبار مثل المقريزي أو ابن خلدون ، وحتى لو حظيت بمثل هؤلاء كان طريقتهم فى الكتابة لن تتغير كثيرا لأن هؤلاء المؤرخون دائما ما يهتمون بالحاكم ومن حوله من حاشية ، ويركزون ما يخطون من تاريخ وأحدث على هذا الحاكم ويختزلون أحداث الدولة فى الحاكم وحاشيته ، ويعد إهمال الكتابة فى الحياة الاجتماعية خللا كبيرا فى الكتابة لأن الحياة الاجتماعية كما اتضح مما رواه الرحالة نيبور هو انعكاس للظلم والاستبداد وتفشي الفقر والبطالة داخل المجتمع مما جعل  بعض القرويين والفلاحين أهل الطيبة والسماحة والبساطة أن يلجأوا للسرقة مثلهم مثل الأعراب وقطاع الطرق ، وهذا أكبر دليل على حالة الظلم الاجتماعى التى كان يعانيها الشعب المصري ، وأعتقد أن إهمال شيء كهذا يعد جرما كبيرا فى حق كل مؤرغ عاصر ذلك ولم يعلق عليه .


وكالعادة أى رحالة غريب يزور بلدا غير موطنه الأصلى فإنه يعيش حالة مقارنة بين كل شيء هنا وهناك ، ولما كان تعليق نيبور عن الحياة الاجتماعية بهذا الاهتمام وهذا التدقيق يتبين لنا مدى المفارقة الكبيرة جدا بين الحياة فى أوروبا والحياة فى مصر فى هذه الفترة العثمانية ، وبصرف النظر عن ذلك إن الظلم والاستبداد والظلم الاجتماعى فى توزيع الثروات هو من الأمور الهامة جدا والحساسة جدا فى مستقبل الأمم والبلاد ، ومن أهم الأمور التى يجب الإشارة والكتابة فيها بإسهاب من كل من يعتقد فى نفسه أنه كاتب او مؤلف أو مؤرخ ، وأهميةفى خطورة النتائج المترتبة على هذا الظلم الاجتماعى ، الفقر والمرض والفوارق الطبقية الهائلة فى المجتمع تصنع الحقد والكراهية ، وتخلق لصوص من أشخاص بسطاء كما حدث مع الفلاحين فى العصر العثمانى .


وما نحذر منه هنا هو إمكانية حدوث مثل هذه الأمور فى مصر لما فيها من فوارق اجتماعية هائلة .


رضا عبد الرحمن على


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
باب دراسات تاريخية
بقدمها و يعلق عليها :د. أحمد صبحى منصور

( المنتظم فى تاريخ الأمم والملوك ) من أهم ما كتب المؤرخ الفقيه المحدث الحنبلى أبو الفرج عبد الرحمن ( ابن الجوزى ) المتوفى سنة 597 . وقد كتبه على مثال تاريخ الطبرى فى التأريخ لكل عام وباستعمال العنعنات بطريقة أهل الحديث ،أى روى فلان عن فلان. إلا إن ابن الجوزى كان يبدأ بأحداث العام ثم يختم الاحداث بالترجمة او التاريخ لمن مات فى نفس العام.
وننقل من تاريخ المنتظم بعض النوادر ونضع لكل منها عنوانا وتعليقا:
more