لمحة عن النبات فى القرآن الكريم

آحمد صبحي منصور Ýí 2024-02-19


 لمحة عن النبات فى القرآن الكريم

مقدمة

1 ـ ليس القرآن الكريم كتابا فى التاريخ أو فى العلوم أو القانون ، بل هو كتاب فى الهداية ، والآيات التى تتعرض للتشريع والقصص أو تتضمن إشارات علمية تأتى فى معرض الهداية والوعظ .

2 ـ نأخذ مثالا من حديث القرآن الكريم عن النبات :

أولا : فى موضوع النبات تتكرر الدعوة القرآنية للتفكر والتعقل والتبصّر والايمان وشكر الخالق جل وعلا.

نرجو تدبر قوله جل وعلا :

1 ـ ( هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) النحل )

2 ـ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (27) السجدة )

3 ـ ( وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4) الرعد ). التربة واحدة والماء واحد ولكن النبات مختلف فى اللون والمذاق والشكل .

4 ـ ( وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ) (141) الانعام ). هنا التشابه وغير التشابه والاختلاف فى مذاق الأكل .

5 ـ  ( وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً وَمِنْ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99) الانعام )

6 ـ ( أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلَلْتُمْ تَتَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) الواقعة )

ثانيا : الأسلوب القرآنى لا مثيل فى روعته فى وصف جمال النبات .

  جنّة الدنيا هى الزروع . فى وصف الجنة للبستان والمزروعات قال جل وعلا :

1 ـ ( وَنَزَّلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) ق ). لم يقل فأنشانا به زروعا .!

2 ـ ( وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ ) (141) الانعام ). هى جنات معروشات ومكشوفات .

وصف النبات بالبهجة ، أى يُبهحك حين تنظر اليه .

قال جل وعلا :

1 ـ ( وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) الحج )

2 ـ (  وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) ق )

وصف رائع للنبات فى قوله جل وعلا : ( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً (34) الكهف )

تخيل : جنتان من أعناب ـ والأعناب وصف يشمل الكثير ، ثم يحف بهما النخيل من الخارج ، وبين النخيل وبين الأعناب زروع ، وهناك نهر بين الجنتين ، وأثمرت الجنتان مختلف الثمرات .

وصف رائع للنخيل ولثمرة النخيل . قال جل وعلا :

( وَنَزَّلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) ق ). النخل باسقات ، أى مرتفعة فيما يشبه الخيلاء . و( قنو النخل ) قد تراصّ البلح فيه بشكل مُنضّد .

 ثالثا : دلالة النبات على حال الدنيا

قال جل وعلا :

1 ـ ( أَلَمْ تَر أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَابِ (21) الزمر ). أولو الألباب يفهمون ويتذكرون المعنى المراد . حال الدنيا والبشر فيها مثل النبات ، كلاهما مختلف الألوان والنشأة والظروف ، وكلاهما يصل للشباب والصحة ثم الذبول والموت !.  

2 ـ ( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ) (45) الكهف ). هنا المثل واضح ، نبات يزدهر ثم يندثر . وكذلك نحن البشر .

3 ـ ( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ (20) الحديد ). هنا خطاب إلهى صريح لنا ، يبدأ بقوله جل وعلا لنا ( اعْلَمُوا ) فهل نعلم ؟ ثم بعده وصف الحياة الدنيا باسلوب القصر والحصر بأداة ( إنّما ) : ( أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ ) ثم الاتيان بمثل ( الكفار ) والذى يعنى هنا الزُّرّاع الفلاحين ، لأن ( كفر تعنى غطى ) وهم يغطون البذور بالتربة وبالماء لكى تنبت  : (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً )  يزدهر ثم يندثر ، والنتيجة فى الآخرة إما نعيم وإما جحيم (  وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ  ) والمحصّلة النهائية وصف الدنيا باسلوب القصر والحصر : ( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ ).

هل نقول : صدق الله العظيم ؟!

رابعا : دلالة النبات على البعث والنشور للبشر

1 ـ فى وصف البشر بالنبات فى الميلاد والموت والبعث : (  وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتًا ( 17 ) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ( 18 ) نوح ). بالتالى فالبعث للبشر يشبه دورة النبات ، فى الحياة بعد الموت .

2  : هناك قبور للأنفس الميتة فى البرزخ . عند البعث تخرج الأنفس من قبورها البرزخية أو الأجداث . نرجو تدبر قوله جل وعلا :  

2 / 1 : عن النبات ثم عن قبور البرزخ : ( وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7) الحج )

2 / 2 : ( أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) العاديات )

2  /  3 :(  إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5)  الإنفطار ).

2 /  4 : ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنْ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ (51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52) يس ) .

2 /  5 : ( يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (6) خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ (7) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8) القمر )

2 / 6 :(  فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ (42) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (44)

3 ـ  وهذا كالنبات يستلزم الماء ، ولكنه ماء برزخى . وهذا ما جاء فى  الربط بين إحياء النبات بعد موت وبعث البشر بعد الموت . قال جل وعلا :

3 / 1 : ( وَنَزَّلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9)وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11)ق ). نرجو تدبر قوله جل وعلا : ( كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ).!

3 / 2 : ( وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57) الاعراف ) . نرجو تدبر قوله جل وعلا : ( كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى  ).!

3 / 3 : ( وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (9) فاطر ). نرجو تدبر قوله جل وعلا : ( كَذَلِكَ النُّشُورُ ). !

