فصول من تاريخ الكذب على الرسول

مولود مدي Ýí 2017-06-23


ان انتشار الكذب و الوضع على الرسول عليه السلام ليس وليد عصر الصراعات المذهبية بين المسلمين .. بل الكذب على الرسول كان موجودا حتى أثناء حياة الرسول, فيذكر الدكتور احمد أمين في كتابه ( فجر الاسلام ) ان الحديث المنسوب للرسول ( من كذب علي متعمّدا فليتبوأ مقعده من النار ) قيل في حادثة زوّر فيها على الرسول, لذا عندما ينشر المسلمين الأكاذيب و ينسبونها لرسولهم يعني أنه من الممكن ان يكذبوا عليه مجددا بعد موته, بل وسيذهبون بعيدا في ذلك بتجنيد الفقهاء لتبرير الكذب على الرسول و جعل الروايات الملفقة ركنا من أركان الاسلام, و سيتمادون كثيرا محاولين اضافة صبغة العلمية على هذا الكذب باختراع علوم مثل " علم الرجال " و " الجرح و التعديل " التي أصلا لم تلتزم بالعلمية, بل كانت معاييرها غير موضوعية اطلاقا بل كانت اختيارية و تخضع لآراء المذاهب و تتأثر بالصراعات السياسية و المذهبية.

أصبح الوضع رسميا و شرعيا و تم دعمه في عهد معاوية, فهذا الأخير بدأ بمنع الاحاديث التي تروي مناقب الصحابي علي بن أبي طالب من أن تنتشر بين المسلمين, و الدالة على فضله, ثم منع الأحاديث التي تدل على أحقيته بالإمامة, و التعامل مع من يخالف ذلك اما بالتكفير و الاتهام بالتشكيك في دين الله وسنّة رسوله, و ان ذهب بعيدا سيكون جزاءه اما السجن أو الاغتيال, ويذكر أبو جعفر الاسكافي أن معاوية وضع قوما من الصحابة, وقوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في الامام علي بن أبي طالب, تقتضي الطعن فيه و البراءة منه, وجعل لهم على ذلك جعلا يُرغب في مثله, فاختلقوا ما أرضاه, منهم: أبو هريرة, و عمرو بن العاص, و المغيرة بن شعبة, و من التابعين عروة بن الزبير.

كانت غنائم الغزوات الوحشية الأموية تعود الى خدمة أهداف معاوية في تمويل حركة الوضع على الرسول و تشويه خصمه اللدود علي بن أبي طالب, وقد روي أن معاوية قد بذل لـ " سمرة بن جندب " مائة ألف درهم حتى يروي أن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب ( و من الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا و يشهد الله على ما في قلبه و هو الدّ الخصام ) فلم يقبل, فرفع المبلغ الى مائتي الف درهم و رفض, و بقي " سمرة بن جندب " في رفضه حتى أوصل معاوية المبلغ الى اربعمئة الف فقبل و روى ذلك, و مما وضعه عروة بن الزبير, ان عائشة حدّثته قالت ( كنت عند النبي –ص- اذ أقبل العبّاس و عليّ, فقال: يا عائشة, ان سرّك أن تنظري الى رجلين من أهل النّار, فأنظري الى هذين قد طلعا, فنظرت, فاذا العبّاس و عليّ بن أبي طالب ) .. الطريف أن فقهاء دين السنّة و الجماعة الحديثي متّفقون على عدالة الصحابة و بحرمة انتقادهم أو الشك في نياتهم, لكن لا يمنعون من تداول الأحاديث التي تبشّر أن الصحابيان علي و العبّاس هم من أهل النار!.

لا يمكن تجاهل أن الدافع السياسي كان له اليد العليا في انتشار الوضع, فبدءا من توّلي الامام علي بن أبي طالب الخلافة بضغط من الجماهير, الى خروج معاوية و طلحة و الزبير عن طاعته نتج عن ذلك حروب طاحنة احتاج فيها كل فريق من المتخاصمين الى الوضع و التدليس, و بعد استيلاء معاوية على الحكم, ظهرت الروايات التي ترفع من شأن القابضين على السلطة, وتزيد عليهم القداسة كالحديث المنسوب الى الرسول الذي رواه " واثلة بن الأسفع " ( الأمناء عند الله جبريل, و أنا, و معاوية ) فيبدوا أن واضع هذا الحديث متأثر بالتثليث المسيحي ( الأب و الابن و الروح القدس ) فقط لا نجد الله طرفا في الأقنوم هنا!, وظهرت روايات أخرى تجعل الخروج علي حكّام بني أمية معادلا للكفر بالله كحديث ( تسمع و تطيع الأمير و ان ضرب ظهرك و أخذ مالك, فأسمع و أطع ) فواضح من هذا الحديث انه كان موضوعا لحساب السلطات الأموية الجائرة, ولضمان خضوع المسلمين لها, و السكوت على ظلمهم و تجاوزاتهم التي بلغت الأفاق, و الأمر الملفت للانتباه هنا هو كلمة " الأمير ", فلماذا لم يقل الرسول " الخليفة " عوض " الامير " ؟ لم يجد الكذابون و الأفّاقون من حل الى اختراع حديث أخر يزعمون فيه أن الرسول تنبأ بأن الخلافة الاسلامية ستتحول الى ملكية ( الخلافة ثلاثين سنة ثم بعدها الملك ).

يتجاهل الكثير من الناس أن من الاسباب التي أكثرت من الوضع و الكذب على الرسول, انتشار الزهد و التصوّف بين المسلمين, بحيث كان المتصوّفة و الزاهدين, يضعون الأحاديث في الترغيب و الترهيب, حتى أصبح الاسلام دينا ارهابيا دون منازع, وزعموا أن هذه الاحاديث تحض الناس على الابتعاد عن المعاصي و المنكرات, و كان يضعون هذه الاحاديث احتسابا للأجر عند الله!, ففي كتاب ( معرفة أنواع الحديث ) لابن الصلاح يقول : " و الواضعون للحديث أصناف, و أعظمهم ضررا : قوم من المنسوبين الى الزهد, وضعوا الحديث احتسابا في ما زعموا, فتقبّل الناس موضوعاتهم, ثقة منهم بهم, وركونا اليهم. " فلا يختلف المحسوبين على الزهد و التصوف هنا, عن الذين اخترعوا الحديث لنصرة فقهائهم, او نصرة السلاطين, الكل في سلّة واحدة,  فالكل يكذب على الرسول, و يقوّله ما لم يقل.

و كان دافع المنافع الشخصية حاضرا بقوة في الوضع, بحيث كان فقهاء السلاطين يضعون الأحاديث تقرّبا الى الحكّام, بوضع الأحاديث التي ترضي ميولهم و غرائزهم, و التي تحلل لهم الحرام, و التي تسهّل لهم تثبيت سلطانهم, و التي تبرر ظلمهم, ومنهم نذكر " غياث بن ابراهيم الكوفي " الذي دخل على الخليفة المهدي العبّاسي ووجده يلعب بالحمام, فروى حديث " لا سبق الا في نصل أو خفّ أو حافر " فزاد عليه " أو جناح ", تقرّبا الى المهدي, فأعطاه عشرة الاف درهم, و هنا نلمس لماذا تأثر دين السنّة و الجماعة بهذه الأحاديث و أصبح مهووسا بتحريم الحلال المباح, فلا يوجد شك من أن المالكية و الحنابلة  و الشافعية قد تأثروا بهذه الأحاديث, فجعلوا الرسول يحرّم و يحلل, و احيانا الله يحلل و الرسول يحرّم!.

لقد تأثرت أراء الفقه الاسلامي حتى بالقصّاصين, اذ اخترعوا الأحاديث التي تجسّم الذات الالهية, فذكر السيوطي في كتابه ( تحذير الخواص من أكاذيب القصّاص ) : أن قاصّا جلس ببغداد, فروى تفسير قوله تعالى ( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ), وزعم انه يجلسه معه على عرشه, فبلغ ذلك محمد بن جرير الطبري, فبالغ هذا الأخير في انكار ماقال هذا القصّاص, و كتب على باب داره " سبحان من ليس له أنيس, ولا في عرشه جليس ), ولأن تأثير القصّاصين على العامة كان أكبر من تأثير العلماء و الفقهاء, تسبب ما كتبه الطبري على باب داره باثارة العوام عليه, ورجموا بيته بالحجارة, ثم تم اتهام الطبري بالاعتزال من طرف الحنابلة, و أنه معتزلي متخفي, ثم كتب كتابا ليرد الشبهة على نفسه ( كتاب صريح السنّة ) خوفا من نيل الحنابلة منه, وفيه كفّر فيه المعتزلة و كفّر كل أراءهم.

و بسبب الترف و الاسراف المتفشي في الامبراطوريات الاسلامية, انتشرت المعاصي بين المسلمين, فكانوا بحاجة الى من يضع لهم الأحاديث التي تساعدهم على الاستمرار في حياتهم اللاهية دون رادع, فظهرت احاديث " الشفاعة ", و أحاديث منسوبة للرسول, يزعم فيها الرسول أن المسلم العاصي يمكن أن يخرج النار اذا دخلها, و هذه مخالفة صريحة للنّص القرأني, ومخالفة للعدالة الالهية, فظهر حديث مدوّن في صحيح البخاري " يخرج من النار من قال لا اله الا الله و في قلبه وزن شعيرة من خير " فيعني هذا الحديث أن حتى المنافقين و الكذّابين و جميع عصاة المسلمين هم خارجون من النار لأنهم جميعا يقولون لا اله الا الله, فما فائدة حساب الله عزو جل اذن ؟.

الطامة الكبرى هي أن المسلمون لا يستمدون أغلبية عقائدهم من الوحي الرباني القرأني الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, و انما يبنون ايمانهم على أحاديث " قال و قال و حدّثنا " و يجتهدون في الدفاع عن هذه المرويات الباطلة, و يجتهدون في شرعنة الكذب على الرسول, ثم ينعقون كالغربان ويقولون " لبيك يا رسول الله ", يجتهدون في الدفاع عن الروايات التي تظهر النبي بصورة النبي الوحشي الشهواني, ثم يتباكون عندما يقوم صحفي غربي بنشر الرسومات عن الرسول و التي يسمّونها " مسيئة " و التي هي أصلا نابعة من هذه المرويات الفاسدة الكاذبة.

ان من يعرف الاسلام حقيقة لا يمكنه ان يبني ايمانه بأحاديث العنعنة و جلسات قال و قال فما الذي ادرانا انه قال ؟, و منذ متى اصبحت اقوال فلان و علان دينا و تشريعا مقدسا ؟, فهذا التصرف خطير على الاسلام و على البشرية فكم من السهل ان تنسب قولا لشخص عادي, ثم تقول أن رسول الاسلام قاله, فكيف يتجرؤون على الرسول و على اصحابه بهذا الشكل و تقويله ما لم يقل ؟, و لكي تكون لهم الحجة في اثبات الأحاديث الى الرسول باي شكل, اخترعوا علما اسموه اسما مضحكا و هو " علم الرجال " هذا لأنهم يريدون مجتمعا ذكوريا لهوسهم بالمرأة, لكن الطريف انه لم يتفقوا على الرجال و خرجت تفسيراتهم نسبية فمنهم من مدح الراوي و منهم من ذمّه و قال بكذبه و بعد ذلك يقولون أن الحديث صحيح!!, ومع هذا يصم أذاننا كهنة الإسلام في المساجد بترهات مثل: حدثنا فلان بن علان عن أبي هريرة أنه قال, فربما يقول لهم يوم القيامة صاحبهم أبو هريرة: أنا أبو هريرة ولم أحدثكم و لا علاقة لي بكم !!.

اجمالي القراءات 9760

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (1)
1   تعليق بواسطة   عامر جرادات     في   الأحد ٢٥ - يونيو - ٢٠١٧ ١٢:٠٠ صباحاً
[86517]

Amer Jaradat


مقال جميل نابع عن فهم جميل 



أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2017-04-13
مقالات منشورة : 59
اجمالي القراءات : 478,247
تعليقات له : 23
تعليقات عليه : 39
بلد الميلاد : Algeria
بلد الاقامة : Algeria