حقيقة التقوى في القرآن الكريم!

نسيم بسالم Ýí 2012-03-27


 

   لا شكَّ أنَّ كُلَّ إنسانٍ كيِّسٍ يستَشعِر في هذه الأيَّام الشَّتويَّة البارِدَة ؛ نِعمَة الله عَليه بِهذه الملابِس والمَعاطِف الصُّوفيَة التي يُدثِّرُ الله بِها سوءاتِنا، ويَقيَنا بِها قساوَة الزَّمهَرير ولَفح الرِّياح العاتِيَة والثُّلوج!

{وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [النحل : 5].

{وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} [النحل : 81].

فحَمدًا لكَ يا ربِّ على نِعمَك وألطافِك ومِننَك؛ سُبحانَك لا نُحصي ثَناءً عليكَ أنتَ كما أثنَيتَ على نَفسك!

* بيدَ أنَّ على كُلِّ عاقِلٍ فَطِنٍ منَّا وهُو يستَمرئ الدِّفء، ويتنعَّم بالحَرارَة، ويَقي جسَدَه مِن البَرد بُكلِّ ما استَطاعَ مِن إمكاناتٍ ووسائِل؛  أن يكُون على ذُكرٍِ دائِم بأنَّ هُنالِك لباسا أهمَّ وأجلَّ خَطرًا لا يجُوزُ لَه أن ينسَلِخ عَنه لَحظَة مِن ليلٍ أو نَهار! في شِتاءٍ قارِس أو في صيفٍ قائِظ! إنَّه لباسُ التَّقوى وما أدراكَ ما لِباسُ التَّقوى!

{يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: 26].

-  دأبُ كُلِّ إنسانٍ سويِّ الفِكرِ، مُستَقيمِ الفِطرة أن يهتمَّ بتغطيَة سَوءَتِه وسَتر عَورتِه لا يشذُّ في ذَلك إلاَّ مَن تنكَّر لإنسانيَّتِه! وهذه آيَة مِن آياتِ الله تَعالى... فلمَّا علِم الله ذَلك مِن خَلقِه؛ جعلَ لهُم مِن ذَلك رابِطًا إلى الاعتِناءِ بلباسٍ آخَر فضيحَة انخلاعِه وسقُوطِه عَن الإِنسان أشدُّ وأنكَى مِن سقُوطِ لباسِ جسدِه! ولا غَرو! فرُوحُ الإِنسان أغلى وأعظَم مِن قفصِه الجسَدي بما لا تجُوزُ مَعه المُقارنَة البتَّة! ولَكن مَع ذَلك تجدُ كثيرًا مِن النَّاس يهتمُّون بلباسِ أجسادِهِم إلى حدِّ السَّرف والخُيلاءِ رُبَّما، ولا يُولون أيَّ اهتِمامٍ لشيء اسمه "لباسَ التَّقوى"! بل ولعلَّّ هذه العبارَة القُرآنيَّة لَم تطرُق أسماعَهُم أصلا!

* التَّقوى في اللُّغَة مُشتقَّة مِن جذر "وقى"، يقي، وِقايَة؛ بِمعنى جَعل بيَنه وبينَ شيءٍ آخَر حاجِزا ومانِعا وحِرزًا وحِمايَة؛ كأن تقُول: وَقى نفسَه مِن الحَر أو مِن ضربات الرَّصاص مَثلا؛ وغالبُ اقترانِها في القُرآن الكَريم بالله سُبحانَه وتعالى واليَوم الآخِر؛ ولا يَخفى أنَّه اقتِرانٌ مَجازي مقصُود بِه اتِّقاءُ سخَط الله وعقابِه؛ واتِّقاءُ أهوال ذَلك اليَوم وشدَّتِه؛ أو شَيئا على نَحو ذَلك.

{ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة : 24].

{وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً} [البقرة : 123].

* قبلَ أن نُبيِّنَ مَعنى التَّقوى في القُرآن الكَريم وممَّ تكُون التَّقوى، وصفات المُتَّقين وجزاؤهم في الدنيا والآخِرَة (بِما يتَّسِع لَه المَقام)؛ أبادِر لأقرِّرَ أخطَر شَيءٍ في المَوضُوع؛ كانَ سبَبًا رئيسًا لخطِّي لِهذه الأسطُر؛ وهُو أنَّ جنَّة النَّعيم السَّرمديَّة لا يدخُلُها إلاَّ المُتَّقُون؛ ولا يستحقُّها إلاَّ المُتَّقُون؛ وجنَّاتُها وأنهارُها وثمارُها وخيراتُها كُلُّها حصريَّةٌ على المُتَّقين! ومَن لَم يكُن مِن المُتَّقين فلا مَطمَع لَه في دُخولِ الجنَّة أبَدًا... هذا ما يقُولُه القُرآن ببيانٍ ما بعدَه بيانٍ، ونصاعَة ما بعدَها نصاعَة!

- بادَرتُ لتقريرِ هذا في فاتِحةِ المَقال؛ لأنَّ التَّعاريفَ المعهُودَة في الكُتبِ للتَّقوى وإن كانَ مضمُونُها صَحيحًا لا غُبارَ عليه؛ إلاَّ أنَّ هذا البُعد العَميق (والأَخطر في القضيَّة) لا يُركَّزُ عليه كثيرا، ولا يُبرَزُ بجَلاء ووُضوح؛ فيخالُ المُستَمع المُستَعجِل أنَّ التَّقوى فضيلَة وليستَ بِفريضَة! وأنَّه إن تحلَّى بصفَة "التَّقوى" فإنَّها ستَزيدُه قُربًا إلى الله تَعالى ودَرجاتٍ عِندَه في الجنَّة، ورِفعَة في المَنزِلة! وأمَّا إن لَم يكُن مِن أهلِ تِلك الصِّفَة فلا ضَيرَ عليه ولا تَثريبَ عليه... وسيكُون مِن أصحابِ الجنَّة بتِلك الصِّفَة أو بدُونِها!

   وتجدُ كثيرًا مِن تِلكَ الكُتبِ تتحدَّثُ عَن دَرجَة المُتَّقين كأنَّها عبارَة عَن مَنزِلة رفيعَة سامِقَةٍ ليسَ بالضَّرُورة أن يبلُغَها كُلُّ النَّاس! وهذا التَّصوُّر مَبنيٌّ طَبعا على بعضِ الرِّوايات التي تضمَن دُخولَ الجنَّة لكُلِّ (مُوحِّد)، ولكُلِّ مَن قالَ "لا إله إلا الله" ولَو مرَّة في حياتِه! ولَو زنى ولَو سَرق! ولَو أضاع الصَّلوات واتَّبع الشَّهوات، واقتَرفَ سائِر المُنكَرات! مَع اتِّكاءٍ قبلَ ذَلك وبعدَه على الأَماني السَّرابيَّة التي تُعطي الأَمان للعاصِي مِن العذاب ولَو مَع إقامَتِه على المَعصيَة، وعَدم تنصُّله مِنها... وقَد تناوَلنا تِلكَ الأَماني في سِلسلة خاصَّة لِمَن أرادَ أن يعُود إليها ويستَفيدَ مِنها.

* لنستَمِع جَميعا إلى هذه الآياتِ البيِّنات بإنصاتٍ وخُشوع؛ ولننظُر بعد ذَلك هَل هذا الأَمر الذي قرَّرناهُ   إلقاءُ للكَلامِ على عواهِنه أم أنَّه عينُ ما يَنطِقُ بِه القُرآن! ولننظُر هَل تحتَمل هذه الآيات تَأويلا أو تَخصيصًا بحيثُ يَجدُ العاصي مِنها مَلاذًا ومَفرا!

   يقُول تعالى: {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً} [مريم : 63].

ويقُول: {مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ}[الرعد : 35].

   وفي سُورة محمَّد(صلى الله عليه وسلَّم) : {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ} [محمد : 15].

   وفي القَمر{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ. فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} [القمر : 55].

   وفي النَّحل كذلك:{وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ. جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللّهُ الْمُتَّقِينَ}[النحل: 30- 31].

   ونفس الحَقيقَة نجدُها في الدُّخان:{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (52) يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ (53) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ (54) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (55) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (56) فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (57)} الدُّخان.

   وفي الطُّور:{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (17) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (18) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (19) مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ (20)} الطُّور.

والمرسَلات أيضا{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ (44) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} المُرسَلات.

* هَل في ذَلك قسَمٌ لِذي حِجرٍ بعدَ هذه القَواطِع التي لا تَدعُ مُدخليَّة لشكٍّ أو ارتياب أو انفِتالٍ عَن الحقيقَة، وانخلاعٍ عَن رِبقَة التَّقوى؟!

* سنَفهَم الآن بوُضُوح سرّ الأوامِر الرَّبَّانية المُتكاثِرة في القُرآن الكَريم بالتَّقوَى ومُصاحبَة المُتَّقين؛ لأنَّ الأَمر خَطير يتعلَّقُ بِجنَّة أو نَار، وليسَ عبارَة عَن ميزَة خُصوصيَّة تتعلَّق بطائِفَة نادِرَة مِن النَّاس! ولنُورِد بعضًا مِن تِلك الآياتِ البيِّنات عَسَى أن تَقع في قُلوبِنا مَوقِعا حَسَنًا إن شاءَ الله!

يقُول تَعالى:  ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [[آل عمران : 102].

ويقُول عزَّ مِن قائِلٍ سُبحانَه:  ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً[[النساء : 1].

   وفي خاتِمة لُقمان:  ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ[[لقمان : 33].