3 / 4 : ( وَالَّذِي نَزَّلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (11) الزخرف ). نرجو تدبر قوله جل وعلا :  ( كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ). !

3 / 5 : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىإِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) فصلت ). نرجو تدبر قوله جل وعلا : ( إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى ).!

خامسا : مأساة البشر وليس النبات  :

 1 ـ سافر الى دولة خليجية عمل فيها كادحا ثلاثين عاما ، ثم رجع لبلده وإشترى أرضا بورا إستصلحها وأنفق فى الشراء والاستصلاح معظم ماله ، وتذكر أنه لا بد أن يتزوج ، فتزوج وهو فى خريف العُمر، وأنجب عدة أطفال. وفجأة إشتعلت النار فى مزرعته وبيته وأحرقت كل شىء وزوجته ، ونجا بصعوبة هو وأطفاله الصغار . نظر الى كل شىء فوجده ترابا . نظر لأولاده ورآهم صغارا ، نظر لنفسه فرآى شيخا عاجزا متهدما . هل يستطيع أن يعيد بناء البيت وإستزراع المزرعة وتربية الأطفال ؟ . مأساة بلا شك .!

2 ـ هذه القصة مستقاة من قوله جل وعلا : ( أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266) البقرة ). الآية الكريمة تبدأ بسؤال رب العزة جل وعلا لكل واحد منا ( أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ ) ، وطبعا لا يودُّ أحدنا أن يحدث له هذا . وتنتهى القصة بدعوة للتفكير : ( كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ) . فهل تفكّرنا ؟

3 ـ لم نتفكّر، ولم نتّعظ . مع إن هذه القصة الرمزية تتكرر على مستوى الأفراد العاديين ، وعلى مستوى الحكام المستبدين . لكل  ( مزرعته ) ، و ( ممتلكاته ) و ( أمواله )، ويتصارع لتكبير مزرعته وممتلكاته ، ثم ينتهى أمره : يترك ممتلكاته بالموت ، وإما أن تتركه ممتلكاته بالخسارة ، أو بهذا وذاك فى وقت واحد . الخيبة الأفظع للمستبد صاحب المزرعة الكبرى والذى يملك الوطن وما عليه ومن عليه . تفكروا فى نهاية صدام والقذافى وزياد برى وعلى صالح والبشير ومبارك وزين العابدين بن على وبوكاسا وعيدى أمين وضياء الحق وشاه إيران ..الخ .

4 ـ الحاضر الغائب فى هذا المثل القرآنى هو ( النبات ).

أخيرا :

1 ـ كذب هيرودوت فى قوله ( مصر هبة النيل ) ، يقصد أن الحضارة المصرية هى هبة من النيل . ولكن النيل يمرُّ ببلاد كثيرة ، ولكن مصر وحدها هى صاحبة الحضارة ، أى إن الصحيح أن مصر هبة المصريين وليس النيل .

2 ـ فرعون موسى عقد مؤتمرا عاما يفخر فيه بإنجازاته ومنها أنهار شقّها تفرعت من النيل ، ويفتخر بهذا على موسى عليه السلام : ( وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (51) الزخرف ). هذا الفرعون الفاسد الطاغية إنتهى بقومه وجيشه غريقا فى البحر الأحمر ، وترك خلفه الجنات والعيون والكنوز . قال جل وعلا :

2 / 1 : ( فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) الشعراء  )

2 / 2 : ( كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ (28)  الدخان ) .

3 ـ كانت مصر طوال تاريخها سلّة الغذاء لمن حولها ، ونتذكر قصة يوسف والمجاعة وكيف كانت مصر هى كنوز الأرض : ( قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) يوسف ).

4 ـ ظلت مصر منبع الخير لمن حولها إلى أن حكمها العسكر من عام 1952 . بإختصار : هم الجراد الأصفر الذى إلتهم ويلتهم الأخضر واليابس . !

اجمالي القراءات 1142

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (2)
1   تعليق بواسطة   حمد حمد     في   الثلاثاء ٢٠ - فبراير - ٢٠٢٤ ١٢:٠٠ صباحاً
[95108]

الخراب يعم الدول العربيه


جزاك الله خير الجزاء بالدنيا والآخره دكتور أحمد المحترم ، تدبر رائع عن وصف النبات من خلال القرآن العظيم ولمحه مهمه على وضع مصر بعد حكم العسكر ، ألا ترى ذلك يشمل جميع الدول العربيه من العراق والسودان واليمن وليبيا وغيرها ، تكاد تجف مياه الأنهار كدجله والفرات  وإهمال واضح ومتعمد من قبل الساسه في دمار المشاريع الزراعيه ولاتوجد حتى برامج مشجعه او توجه لدعم أهم مصادر (الأمن الغذائي )إلى اين نسير !



2   تعليق بواسطة   آحمد صبحي منصور     في   الثلاثاء ٢٠ - فبراير - ٢٠٢٤ ١٢:٠٠ صباحاً
[95109]

جزاك الله جل وعلا خيرا استاذ حمد ، واقول:


الواقع الذى نراه أكثر تعبيرا مما نقول.

وأقول : تمتعوا بالسىء فإن الأسوأ قادم .

وما ظلمهم الله جل وعلا ولكن أنفسهم يظلمون. 

أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4982
اجمالي القراءات : 53,399,955
تعليقات له : 5,326
تعليقات عليه : 14,626
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي