( ق 2 ف1 ) أثر التصوف في الحركة العلمية في العصر المملوكي:عصر إبن خلدون

آحمد صبحي منصور Ýí 2015-09-22


 

كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية 

  القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون   

  الفصل الأول : موقع مقدمة إبن خلدون فى تاريخ الحضارة العربية

المزيد مثل هذا المقال :

         أثر التصوف في الحركة العلمية في العصر المملوكي : عصر إبن خلدون

    منطقي أن تعقم الحركة العلمية المملوكية إذ تسيد العصر دعاة العلم اللدني الخرافي ..    والواقع أن انتشار التصوف  وتعاظم تأثيره ونفوذ رجاله وحربه للعلم كلها عوامل حددت مسيرة العلم في العصر المملوكي في اتجاه يخدم التصوف فخف ذلك التعارض الحاد والقديم بين التصوف والعلم إذ لم يعد ثمة علم في العصر المملوكي بالمعنى الحقيقي لكلمة ( علم ) . وذلك ما سنبحثه في هذه العجالة .

     والمهم أن العصر المملوكي – بتصوفه وعلمه اللدني الخرافي – هوالعصر المثالي الذي دعا إليه الغزالي وتمناه حين حمل على العلم ورجاله ودعا للتقليد وأعلن أن ( ليس في الإمكان أبدع مما كان ) ولا أدل على ذلك من أن  العصر المملوكي وصوفيته وعلماءه افتتنوا بتلك الكلمة الغزالية ( ليس في الإمكان ..) فوضعوا عليها الشروح والمصنفات كما فعل محمد المغربي والسيوطي والشعراني .

فرض التقليد ومنع الاجتهاد

   1-  على أن الصوفية المملوكيين لم يكتفوا بنشر العلم اللدني وإيمان العصر بهم وتسليمه لهم وإنما التفتوا للعلم فأوقفوا مسيرته بفرض التقليد وتحريم الإجتهاد .

   والدعوة للتقليد وحجب العقل عن الإجتهاد و التفكير – لازمة من لوازم الشرك وقد نبه القرآن الكريم على  ذلك مرارا .. يقول تعالى في المشركين المقلدين (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ  ،وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ. الزخرف 22: 23 }

2 ـ      وأساطير الشرك لابد أن تتحصن بالدعوة للتسليم والتقليد حتى يؤمن بها الأتباع ، ومعنى ذلك أن تتعطل ملكة العقل في الإنسان حتى لو كان يشار إليه بالبنان ، والغزالي أصدق مثال : يقول ( روي أن كان في بني إسرائيل رجل يتعبد في صومعته ، فمكث كذلك زمانا طويلا ، فاشرف ذات يوم فإذا هو  بإمرأة فافتتن بها ، وهم فاخرج رجله لينزل إليها ، فأدركه الله بسابقة ، فقال ما هذا الذي اريد أن أصنع ، فرجعت إليه نفسه ، وعصمه الله تعالى ، فندم فلما اراد أن يعيد رجله إلى الصومعة قال : هيهات ، رِجْلٌ خرجت تريد أن تعصي الله تعود معي في صومعتي ؟ لا يكون والله ذلك ابدا ، فتركها معلقة في الصومعة تصيبها الأمطار والرياح والثلج والشمس حتى تقطعت ، فسقطت ، فشكر الله له ذلك ).

3 ــ      فهذه الصورة الوهمية لا يجيزها عقل صبي ، ولكن الغزالي يرويها مؤمنا بها وتلك جنايته على نفسه ، وجنايته على تلامذته في العصر المملوكي أشد وأنكى ، إذ جمعوا في مناقب أشياخهم المقدسين كل ما يخزي ويشين من الأقوال ، والأفعال ، ولو كان لديهم عقل ما فعلوا ، إذ أنهم بذلك أظهروا حقيقة أنفسهم واضحة جلية أمام كل ذي عقل . . ولكنه التقديس للأشياخ – تقديس يتوارى معه العقل الفطري ، حتى أن الشعراني صاحب المؤلفات المتنوعة في التصوف يفخر ويعد من منن الله عليه ( تصديقه للصالحين في كل ما يخبرون به وأن أحاله العقل منذ كان صغيرا ) .. أي أنه كان صغيرا – وحتى إن نضج لايزال يتمتع بنفس العقلية ( تصديق الأشياخ ) في كل ما يخبرون به ولذلك حشى كتابه ( الطبقات الكبرى ) بفضائح الأشياخ في عهده على أنها مناقب ومآثر ومفاخر ..

 4 ــ     ويتضح في قول الشعراني أن هدفه الدعوة لتصديق الأشياخ في أقوالهم ودعاويهم ، فهنا دعوة للتقليد موجهه لخدمة التصوف يؤكدها قوله ( أخذ علينا العهود ألا نمكن أحدا من الإخوان ينكر شيئا ما إبتدعه المسلمون على وجه القربة ورأوه حسنا ، فإن كل ما ابتدع على هذا الوجه من توابع الشريعة وليس هو من قسم البدع  المذمومة في الشرع المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم . كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ) فهو يخرج ممارسات التصوف عن دائرة البدع ويمنع أخوانه من إنكارها بحجة أن المسلمين ( ويقصد الصوفية ) إبتدعوها على وجه القربة لله ورأوها حسنا ....

5 ــ     ويظهر من النصوص السابقةللغزالى والشعراني أن أساس التقليد هنا ديني وهو الدعوة للتصوف .. وعن الأساس الديني كانت النظرة للعلم فحرم الشعراني على مريديه التفكير وإطالة النظر رغبة في الفهم ( إذ ينبغي أن تتأدب مع الله ولا نتكلم إلا فيما نعلم ، ولا نتجاوز ظاهر الكتاب والسنة .. ومن آثر حكم العقل على حكم الله كان في ضلال مبين ) ( وأخذت علينا العهود ألا نتعب نفوسنا في الفحص عن معاني المتشابه في الكتاب والسنة ) وعد من المنن عدم قوله في دين الله تعالى برأيه فإذا لم يجد في المسألة تصريحا من الشارع توقف عن العمل ولا يقدم عليها إلا أن رأي فيها ( نصا أو إجماعا أو قياسا ، وقد منع بعض العارفين من القياس ).   وأسلوب الشعراني لا يخلو من دهاء حيث يوحي بالتناقض بين العقل وحكم الله في الأمور الدينية ، وذلك مما يخالف منطق القرآن الكريم .

   6 ــ    وفي اسلوب الشعراني رائحة تهديد للمؤمنين العاقلين ، ويتضح التهديد في حكاية رواها أو لفّقها وموجزها أن شخصا تصدى للرد على الإمام أبي حنيفة وعمل في ذلك كراسة جاء بها للشعراني فطرده ، وحدث أن وقع حادث لذلك الشخص اعتبره الشعراني عقابا له ، ورفض أن يزوره في مرضه ( أدبا مع الإمام أبي حنيفة حتى لا يوالي من أساء الأدب معه ) ، وعليه فكل من أراد أن يجتهد بعد الأئمة الأربعة عليه أن ينتظر حادثا مؤسفا ..

 7 ــ    ومع ذلك فقد أباح الشعراني الإجتهاد لأهل الكشف لإطلاعهم على الأسرار الإلهية من غير نظر وتأمل وهو بذلك يتفق مع الدسوقي القائل ( فيض الربوبية إذا فاض أغنى عن الإجتهاد ، فإن صاحب الجهد قاصر ما لم يقرأ في لوح المعاني سر إعطاء القادر ، فقد يعطي المولى من يكون قاصرا ما لم  يعط أصحاب المحابر ، وليس مطلوب القوم إلا هو ، فإن حصلوا على معرفته عرفوا بتعريفه كل شئ من غير تعب ولا نصب ، ثم إذا صحت المعرفة فلا حجاب له بعد ذلك ).

    فالدسوقي يرى أن العلم اللدني الإلهي يغني صاحبه عن الإجتهاد ، فالمجتهد من البشر قاصر لقصور بشريته ، أما الصوفية فمطلوبهم الإتحاد بالله ، وبذلك يعرفون كل شئ ، وحينئذ فلا حجاب ولا داعي لإجتهاد .

8 ــ     واستجاب العصر المملوكي لدعوة أشياخه المقدسين ، وما أسهل أن تشيع الدعوة للتقليد والجمود بين الناس – حتى أن مصر المملوكية برزت على غيرها من البلدان في إتباع التقليد وتقديمه على الشرع الإسلامي وتلك ظاهرة لفتت نظر الفقيه الصوفي المغربي إبن الحاج في القرن الثامن الهجري فقال ( وضعوا تلك العوائد التي أنشئت بها نفوسهم موضع السنن ، حتى أنك إذا قلت لبعضهم كذا يكون جوابه لك على الفور : عادة الناس كذا وطريقة المشايخ كذا ، فإن طالبته بالدليل الشرعي لم يقدر على ذلك ، إلا أنه يقول نشأت على هذا وكان والدي وجدي وشيخي وكل من أعرفه على هذا المنهاج ، ولا يمكن في حقهم أن يرتكبوا الباطل أو يخالفوا السنة ، فيشنع على من يأمره بالسنة ويقول ما أنت أعرف بالسنة ممن أدركتهم من هذه الجم الغفير ) أي : اصبح الشرع لديهم متمثلا –  فقط -- في إتباع الأباء والأشياخ ..

9 ــ     وهذه العقلية تفسر بوضوح اعجاز القرآن الكريم حين يتحدث عن تقليد المشركين    {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ.البقرة 170 }{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ.المائدة 104 } {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِير--لقمان 21}

 10 ــ    وحتى تلتزم الحركة العلمية المملوكية بالطريق الصوفي كان تحريم العلوم العقلية والفلسفية ، فالسبكي أنكر على من إشتغل بالفلسفة وهاجمالفارابي وإبن سينا وألف السيوطي ( الغيث المغدق في تحريم المنطق ) .

     وروى الشعراني أن( شيخ الإسلام ) شهاب الدين الفتوحي الحنبلي قاضي القضاء جاءه مرة شخص يريد أن يقرأ عليه شيئا من المنطق ( فقال له ياولدي قد صار الفقه ثقيلا على قلبي ، فما بالك بعلم أفتى بعض العلماء بتحريم الإشتغال به ) فهذا قاض للقضاء وشيخ الإسلام بزعمهم يقول ( قد صار الفقه ثقيلا على قلبي فما بالك  بعلم أفتى  بعض العلماء بتحريم الإشتغال به ) وتلك هي جناية التصوف على شيوخ الفقه في العصر المملوكي ..

    ونحن لاندافع عن الفلسفة ولكن نقرر بعقلية المؤرخ أنه كان من الإنصاف أن يعامل المنطق والفلسفة معاملة علوم التصوف ويترك لكل إثبات وجوده.

11 ـ     وذلك أنه مع انتفاء صفة العلم عن التصوف ومؤلفاته فإن التصوف أصبح علما في العصر المملوكي يدرس في الخوانق والمدارس والأزهر ،مع الإلتزام  بمنهج التصوف في الحركة العلمية وسيطرته عليها ، ويمكن أن نرمز لخضوع العلم واستكانته للتصوف من تلك المقابلة التي تمت بين شيخ الإسلامشهاب الدين الفتوحي الحنبلي قاضي القضاة سالف الذكر و ( الخواص ) الصوفي الأمي يقول الشعراني ( ولما إجتمع بالخواص إعترف لأهل الطريق بالفضل ، وقال هؤلاء القوم قطعوا مقامنا وقعدوا إلى ما وراءه ، وتأسف على عدم إجتماعه بالقوم ) أي الصوفية .

الحفظ مقياس التفاضل بين (العلماء ) فى العصر المملوكى.

  1-  وفي عصور الإجتهاد يكون الإبتكار والإختراع والتجديد مقياس التفاضل بين العلماء. أما في عصور التقليد فالمقياس هو مجرد الحفظ .. حفظ أقوال السابقين واستظهارها وترديدها بلا زيادة او نقصان وبلا تفكير أو تعقل . وهذا ما كان في العصر المملوكي ، حيث يتردد في ترجمة النوابغ من علمائه مقدرتهم في الحفظ ، ولا شئ غير ذلك إلا المغالاة في مقدار ما حفظه وأن ذلك كان في مدة يسيرة ، فيقال مثلا في ترجمة إبن المرحل (665- 716) أنه ( كان أعجوبة في الذكاء والحفظ ، حفظ المفصل في مائة يوم ، وحفظ ديوان المتنبي في جمعة ، والمقامات في كل يوم مقامة .. الخ ).

      وقيل في محاسن الدميري (805- 842) أن بعض شيوخه سأله في ليلة عيد هل يحفظ فيه خطبة رجاء إستنابته في خطبة العيد فقال له ( لا ، لكن إن كان عندك نسخة بخطبة فأرينيها حتى أمر عليها ، فأخرج له خطبة في كراسة بأحاديثها ومواعظها على جاري خطب العيد فتأملها في دون ساعة ثم خطب بها ).      فالدميرى لم يستطع إرتجال خطبة العيد ، ولم يدر بخلد الراوي أنها منقصة في حقه ، وكل ما أثار إنتباهه هو مقدرة الدميرى على حفظ الخطبة في أقل من  الساعة ( بأحاديثها ومواعظها ).

   وقيل في ترجمة سراج الدين البلقيني (ت805) أنه ( إجتمعت فيه شروط الإجتهاد على وجهها وأنه مجدد القرن التاسع وانه ما رأى مثل نفسه ) ، وتلك أوصاف خطيرة تدل على موهبة فذة إلا أن الترجمة بأكملها إقتصرت على وصف موهبته في الحفظ والإستظهار ، دون أدنى إشارة إلى إبتكار أو تجديد ، أو أنه باختصار ( العلامة الإمامسراج البلقيني – كان أعجوبة في الذكاء والحفظ ) على حد قول أبي المحاسن .. أي إستحق أن يوصف بتلك الصفات لمهارته  في الحفظ  فقط .

2 ـ    وكان الحفظ  بطل المساجلات العلمية والفائز من المتنافسين من العلماء هو أكثرهم حفظا وأسرعهم استحضارا لما يحفظ . .  ورددت المصادر التاريخية مناظرات علمية من هذا القبيل كان يحضرها السلطان وأرباب الدولة ورءوس الفقهاء والعلماء . .

    فقد سردإبن حجر بإسهاب نزاعا قام بين العلماء في عصره بسبب غيرتهم من الهروي قاضي القضاء الذي ذكر أنه يحفظ (إثني عشر ألف حديث وصحيح مسلم بأسانيده ) وعقد لذلك مجلس حضره السلطان وشهده المؤرخ إبن حجر بنفسه وتبودلت في المجلس الإتهامات  بالكذب في حقيقة حفظ الهروي لهذا الكم من الأحاديث ، وظهر في سرد الواقعة تفاهة الأسئلة والإجابات من مجلس ضم أكثر العلماء شهرة في القرن التاسع . . ونقل  تلك المناظرة بالكامل متعذر فقد بلغت في رواية إبن حجر سبع صفحات . .

   ولعله من المفيد أن ننقل مناظرة أخرى مختصرة رواها أبو المحاسن ، يقول ( وقعت مناظرة بين إبن مغلي والسيرامي بحضرة المؤيد ( شيخ) فقال إبن مغلي للسيرامي : أسمع مذهبك . وسرد المسألة من حفظه ، وهذه كانت عادته ، وبذلك كان يقطع ( أي يغلب ) العلماء في الأبحاث – فجاراه السيرامي في المسألة ولازال يتكلم من شئ إلى شئ حتى دخل به إلى علم المعقول ، فارتبكابن مغلي واستظهر الشيخنظام الدين السيرامي وصاح عليه في الملأ : مولانا قاضي القضاة حفظه طاح ، هذا مقام التحقيق ، فلم يرد عليه ).

     ويقول إبن حجر في مناظرة أخرى فاز فيها سراج الدين الضوي ت (801) ( فأبهت الحاضرين من قوة إستحضاره ما يتعلق بذلك النظير ).

3 ــ     ولأن الحفظ مدار التفوق العلمي لجأ العلماء في العصر للأساليب الصوفية ليضمنوا دوام التمتع بنعمة الحفظ ، ووضع الصوفية لهم ( فوائد) أو تعاويذ تمنع النسيان ، ومنها مثلا ( إذا أردت ألا تنسى حرفا فقل قبل القراءة : اللهم إفتح علينا حكمتك وأنشر علينا رحمتك ياذا الجلال والإكرام ، وإذا أردت أن ترزق الحفظ فقل خلف كل صلاة مكتوبة : آمنت بالله الواحد الأحد الحق لاشريك له ، ومن فوائد سيدي الشيخصالح بن عجيل في الحفظ : يقرأ في كل يوم عشر مرات : ففهمناهاسليمان . . إلى قوله تعالى : . . . وكنا فاعلين ، ياحي  ياقيوم يارب موسى وهارون ويارب إبراهيم ويارب محمد ألزمني الفهم وارزقني العلم. . ).

4 ـ        وما معنى  أن يلجأ علماء العصر إلى سيدهم الشيخ صالح بن عجيل وغيره من الصوفية ؟ معنى ذلك ببساطة أنهم يعتقدون في الصوفية ويأتمنونهم على ملكة الحفظ بما لديهم من كرامات شاع في العصر الإيمان بها والخوف من غضب أصحابها ، فإذا نقموا على عالم منكر أضاعوا عليه ( حفظه ) وهو كل ما يملك وإذا ( طاح حفظه ) فقد كل شئ ، فلا عقل لديه ولا فهم ولا تفكير خارج نطاق المحفوظ في الذاكرة ، عندما يسترجعه عند الحاجة بنصه ولفظه ، والذاكرة الإنسانية يعتريها الضعف أحيانا وينتابها النسيان غالبا ، وإذا كانت مطالبة بحفظ كل العلوم – كما حدث في العصر المملوكي – فقد زادت التبعة ، فالعصر المملوكي شهد تسجيل التراث العلمي بعد تدميره بيد المغول ، وانعدم الإجتهاد وتركز جهد العلماء المملوكيين على حفظ ذلك التراث بالذاكرة والقلم ، والعالم الفذ هو من يحفظ في قلبه ويسترجع بلسانه أكبر قسط من ذلك التراث . ويتطلع للأولياء الصوفية و( فوائدهم ) التي تحفظ عليه حفظه وتشحذ ذاكراته.! وانتهز الصوفية الفرصة فأشاعوا مقدرتهم على ( سلب العلم ) للضغط على العلماء ، حتى لاينكروا عليهم ، وتردد في كتب الصوفية كيف أن فلانا كان من أكابر العلماء فأنكر على الشيخ الصوفى الولى  فسلبه الشيخ حفظه وعلمه فتاب . أي تاب من إنتقاد الولي الصوفي .

5 ــ      إذا رجعنا إلى سجل العلماء في ذلك العصر فلن نجد منهم إسم صالح بن عجيل صاحب الفوائد في الحفظ  ذلك الذي عدوه من أكابر العلماء ،على كثرة العلماء في العصر المملوكي وضخامة الألقاب التي تحلوا بها ، والهدف واضح هو إخافة ذلك الصنف من العلماء الذي إستكان للصوفية حتى لا يتحول إلى صف المنكرين على الأِشياخ ،أخافتهم بأسطورة كاذبة وشيخ لا وجود له هو الشيخ صالح بن عجيل ..

6 ــ ولقد افترى الصوفية كرامات فى سلب العلم من المنكرين عليهم من الفقهاء ، وأبطالها شخصيات لا وجود لهم تاريخيا ، وقد ورد أن الشيخالواسطي كان ( من أكابر أهل العلم ) وينكر على البدوي فسلبه البدوي العلم فتاب وصار من جماعته ، وقيل أن فقيرا صوفيا سلب قارئا للقرآن – ما حفظه – لأنه لم يمتثل لأوامره ثم أعاد إليه حفظه بعد أن تمرغ بوجهه على قدمي الصوفي ، وأن الشيخ أبا أحمد سلب عالما – لم يذكر إسمه – ( جميع ما كان حصله من العلم والقراءة وكان يقرأ – هكذا في الأصل – قراءة معتبرة ) ثم أعاد له ما كان سلبه منه .  وحكى الشعراني نزاعا حدث بين المرسي وأحد الفقهاء ولم يذكر إسمه على العادة – وانتهى النزاع بسلب علم الفقيه ( .. فقال له الشيخ أخرج يا ممقوت ، فأخرجوه فسلب جميع ما كان منه من القرآن والعلم وصار دائرا في أزقة المدينة كل من رآه يمقته ، فدلوه على سيدي ياقوت العرشي رضي الله عنه فشفع فيه عند سيدي الشيخ أبي العباس المرسي رضي الله عنه ، فقال : قد رددنا عليه الفاتحة والمعوذتين ليصلي بهما ، وكان قد حفظ القرآن وثمانية عشر كتاب في العلم . . ولم يزل مسلوبا إلى أن مات . . فإياك يا أخي ثم إياك من مثل ذلك ، والله تعالى يتولى هداك ).

 7 ــ   ولاشك أن تصديق العلماء بتلك الأسطورة ( أسطورة السلب ) دليل على ضعف مستواهم العلمي والعقلي ، أما الأفذاذ من العلماء وهم في نفس الوقت أعداء للصوفية – فقد استعان عليهم الصوفية بالسلطان ، كما فعلوا بإبن تيمية .

  لا إبتكار ولا إجتهاد فى مؤلفات العصر المملوكى على كثرتها

1 ـ - والمؤلفات في العصر المملوكي خير ما يعبر عن الطبيعة العلمية ومستواها .

  فعلى كثرة المؤلفات وتنوعها فقد كانت مجرد شروح وتليخصات للشرح لما سبق تأليفه في عصر الإزدهار العلمي في القرنين الثالث والرابع.

    ونمثل بعلم الحديث وما قام به جهابذة العلم المملوكي من جهد في الشرح والتلخيص يدور حول كتاب واحد ... فالخطيب البغدادي ت 462 ( أول المتأخرين وآخر المتقدمين ) وضع في علم الحديث مؤلفين : ( كتاب الكفاية في قوانين الرواية ) و( كتاب الجامع لآداب الشيخ والسامع ) ، ثم جاء إبن الصلاح قبيل العصر المملوكي فجمع مؤلفاتالخطيب في كتاب واحد " مقدمة إبن الصلاح " عكف عليه العصر المملوكي إختصارا وشرحا على النحو الآتي :

   إبن جماعة ت 733: إختصر كتاب إبن الصلاح في كتاب عنوانه ( المنهل الروي في الحديث النبوي) ، إبن أبي بكر ت819: شرح مختصر إبن جماعة في كتابه ( المنهج السوي في شرح المنهل الروي) ، سراج الدين البلقيني ت805 : ألف ( محاسن الإصطلاح في تضمين كتاب إبن الصلاح ) وهو مختصر ، محي الدين النووي ت676: إختصر كتاب إبن الصلاح في كتابين ( تقريب الإرشاد  إلى علم الإسناد) . وهو مختصر ، والثاني ( التقريب والتيسير ) وهو مختصر المختصر ، زين الدين العراقي والسخاوي والسيوطي : قاموا بشرح ( التقريب والتيسير ) للنووي الذي إختصر كتاب إبن الصلاح ، إبن حجر ، كتب تعليقات ونكتا حول كتاب إبن الصلاح وسماه (الإفصاح ) . العراقي : فعل نفس الشئ في كتابه ( التقييد والإيضاح ) ومثله الزركشي ، العراقي أيضا قام بنظم كتاب إبن الصلاح شعرا في كتابه ( نظم الدرر في علم الأثر ) ثم قام بشرح النظم في كتابين أحدهما مطول والآخر مختصر ،البقاعي : قام بتأليف حاشية على الشرح والمختصر سماها ( النكت الوفية بشرح الألفية ) ، السخاوي : شرح نظم العراقي في كتابه ( فتح المغيث في شرح ألفية الحديث ) السيوطي : شرح نفس النظم في كتابه ( لفظ الدرر ) ، قطب الدين الدمشقي : شرحه في ( صعود المراقي ) وزكريا الأنصاري شرحه في ( فتح الباقي بشرح ألفية العراقي ).

    وما حدث في  الحديث حدث نظيره في الفقه والنحو وبقية العلوم ويعرف ذلك المتخصصون في تحقيق التراث لتلك الفروع ، وعليه فالعصر المملوكي ليس عصر العلماء وإنما هو عصر التلامذة للعلماء السابقين ، فالعالم هو الذي يزيد بعقله وبعلمه ويضيف لمستوى العلم في عصره ، وقيمة الإنسان كما يقول جبران فيما يخلقه ولو كان قليلا وليس فيما يجمعه ولو كان كثيرا ، فلا عبرة بالكثرة التي لا تغني بل تعطل الملكة العقلية فيما لا طائل تحته من الإختصار وشرح الإختصار وإعادة إختصاره وهكذا .

2 ــ     ويعلق(أحمد أمين ) على الحالة العلمية للعصر المملوكي فيقول ( كانت حركة التأليف قوية في عصر المماليك حتى ليعجزنا حصر ما ألف في ذلك العصر ، ولكنها كانت قوية من حيث العدد لا من حيث القيمة ، فلا تكاد تستطيع أن تعد كثيرا من أمثال مقدمة إبن خلدون ) ويقول ( ومن الغريب أن عالما يأتي فيختصر ثم يأتي عالم آخر في شرح ما اختصر ، حتى تكون لنا من ذلك ما هو أطول من المطولات ، ولم نكسب من ذلك إلا المجهود الضائع ، وكل يوم يمر يزداد الحال سوءا وركودا ) ويقول يصف العلماء ( قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ، مع أن الأحاديث جمعت وتحصيل العلم سهل ، ولكنها النفوس صغرت والهمم إضمحلت ).

 3 ــ    ويشرف أحمد أمين بنظرة شاملة على الحياة العقلية العربية وموضع العصر المملوكي فيها يقول ( يكاد يكون العلم والأدب والفن قد انتهى في العالم العربي بانتهاء القرن الخامس ، وربما وجد شيئ في القرن السادس الهجري من الإبتكار والتجديد ، أما بعد ذلك من إبتداء القرن السابع إلى النهضة الحديثة ( يعني العصرين المملوكي والعثماني ) فيكاد يكون ترديدا لما فات وجمعا لمتفرق أو تفريقا لمجمع ) .

وبذلك ختم أحمد أمين مجموعته( فجر الاسلام ) ( ضحى الاسلام ) بالكتاب الأخير (ظهر الإسلام ) واعتبر فيه أن الحياة العقلية انتهت ببداية العصر المملوكي عصر التصوف ، وهو يضع باختصار – ودون أن يقصد – علاقة للتضاد بين  التجديد العلمي والتصوف ففي الوقت الذي بدأ فيه إنتشار التصوف ووضحت فيه غلبته على الحياة العربية إضمحل فيه العلم والإبتكار ، حتى  إذا تمت له السيادة في العصر المملوكي نضب معين التجديد ودارت الحياة العلمية في إطار التلخيص والشرح ، وحتى ذلك التلخيص والشرح بدأ في الإضمحلال العلمي على نحو ما نشهده في تعليقات المتأخرين في القرن العاشر وما بعده ، حتى عم الظلام تماما في العصر العثماني وتفشت الأمية بين العلماء ، وأحكمت سيطرة التصوف على دقائق الحياة المصرية والعربية بشتى جوانبها حتى كانت مفاجأة المصريين بالحملة الفرنسية .

4 ــ     ونعود للعصر المملوكي ونؤكد حقيقة تفاوت المستوى بين أوائل العصر في القرنين السابع والثامن وأواخر العصر في القرنين التاسع والعاشر مع إشتراكهما في الضعف ، وذلك تبعا للهبوط المضطرد للعلم مع الإزدهار المستمر في نفوذ التصوف .. وأي مقارنة بين مؤلفات العصرين تظهر هذا التفاوت أو على الأقل فاقرأ أسلوب إبن خلدون والعيني وإبن حجر في القرن التاسع وقارنه بأسلوب إبن إياس وإبن زنبل الرمال في القرن العاشر تجد الفارق واضحا في العرض والثقافة والعقلية .

  و يقول باحث يصف عصر الغوري ( لم تكن المعارف منتشرة مزدهرة في مصر في عصر الغوري ، وإذا نظرنا إلى الأبحاث والمجادلات التي كانت في مجالس هذا السلطان عرفنا ضيق الأفكار وقلة المعارف والولع بسفاسف الأمور والقصور عن جلائلها ).

  5- وقد إختلف في تعليل الجمود العلمي للعصر المملوكي فعلله أحمد أمين بإختفاءالعنصر العربي وغلبة العنصر الفارسي والتركي عليه وبسقوط المعتزلة حاملى لواء النهضة الفكرية وسلطان العقل ، وبهجوم التتار وتدميرهم بغداد ، ثم إنتشار العصبيات المختلفة بين المسلمين وتفرقهم بين فقهاء وصوفية وسنية ومعتزلة وشيعة وحنابلة وشافعية مما نتج عنه إقفال باب الإجتهاد وانقلب المجتهد المطلق إلى مجتهد مذهب والمؤلف المبتكر إلى مؤلف مفسر .

    والواقع أنه قد ظلم العنصر الفارسي الذي أسهم بدور هام في الحياة العلمية منذ بدايتها ومنهمالخوارزمي والبيروني وسيبويه أما هجوم التتر فلم يمنع الإجتهاد العلمي بل إنه ألهب حماسة العلماء لتعويض ما دمر من مؤلفات ، وكان ممكنا أن يأتي التجديد بأورع من سابقه ، وانتشار العصبيات لا يعوق الحركة العلمية ، بل يدفع للمنافسة العلمية بينها ، وهذا ما حدث في القرن الرابع الهجري في المشرق ، وما ذكره عن سقوط المعتزلة صحيح وإن لم يعلل ذلك السقوط بأنه كان هزيمة للعقل المتطرف أمام الحنابلة ثم التصوف ووجده وعاطفته . فارتضى الناس التصوف بديلا لعقل المعتزلة بعد أن أقحموا العقل في جدل عقيم فأشبهوا اليونان وفرضوا مقولاتهم على التراث الإسلامي.

ويقترب باحث آخر من الحقيقة حين يقول مترفقا ( ومن سمات العصر قوة التصوف . ولعل ذلك كان من عوامل ضعف الحركة العلمية فإن العلم يعتمد على العقل والفكر على حين يعود التصوف ، إن كان تصوفا حقا إلى الذوق والوجدان ) .

6 ــ والحقيقة أن التصوف هو المسئول عن ذلك الجمود إذ كانت العلوم قد جمعت وفصلت واختصرت وشرحت ، ولم يبق إلا الإجتهاد واستعمال العقل فألغى التصوف ذلك وأرسى قواعد التقليد وأعلى من شأن الحفظ كمقياس وحيد للمقدرة العلمية ،ونشر الخرافات وفرض الإيمان بها على أنها ( العلم اللدني ) وربط ذلك كله  بالدين ، وهم على حق إذ كان التصوف هو الدين السائد ، وهو الشرك . والإسلام برئ من الجهل ومن هذا الشرك . ، وإن كان جهدهم في ربط جهلهم بالدين الاسلامى  قد جعل الإسلام مسؤولا عن نشر ذلك الجهل.

ونذكر بالعرفان قول كلوت بك يصف المصريين في العصر العثماني : ( السواد الأعظم من الأمة المصرية هائم في الجهالة وقد حاول البعض إسناد جهلهم إلى الديانة الإسلامية ، وهو خطأ فاحش ومذهب باطل فإن في القرآن آيات كثيرة تدل على شرف العلم والحض على تحصيله ) وكفى بها شهادة للإسلام المظلوم الذي ظلمه الصوفية .