   وفي مُستهلِّ سُورة الحَج ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ. يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ[[الحج : 2].

   وفي الزُّمر يُخاطِبُ الله عبادَه ]قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ[[الزمر : 10].

* وهكذا فإنَّ نَظائِر هذه الآيات في كِتاب الله كثيرَة؛ ومَن أحقُّ مِن الله بالتَّقوَى والطَّاعَة والاستِقامَة؛ سُبحانَه هُو أهل التَّقوى وأهل المَغفِرة!

- وحتَّى الرَّسُول الحَبيبُ المُصطَفى (عليه الصَّلاة والسَّلام) لَم يُعفَ مِن الأَمر الإلهيِّ بالتَّقوَى؛ فهُو كذَلكَ في حاجَةٍ كسائِر مَن خلَقَ الله إلى أن يَقيَهُ الله مِن عذابِ السَّمُوم؛ كيفَ لا وهُو القائِل عَن نَفسِه في القُرآن: إنِّيَ أخافُ إن عصَيتُ ربِّي عذابَ يَومٍ عَظيم؟!    فإذا كانَ نبي الكَرامَة لَم يستبعِد العذابَ عَن نفسِه الطَّاهرة الزَّكيَّة؛ فأنَّى لعُصاةِ أُمَّتِه المُصرِّين أن يُعطُوا لأنفسِهم ضَمانَة وَهميَّة زيَّنتها لهُم شياطينُهم وزَخرفتها لهُم بدخُول الجنَّة حَتمًا والخُروجِ من النَّار وإن طالَ أمَدُ العذاب؟! مالهُم كيفَ يحكُمون؟! أم لهُم كِتابٌ فيه يدرُسُون؟!

   لنُصِخْ بآذانِ قُلوبِنا إلى هذا النِّداء الرَّباني الصَّارِم لخاتم الأنبياءِ والمُرسَلين، ولنقِس عليه فإنَّ القياسَ في مِثلِ هذه المَواطِن لا خِلاف في حُجِّيتِه!  {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً. وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً. وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً} [الأحزاب :1- 3].

{اتَّقِ الله}!! ما أعظَمَها مِن عبارَة! لا خَيرَ فينا إن لَم نقُلها، ولا خَيرَ فيما إن لَم نسمَعها! ولَكن مِن النَّاسِ مَن إذا قيلَ لَه اتَّقِ الله أخذتهُ العِزَّة بالإثمِ وأرغَى وأزبَد والتفتَ إليك بِصلفٍ وكِبر قائِلا: ماذا رأيتَ فيَّ حتَّى تقُول لي اتَّقِ الله؟! وهَل رأيتَني أحرِقُ سجَّادَ المسجِد؟!!! (على العبارَة العامِّية التي دَرج عليها بعض السُّفهاء)!

* وكانَ رسُول الله  كثيرًا ما يأمُر أصحابَه بالتَّقوَى؛ ونحنُ نقرَأ في القُرآن حادِثَة زَيد وقصّته مَع زوجِه... {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ}[الأحزاب : 37].

* ومِن قبلِ رسُولِنا الكَريم ذي الخُلُقِ العَظيم، دأبَ أنبياءُ الله ورُسُلِه عبرَ التَّاريخ الإنسانِي المَديد على دَعوَة أقوامِهِم إلى تَقوى الله والالتِزام بِطاعتِه كشَرطٍ واحِدٍ ووَحيد للسّلامَة والنَّجاة مِن عذابِ الدُّنيا والآخِرة... وحتَّى نُدرِك خُطورةَ التَّقوى يُحدِّثُنا الله في نفسِ سياقِ قصص أولِئك المُرسَلين عَن دمار القُرى التي بُعثُوا فيها؛ يَفهَم بعدَها كُلُّ لبيب أنَّه إن فرَّط في لباسِ التَّقوى فما لَه مِن دُون الله مِن ولي واق؛ قَولا واحِدا كَما يقُولُ بعض الأصوليين والفُقهاء!! و "الواق" بالمُناسَبة أحدُ أسماءِ الله المَهجُورة التي لا نجدُها في المُعلَّقات المَعرُوفَة لأسماءِ الله الحُسنى، وليُلحقه القارئ الكَريم باسم الله "الشَّفيع" الذي تحدَّثنا عَنه في مَقال الشَّفاعَة!

-  لأكتَفِ بنمُوذَج قصَّة نُوح مَع قومِه في سُورة الشُّعراء؛ وأُحيلُ القارِئ الكَريم إلى نَفس السُّورة لاستكمال المِشوار مَع بقيَّة الأنبياء! وسيلفى أنَّ الدَّعوة إلى التَّقوى نفسها، ومصائِر الأقوامِ المُكذِّبَة نفسها كذلك!و ليتأكَّد بعدُ من خُطورَة المَوضُوع وأنَّه ليسَ أبدا بالشَّيء الهيِّن أو الاستِحساني التَّجميلي الذي لا يضُرُّ الإنسانَ فقدُه!

   يقُول تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (115) قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (121) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (122)} الشُّعراء.

* عَودا على بَدءٍ الآن؛ وقَد سبَق وأن قرَّرنا أنَّ التَّقوَى جَعل وِقايَة حيالَ شَيء مُعيَّن؛ وهي في كِتاب الله اتِّقاءُ سَخطِ الله وعقابِه الدُّنيوي والأُخرَوي؛ نُورِد بعض سياقات في القُرآن الكَريم لأوامِر ونَواهٍ مُتنوِّعَة في مَجالات مُختَلفَة مِن مجالات النَّشاط الإنساني؛ إنْ في الجانب العبادِي الرَّوحاني أو الجانب الحياتي المُعامَلاتي؛ نلفاها مُذيَّلَةً بالتَّقوى إمَّا أمرًا أو صِفَة، أو ثمَرَةً يقطفُها الإنسان جرَّاءَ امتِثالِه لذَلك الأَمر؛ ولنستحضِر ونَحنُ نتلَقَّى تِلك الأَوامِر مِن ربِّ العزَّة والجَلال أنَّ الله يُخاطبُنا مُباشَرة: طبِّقُوا هذا الأَمر وأذعِنُوا لَه حتَّى لا يأتيكُم العذابُ مِن قبلِه؛ فإنَّكُم إن استَنكفتُم عَنه وأهملتُموه؛ فاعلمُوا أنَّكُم فتَحتُم على أنفُسِكُم نافِذةً مِن عذابِ الله لا مُوصِدَ لَها – والعياذُ بالله – إلا إن تُبتُم تَوبَة نصُوحًا قبلَ المَوت!!

   أجَل هذا هُو الفَهمُ الصَّحيح الذي يَجبُ أن نستَصحبَه في أفكارِنا ومُخيِّلاتِنا ونَحنُ نقرأ أيَّ حديثٍ عَن التَّقوى في أيِّ سياق كان؛ فبهذا تَعظُم أوامِر الله؛ ويجلُّ وَقعُها في النُّفوس! أمَّا مَع الفِكر الإرجائي التَّنويمي السَّائِد لدَى جَماهيرِ غفيرَة مِن أهل القِبلَة – والله المُستَعان- فلا تَعدُو أن تكُون تِلكَ الأَوامِر عبارَة عَن اقتراحات ومُستَحبَّات ليسَ إلاَّ!

-  قُلتُ إنِّي سأستعرِضُ بعضَ السِّياقات من غير استِقصاء حفاظا على حَجمِ المَقال لئلاَّ يطُول أكثَر مِن حدِّه؛ ولنستحضِر في كُلِّ مَرَّة  المَعنى الذي قرَّرتُه آنِفا... إن أردتُم أن تكُونوا مُتَّقين فافعلُوا كذا، وائتمروا بِكذا لعلَّكُم تتَّقُون، وإن فعلتُم كذا فهُو أقرَب للتَّقوى... إلى ما شاكَل ذَلك مِن العبارات والصِّيَغ.

بعض سياقات التَّقوَى في القُرآن الكَريم

-  في سياق النَّهي عَن مَعاصٍ وآثام استَهان بِها كَثيرٌ مِن النَّاس:

]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ[[الحجرات : 12].

-  في سياقِ النَّهي عَن النَّجوى:

]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [[المجادلة : 9].

- في سياق الأَمر بإقَامة الصَّلاة:

 ]وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ[[الأنعام : 72].

-  في سياقِ بناء المَساجِد وبُيوت العِبادة:

 ]لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ. أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ[[التوبة :108- 109].

- في سياقِ الزَّكاة:

{وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى. الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} [الليل :17- 18].

- في سياقِ الصِّيام:

 ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[[البقرة : 183].

-  في سياقِ الحج:

]وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ[[البقرة : 196].

]الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ[[البقرة : 197].

 ]وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ[[البقرة : 203].

-  في مَوضُوع ذََبح الأَضَاحي والنُّسك:

]وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [[الحج : 36].

]ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ[[الحج : 32].

- في فريضَة الحجاب والأَخذ بالسِّتر:

]لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً[[الأحزاب : 55].

-  في إصلاح ذات البَين:

]إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[[الحجرات : 10].

-  في سياق الأدب وغض الصَّوت:

{إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ[[الحجرات : 3].

-  في الرِّبا والمُعامَلات المَالية:

]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ[[البقرة :278- 279].

- في سياقِ ضَبطِ أحكامِ الدُّيون:

]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ.... وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة : 282].

-  في سياقِ أحكامِ الرَّضاع والفِصال:

]وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ[[البقرة : 233].

- في سياقِ الطَّلاق:

 ]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً[[الطلاق: 1].

 ]وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ[[البقرة : 237].

]وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ[[البقرة : 241].

-  في سياقِ الوصيَّة وأحكامها:

]كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ[[البقرة : 180].

- حتى في أمرِ الجِماع ومُقدِّمَاتِه:

]نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ[[البقرة : 223].

-  في سياقِ الصَّيد والأطعِمة:

]يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ[[المائدة : 4].

]أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ[[المائدة : 96].

{لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ} [الحج : 37].

-  في سياقِ القِصاص والجُروح:

]الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [البقرة : 194] [[البقرة : 194].

]وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[[البقرة : 179].

-  في سياقِ المُعاهَدات والحُروب:

]إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ[[الأنفال :55- 56].

]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ[[المائدة : 8].

]إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ[[التوبة : 4].

]كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ[[التوبة : 7].

 ]إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[[الحجرات : 10].

{إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً[[الفتح : 26].

-  في أمرِ الأَنفال والغَنائم والفَيء:

]يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ[[الأنفال : 1].

]فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ[[الأنفال : 69].

]مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ[[الحشر : 7].

-  في جَوامِع إيمانيَّة وأخلاق إنسانيَّة فاضِلة:

{لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}[البقرة : 177].

{وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ. أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران : 133- 136].

-  في سياقِ الجِهاد:

]لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ[[التوبة : 44].

*  اللهم اجعَلنا مِن المُتَّقين الحافِظين لحُدودِك؛ المُمتَثلين لأمرِك يا أرحَم الرَّاحمين...و في الحَقيقَة لا يُوجَدُ فَردٌ مِن أفرادِ بني البَشَر إلاَّ ونوازِع التَّقوى مركُوزَة في نَفسِه مَطبُوعَة في فِطرتِه؛ ولكنَّ الأَمر يحتاجُ إلى جُهدٍ في تَزكيَة وتَطويع تِلك النَّفس حتَّى تستَجيبَ لأمرِ الله وتُخالِفَ هَواها! والجنَّة لا تُنالُ إلاَّ بالجُهد الذي هُو العَلامَة الفارِقَة بينَ المُؤمنين الصَّادقين والمُنافقين الكذَّابين!

{ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} الشَّمس.

{وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ} [محمد : 17].

-  وسيلَة تَزكيَة النَّفس هيَ الاتِّعاظُ الدَّائِم المُستَمر  بمواعِظ القُرآن بتدبُّر آيِه الحَكيمَة، وتأمُّل مصائِر المُكذِّبين ووَعيد الأشقياء المُعانِدين،  وجزاءُ الصَّادِقين المُخلَصين، وكذا حُسنُ التَّفكُّر فيما خَلقَ الله في الكَون مِن آيات ومُعجِزات؛ فكُلُّ ذَلك ممَّا يوطِّنُ القَلب على حقيقَة العُبوديَّة لربِّ الأَرض والسَّماوات، والسَّعي لاتِّقاءِ سَخطِه وعقابِه! لنستمِع إلى هذه البيِّنات...

]قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ[[الزمر : 28].

]وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً[[طه : 113].

]وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ[[الأنعام : 51].

]كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [[البقرة : 187].

]إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ[[يونس : 6].

]قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ[[يونس : 31].

{وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ. فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة :65-  66].

*  ومِن منَّة الله على عبادِه أن أمرَهُم بالتَّقوَى في حُدودِ الاستِطاعَة والطَّاقَة ولَم يُعنِتهُم بِما وراءَ ذَلك؛ وكُلُّ امرِئٍ على نَفسِه بصيرَة مِن قُدرتِه ومُكنتِه في تَطبيقِ أوامِر الله عزَّ وجل؛ والأَمر يَحتاجُ إلى تفقُّه وضَبط رصينٍ لأحكام الرُّخصَة والضَّرُورَة والظُّروف الطَّارئة؛ حتَّى لا يقَع المَرء في التسيُّب والانحِلال والتَّهتُّك تَحتَ شِعار يحمِلُه كثيرٌ مِن الجَهلى وذوي الوَهَن والخَوَر في الدِّين "فاتَّقوا الله ما استَطعتُم"! فلا يَنبغي أن نَغفَل أنَّنا مأمُورون قبلَ  ذَلك بأن نتَّقيَ الله حقَّ تُقاتِه!

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران : 102].

