فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ:
فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ

أسامة قفيشة Ýí 2016-06-18


فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ

قال الأستاذ مجدي متسائلاً : هل يجوز للمسلم أن يقتل و يفجر المدنيين الآمنين انتقاماً كما تفعل بعض الدول العظمى حين تقصف المدنيين في منازلهم على أساس ( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ) ؟

قلت : لا !

قال الأستاذ مجدي  : كيف لك رفض هذا الكلام و هو شديد الوضوح ؟

قلت : هو فعلاً شديد الوضوح , و لكن بالنسبة لما تحمل في رأسك من تراث وسخ يجعلك تظن هذا الظن , فتعتقد أن هذا الكلام يجيز لك ما تريد .

قال الأستاذ مجدي : كيف ؟

قلت : سأقول لك كيف و الله المستعان ,

في البداية تعالَ بنا لنعود للوراء قليلاً كي نضع النقاط في نصابها حتى نعلم القاعدة التشريعية و نعلم حالات التطبيق بها كي لا يلتبس الأمر علينا فنطغى على حكمها بزيادتنا و تحميلنا للمراد أكثر مما يحتمل ,

و كي نعي هذا علينا بتدبر كلام الله جل وعلا في أربع آيات متتاليات من سورة البقرة تبين لنا الحق بشكل جلي دون بترٍ للآيات فقال سبحانه ( وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ *وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ * الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) 190-194 البقرة :

جاء تشريع القتال في الإسلام دفاعاً و ليس اعتداءً ( وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) أي القتال و أشدد هنا على لفظ القتال فهو بين طرفين متقاتلين , على عكس الاعتداء الذي يكون من طرف واحد معتدي على آخر غير معتدي ,

فالتشريع الإسلامي يحدد و يسمح للمسلمين بقتال من طالب الاقتتال و شَرَعَ ساعياً من أجله , فتوجب على المسلمين مقاتلته دفاعاً عن أنفسهم غير معتدين , أي لا يجوز لهم طلب الاقتتال ضد أحد , و لا يجوز لهم البدء به , و لا يجوز لهم حتى الاعتداء أي الهجوم على أحد لأن الله جل وعلا لا يحب المعتدين ,

فقد جاء تشريع القتال للمسلمين بعد سنواتٍ من نهيهم عنه , و جاء بعدما شَرَعَ من حولهم بقتالهم و استمروا بالاعتداء عليهم فقال جل وعلا ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وان الله علي نصرهم لقدير ) إذا كان هناك من يقاتلهم فأذن لهم بقتاله دفاعاً لا ابتداءً بالاعتداء أو العدوان لأن المبتدئ بالقتال هو المعتدي و قد نهينا من الاعتداء , فليس في الدين ( حربٌ إستباقية ) , بل هناك أمرٌ بالحذر و الاستعداد كما في قوله ( وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ) .

ثم يأتي توضيح هذا القتال و تثبيت حالته , فكان وجهاً لوجه ( وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ) , مقاتلون مقابل مقاتلون , مسلحون مقابل مسلحون , جيش مقابل جيش ,

ثم يأتي النهيّ للمسلمين من الاقتتال عند المسجد الحرام الذي هو بمثابة الأمن و الأمان لجميع البشر فمن دخله فقد أمِنَ على نفسه من القتل إن كان طالباً للأمن لا شاهراً لسلاحه ,

فمن دخله مقاتلاً غير آمن فهو من المعتدين الظالمين , حينها جاز للمسلمين بقتل هذا الظالم دون الاعتداء على من دخل المسجد من قومه مسالماً طالباً الأمن ( فَإِنِ انتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ ) , فالقتال عند المسجد الحرام هو تماماً كالقتال في الأشهر الحرم فما ينطبق على المسجد الحرام ينطبق على الأشهر الحرم ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) 217 البقرة ,

فالقتال في الأشهر الحرم و عند المسجد الحرام ليس فقط بعداً و عدم استجابة لأمر الله جل وعلا بل هو كفرٌ علنيٌ بالله عز و جل , لذا توجب على المسلمين عدم طرد أي من البشر الذين يلجئون و يحتمون بالمسجد الحرام , لأن من دخله آمناً أصبح من أهله , فطرد من دخله هو فتنةٌ و صدٌ عن سبيل الله جل وعلا ( وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ) , ثم يخبرنا عالم الغيب عن الكافرين المعتدين و بصيغة المضارع المستمر ليوم الدين فقال ( وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ) فهدف هؤلاء أن يصبح المسلمون مثلهم كافرون بالدين الحق , يفعلون ما يفعل المعتدين من اعتداء و ظلم , و يبتعدوا عن سبيل الله الداعي للسلم و الأمن .