{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [التغابن : 16]

*  ومَهما بَذَل الإنسانُ مِن جُهدٍ في سبيلِ التَّقوَى؛ فإنَّه لَن يأتيَ يومٌ يستَطيعَ أن يجزِم فيه بأنَّ اسمَه قَد اندَرجَ ضِمن قائِمَة المُتَّقين حَتما وفَرضًا أو يُدخِل فيه أحَدًا مِن عبادِ الله لَم يأتِ النَّصُّ القاطِع مِن المَولى عزَّ وجل أنَّه مِنهُم؛ فالله وَحدَهُ المُطَّلِع على ما في السَّرائِر والعالِم بِخبايا أعمالِ عبادِه؛ والإنسان لا يتعرَّفُ على النَّتيجَة النِّهائيَة لمُحصِّلَة سعيِه في الحياةِ الدُّنيا إلاَّ عِند سَكراتِ المَوت حينَ تأتيه ملائِكَة الرَّحمَة تُبشِّرُه بالنَّعيم المُقيم والفَوز العَظيم؛ أو ملائِكَة العذاب – والعياذُ بالله – تضربُه على وَجهِه ودُبُرِه وتبشِّرُه بِعذابِ الحَريق! فليُمسِك الإنسان العَصا مِن الوَسط إذَن ولا يُزكِّ نفسَه ولا أحدا مِن عبادِ الله على خالِقه جلَّ وعز! وليُسدِّد وليُقارِب وليجتَهد؛ وليُكثِر قبلَ ذَلك وبعدَه مِن الدُّعاء والتَّضرُّع؛ يَجدِ الله غفُورا رَحيمًا!

{هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم : 32].

*  ليسَ بالعِرقِ ولا اللَّون ولا المالِ ولا الجاهِ يُفضِّلُ الله أحدًا مِن عبادِه على آخَر؛ بَل بالتَّقوَى وَحدَها؛ فُكلَّما كاَن المَرء أكثَر لله تَقوَى وخَشيَةً كانَ أقربَ مِن حضرتِه البهيَّة جلَّ جلالُه! اللهم أكرِمنا يا كَريم!

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}[الحجرات : 13].

*  فإذا كانَت التَّقوى إذَن بِهذه المَثابَة مِن الحساسيَّة والأهميَّة، والتَّشعُّب إلى سائِر مَناحي الحَياة، وكافَّة تقلُّبات الإِنسان؛ فلا غَروَ أنَّ المَرء سيكُون ضَعيفا بنَفسِه في سدِّ كُلِّ تِلك الثَّغرات إِن لفتُورٍ في همَّتِه أو لجَهل بالأَحكام حتَّى! فلِذا أمرَنا الحَكيم سُبحانَه أن نتعاوَن على تحقيقِ التَّقوى في حياتِنا، كُلٌّ وما أوتِيَ في سبيلِ ذَلك!

{وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة : 2].

- ولِهذا فإنَّ الأخلاَّءَ جَميعا في الآخِرَة سينقلبُ بعضُهم على بَعض؛ وتتأجَّج العَداوَة بينهُم في تِلك اللَّحظات العِصاب؛ ويتبرَّأ بعضُهم مِن بعض ويلعَن بعضُهم بَعضا؛ ولا ينجُو مِن ذَلك إلاَّ المُتَّقين الذين كانَ يشُدُّ بعضُهم أزرَ بعض ابتغاءَ رِضوان الله واشتراءِ جنَّتِه!

{الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف : 67].

ثمرات التَّقوى في الدُّنيا والآخِرة

   لا شكَّ أنَّ مَن سَلكَ سبيلَ التَّقوَى فإنَّه سيَحظَى بمَكارِم جليلة، وأُعطيَات ربَّانيَّة جَزيلَة؛ وهَل جَزاءُ الإِحسانِ إلاَّ الإحسان! سُبحانَ الذي لا يُضيعُ عَملَ عامِلٍ أيًّا كاَن مِن ذَكر أو  أُنثَى، ويَجزي على المَعرُوف أضعافًا مُضاعَفة!

{أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [صـ : 28].

-  نستَعرِضُ بعضًا مِن تلكَ الثَّمرات على شَكل نِقاطٍ مِن غيرِ إسهاب في الشَّرح حتَّى لا نُطيلَ أكثَر – وقَد أطَلنا – فمَعذِرة للقارئِ الكَريم.

1)  التقوى أعظم سبب لنيلِ العِلم الرَّبانيِّ الحَقيقي؛ عِلم الوَحي وما أدراكَ ما عِلمُ الوَحي الذي لا يتنزَّلُ إلاَّ في قلبٍ صَفا معدنُه وطهُر حياضُه؛ قال تعالى: ]وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[[البقرة : 282].

2) التَّقوى: سببٌ في توفيق العبد لأَن يفصِلَ بين الحق والباطل ولا يَقع في التباسٍ واشتباه؛ يقُول تعالى:]يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ[[الأنفال : 29].

3) التقوى سبب في حُصول الرَّحمة الإِلهيَّة في الدُّنيا والآخِرة، والاستِنارَة بنُور الله عزَّ وجل!

   يقُول تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ[[الحديد : 28].

4)  التقوى سَبب لِنيلِ وَلاية الله عزَّ وجل ومَحبَّتِه ومَعيَّتِه؛ ومَن كانَ الله مَعهُ فَمن عليه، ومَن كانَ عليه فَمن مَعه؟!

 ]إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ[[الأنفال: 34].

 ]وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ[[الجاثية : 19].

]أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ . الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ. لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ[[يونس :62-  64].

]بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ[[آل عمران : 76].

]وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ[[البقرة : 194].

 ]إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ[[النحل : 128].

5) التقوى: سبب لتيسير الأُمور وحلِّ المَشاكِل والصِّعاب؛  قال تعالى:]وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً[[الطلاق : 4].

]فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى[[الليل :5- 7].

6) التَّقوى سببٌ لتنزُّل البركات من الأَرض والسَّماوات!

قال تعالى: ]وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ[[الأعراف : 96].

7) التَّقوى سبب للخُروج مِن المضائِقِ والمَآزِق وتَوسِعة الرِّزق على الإنسان!

قال تعالى: ]وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً[[الطلاق : 2- 3].

8) التقوى سبب للمَدد الإِلهي، والنُّصرة في الحُروب على الأعداءِ والمُناوئين والكائِدين!

 ]إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ[[آل عمران : 120].

]بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ[[آل عمران : 125].

9)  إنها أعظَمُ مَهيَعٍ لصلاح الأعمال وقبولها، ومغفرة الذنوب والمَعاصي! فَمن يَبغي غَير التَّقوَى بديلا؟!

 قال تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً[[الأحزاب :70- 71].

10)  رحَماتُ الله في الدُّنيا والآخِرة لا تَكُون إلاَّ للمُتَّقين!

قال تعالى:{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} الأعراف:156.

11) العاقبة الحَسَنة كذَلكَ في الدُّنيا والآخِرَة لا تَكُون إلاَّ للمُتَّقين!

قال تعالى:  ]تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[[القصص : 83].

   وفي سياقِ قصَّة سيِّدِنا يُوسَف عليه السَّلام الذي هُو أسوَة المُتَّقين نقرأ قَوله تعالى في آخِر السُّورة]إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ[[يوسف : 90].

12)  التَّقوى سببٌ لحصول البشائِر في الحياة الدنيا قَبل الآخِرة!

]أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ . الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ. لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ[[يونس :62-  64].

13) التَّقوَى مَناطُ قَبُول الأَعمالالصَّالِحَة؛ فالله لا يَقبَل عَملاً خليطًا مِن خَيرٍ وشَر؛ ولَكن مَع التَّقوَى فإنَّ أعمالَ الإنسان كُلَّها تكُون نُورًا على نُور!

{إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة : 27].

14) التقوى: سبَبٌ للفوز والفلاح والنَّجاةِ في الدُّنيا والآخِرة! قال تعالى:  {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَوَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ}  النور:52.

   وأعظَم فَوزٍ ونَجاح أن يُزحزِح الله المُتَّقين عَن النَّار ويُدخِلهم الجنَّة!! لأنَّهُم اتَّقوا اللهَ فوَقاهُم شرَّ ذلك اليَوم ولقَّاهُم نَضرَة وسُرورا! فاللهم آتِنا في الدُّنيا حَسنَةً وفي الآخِرة حسنَة وقِنا عذابَ النَّار! ! ما قيمَة هذه الحياةِ الدُّنيا؟! إن هيَ إلاَّ مَتاع الغُرور!

{الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ. رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [غافر :7- 9].

استَجابَ الله لِهذه الدَّعوَة الصَّادِقة الحانيَة مِن الملائِكة الكِرام البَررة فوَقى الله عبادَه سيِّئات ذَلك اليَوم، ووقاهُم عذابَ الحَريق!

{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ. فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ}[الطور :17- 18].

{قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ. فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} [الطور :26- 27].

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}التَّحريم: 6.... السؤال: كيفَ نقي أنفُسَنا وأهلينا يا رب؟!

يأتي الجَواب الرَّباني بعدَ آيَة واحِدَة فقَط في نفس السُّورة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التحريم : 8].

* أُسدِل السِّتارَ عن هذا المَقال بآيَة جامِعَة مانِعَة؛ هيَ وصيَّة الله للأوَّلين والآخِرين لمَن كانَ لَه قلبٌ أو ألقَى السَّمعَ وهُو شَهيد!

{وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيّاً حَمِيداً} [النساء : 131].

والحَمد لله ربِّ العالمين

اجمالي القراءات 91764

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (4)
1   تعليق بواسطة   آحمد صبحي منصور     في   الثلاثاء ٢٧ - مارس - ٢٠١٢ ١٢:٠٠ صباحاً
[65435]

بورك فيك أستاذ نسيم .. ونرجو المزيد

موضوع التقوى فى القرآن يحتاج كتابا ، ولكن مقالك القيّم قدم صورة أفقية عنه تستحق التقدير . أرجو أن تتبعه بمقال آخر عن درجات التقوى ، وآخر عن عمومية الأمر بها ، مع رجاء التوقف مع كل آية بالتدبر والتحليل .


شكرا مرة ثانية .


2   تعليق بواسطة   نسيم بسالم     في   الثلاثاء ٢٧ - مارس - ٢٠١٢ ١٢:٠٠ صباحاً
[65441]

جزيتم خيرا على اهتمامكم أستاذ أحمد!

بارَك الله فيكم أستاذ أحمَد على اهتمامكم ومتابعتكم... أما عن المقال فأرجُو أن أكُون قَد وصلتُ مِن خلالِه إلى تثبيت الحقيقَة الكُبرى الغائبة عَن الوعي الإسلامي وهي أن الجنَّة لا يدخُلها إلا المُتَّقٌون، وأنَّها صِفة لازِمة لكُلِّ مُؤمِن تزوُل عَنه صِفة الإيمان بدُونِها... وأنَّ أصحابَ الجنَّة وإن تفاوَتت الدَّرجات بينهُم بِحسبِ العَمل؛ فمنهم السابقُون ومِنهُم أصحابُ اليَمين إلا أن القاسم المُشترك بينهُم جميعا هُو التَّقوى! وحاولتُ أن أبيِّن أنَّ التَّقوى تُلازِم المُؤمن في كُلِّ أحوالِه العباديَّة والمعاملاتيَّة مِن خلال إيرادي لتلكم النماذج القرآنيَّة مِن غيرِ دُخول في تفصيلِ كُلِّ آيَة على حِدَة؛ فلَو فعلتُ لاحتاجَ الأَمر إلى كتاب مُستقل كَما تفضَّلتم مشكورين، وإنَّما همِّي مِن هذه الأسطُر التَّحسيس بحقيقَة التَّقوى وضرُروتها وشموليتِها لُكلِّ أفعال الإنسان وحركاتِه،  وانَّها ليسَت مِن فضائل الأعمال أو منزلَة خاصَّة لا يُطلَب مِن الكُلِّ أن يصِل إليها! ويبقَى تحقيق مناطِ التَّقوى ففي كُلِّ مجال بِحسبِه، ويحتاج إلى اجتِهاد خاص ممَّن ارتَوى مِن معين القُرآن واستَنار بقوانينه... جعلني الله وإياكم من أهله، والحَمد لله رب العالمين.


3   تعليق بواسطة   نسيم بسالم     في   الأربعاء ٢٨ - مارس - ٢٠١٢ ١٢:٠٠ صباحاً
[65456]

إنما يتقبل الله من المتقين!

نُقطَة أخرى ينبغي التَّركيز عليها كثيرا في طَرح هذا الموضوع شيخ "أحمد" هي قضيَّة "إنَّما يتقبل الله من المتقين"... فكثير من العُصاة مَن يتصوَّر أنَّ مساهمته في المشاريع الخيريَّة، والإكثار من الصَّدقات على ملاجئ الأيتام مثلا، وموالاة الحجات والعمرات كفيلٌ بتغطيَة كُلِّ ذنوبه وأوزاره... في حينَ أن كل ما ذكر قرابين إلى الله تعالى لا تُقبَل إلاَّ مَع شَرط التَّقوى؛ فإن وُجِدَ كانت تِلك الأعمال نُورا على نور يرتقي صاحبُها درجات عند الله تعالى بحسب قيمَة تلك الأعمال الصَّالِحة...أما مع فقدان التقوى فلا تقبل تلك الأعمال ولو كانت أمثال الجِبال! ولنا في قصة ابني آدم عبرة إذ قرَّبا قربانا فتقبِّل من أحدهما ولَم يُتقبَّل من الآخَر، قال لأقتلنَّك (يعني لا زال مصرًّا على المعصيَة)، فأجابَه صاحبُه: إنَّما يتقبل الله من المتقين! فاللهم اجعلنا من المتقين، وتقبل منا صالح القَول والعَمل. آمين يا رب العالمين. 


4   تعليق بواسطة   omar khalid     في   الإثنين ٢٤ - ديسمبر - ٢٠١٢ ١٢:٠٠ صباحاً
[70704]

الشكر الجزيل ونرجو المزيد

بارك الله فيك سيد نسيم بحثت طويلا عن معنى  للتقوى يقتنع به عقلي فلم اجده الا في مقالك وعلمت الان انها شئ اساسي يجب ان يكون في المسلم  وليست صفة كمالية  ارجو منك لو تكرمت المزيد


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2012-01-12
مقالات منشورة : 53
اجمالي القراءات : 703,022
تعليقات له : 9
تعليقات عليه : 27
بلد الميلاد : algeria
بلد الاقامة : algeria