ثم في سورة المائدة يقول جل وعلا ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) 2 المائدة ,

هنا الحديث عن المؤمنين الذين آمنوا فاختاروا الأمن و السلام , ممن التزم بهذا النهج الذي أمر به الله جل وعلا حيث أمر بالسلم و الأمن عند المسجد الحرام و في الأشهر الحرم , حيث يأمر الله جل و علا من آمن به مسلماً بأن لا يمنع الناس من أن يؤموا المسجد الحرام إن كانوا يبتغون رضوان ربهم ( وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ) فلا يجب معاقبة هؤلاء بما يفعل به أقوامهم بل يجب أن يتعاونوا معهم و يبروا بهم , و وجب على الوافدين للمسجد الحرام الالتزام بعدم الاعتداء فيه نزولاً لشأن أقوامهم , حيث كان هذا الصد عن المسجد الحرام هو فعل أقوامهم لا فعل المسلمين ( وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ) ,

بل يأمرنا الله جل وعلا بالإحسان لهم لأن الإساءة لأي إنسان مسالم آمن هو إثمٌ و عدوان ( وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ ) , هذا الكلام و الدعوة لعدم معاقبة البشر المسالمين الآمنين بما يرتكبه أقوامهم من ظلم و اعتداء , نستنتجه من قوله جل وعلا ( كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) 7 التوبة ,

هذه دعوة لنا كي نستقيم لمن عاهدنا و جاءنا عند البيت الحرام طالباً مبتغياً فضلاً من الله و متقرباً له طالباً رضوانه جل وعلا حتى و إن كان قومه مشركون , و حتى لو كان متبعاً لدينٍ آخر , لأن المسجد الحرام وضع للناس كافة , فالاستقامة لمن جاء قاصداً المسجد الحرام حتى لو كان قومه معتدون كانت واجبةٌ على المسلمين و هذا نوعٌ من التقوى .

من هذه المبادئ الإسلامية نعلم بأن القتل هو من نصيب المقاتلين , أما من غير المقاتلين فهو اعتداء و تعدي لا يقبله الله جل وعلا ,

أما في مبدأ القصاص فيكون القتل في الشخص القاتل , فإن كان القاتل مجهولاً فحسابه عند عالم الغيب , أي لا يجوز لنا القصاص من أهل القاتل , و إلا أصبح ذلك ثأراً و عدواناً , من فعله كان ظالماً معتدياً على حرمات الله جل وعلا ,

إذا نلاحظ بأن تلك الآيات من سورة البقرة 190-194 التي ذكرناها في البداية من أجل تدبرها , تتحدث عن مبادئ القتال و مبادئ القصاص , فوجب على المتدبر التمييز و عدم الخلط , حيث أن الآية 194 تقول ( الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) ,

فالاعتداء هنا هو في القصاص , و القصاص يكون في الشخص الجاني لا في غيره , فلا يكون القصاص من أهل الجاني و لا يجوز ذلك بأي شكل من الأشكال , فمن ارتكب حرمه من حرمات الله جل وعلا معتدياً على تلك الحرمات , وجب على المسلمين القصاص منه بمثل ما اعتدى به , إن كان معلوماً و ثابتاً عليه ذلك .

و من هنا لا يجوز لنا من تعميم ( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ) لأن هذا الاعتداء هو فقط في القصاص و مقتصرٌ عليه , لأن الأصل هو عدم الاعتداء .

 

سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا

سبحانك إني كنت من الظالمين 

اجمالي القراءات 5652

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (1)
1   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   الجمعة ٢٤ - يونيو - ٢٠١٦ ١٢:٠٠ صباحاً
[82254]

فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورا


القتل المتعمد قد تم تحديد عقوبة  له سلفا في نار جهنم ، وليس موضوعنا ، ما نريد مناقشته هو القتل الخطأ طالما انه يتصف بصفة الإيمان ، وقد ذكر القرآن هذه الحقيقة مؤكدا إياها  وقبلها ما يسمى بالكون المنفي ( وما كان ) وجاءت بكافة التفصيلات



) وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (92) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً (93) النساء



وقد كتبت موضوعا بعنوان  : (فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورا ) وتناولت فيه آية 33 من سورة الإسراء ،والتي تتحدث عن عدم الإسراف في القتل  وضرورة ضبط النفس  من قبل ولي القتيل ، حيث لا يأخذه الحقد الأعمى بعيدا عما أمر به الخالق  ،وهو لا يبعد عما تناولته في مقالك ..  في هذا الرابط  



http://www.ahl-alquran.com/arabic/show_article.php?main_id=14229



شكرا لك ،ودمتم بخير 



أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2014-04-09
مقالات منشورة : 196
اجمالي القراءات : 1,160,477
تعليقات له : 223
تعليقات عليه : 421
بلد الميلاد : فلسطين
بلد الاقامة : فلسطين