7 ـ    وبعد .. فإن التاريخ العلمي يختلف عن التاريخ السياسي لأي أمة ، ولايعني قوة الدولة المملوكية عسكريا تقدمها علميا ، وبينما يتحتم على التاريخ السياسي لأي أمة أن يبدأ بالطفولة ثم يصل للقوة والشباب ثم ينحدر إلى الضعف والإنحلال ليفسح المجال لأمة شابة ، نجد أن التاريخ العلمي لا يرتبط بهذا الخط البيضاوي البياني تماما كما لا يرتبط تاريخ العلم في أمة ما بقوتها الحربية والسياسية ، بل ربما تزداد  القوة العلمية لأمة ما في عصر ضعفها بل في تفككها السياسي كالعالم (الإسلامي) الذي تفرق دولا وإمارات في القرن الرابع الهجري وهو عصر الإزدهار العلمي ، بل أن الأمة المهزومة قد تنتصر علميا على الفاتحين إذا وصلت إلى الحضارة وكان الفاتحون في طور البداوة والخشونة ، ولايلبث الفاتحون أن يكتسبوا حضارة المهزومين أو ما يعرف بانهزام الفاتحين أمام حضارة الأمم المفتوحة ، وفي التاريخ أكثر من مثل ، فأثينا هزمت إسبرطة بحضارتها وفكرها ، واستفاد العرب من حضارة فارس التي قضوا على ملكها ومن حضارة سوريا ومصر ، ولم يلبث التتار أن خضعوا للحضارة العربية في ا لقرن السابع ودخلوا في الإسلام ، وتأثر الصليبيون بالحضارة العربية الإسلامية في الشام .

  8 ــ    بعد هذه المقدمة الطويلة نقول أن العلم في الطريق الطبيعي يسير في صعود وتقدم طالما لم يقابل بالعوائق وتأسس على منهج صحيح ، فالثورة الصناعية في أوربا في تقدم مضطرد بعد النهضة الأوربية ، واستمرت حتى يومنا هذا ، والعالم العربي الإسلامي ظل في تقدم مستمر إلى إن أصابه الخمول ابتداء  من القرن الخامس تأثرا بدعوة الغزالى لقفل باب الاجتهاد ، ثم توقف نمو العلم نهائيا ابتداء من القرن السابع ثم تراجع العلم أمام ظلمات التصوف ابتداء من القرن الثامن وازداد تقهقرالعلم بازدياد التصوف . إلى أن نمنا في الجهل اللدني في العصر العثماني [1]، حتى أيقظتنا الحملة الفرنسية، واكتشفنا أن الغرب قد تفوق علينا ، ومازال . حيث إتبع المنهج التجريبي الذي دعا إليه القرآن ، وترك المنهج اليوناني الذي أعاق التطور البشري قرونا طويلة – ومنذ الإهتداء إلى هذا المنهج التجريبي ، والبشرية قد عرفت طريقها العلمي الصحيح – تتطور علميا ، من عصر البخار إلى عصر الفضاء ، ثم إلى عصر العولمة وثورة المعلومات والإتصالات  . وتتوالى المخترعات بحيث إنعدم الفارق بين الواقع والخيال ، وبحيث يعجز الخيال عن تصور ماهية المخترعات في المائة عام القادمة وتتطور ثورة المعلومات بحيث تتضاعف بمتوالية هندسية ، يصعب معها التكهن بأبعادها بعد عدة عقود من الآن .

  9 ــ    إذن هو المنهج الذي يحدد إستمرارية الحركة العلمية وتطورها ، أو إضمحلالها وخفوتها . شأن التصميم الهندسي لأي مبنى أوعمارة سكنية ، إن كان صحيحا أصبح أصله ثابتا وفرعه في السماء ، وإذا كان خاطئا فلابد أن يخر عليهم السقف من فوقهم ويأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون .

   إن المنهج الفكري الخاطئ الذي ساد في العصرين اليوناني والإسلامي لم يقم فقط  بوقف النمو المطرد والمفروض للحركة العلمية ، وإنما قام بتعقيم العبقريات التي ظهرت ، بحيث وضع أمامها الكثير من المحاذير التي تحد من إنطلاقها العقلي .

10 ــ  وهنا ندخل على أزمة إبن خلدون التي ربما لم يحس بها . فعقلية إبن خلدون كانت مرشحة لأن تخرج على عصرها باجتهاد راق ، ولكن هذه العقلية خضعت لمقاييس العصر في أغلب الأحيان ، وتمردت عليه بين السطور في بعض الأحيان . وحتى لانظلم الرجل فلنتذكر أنه عاش في فترة خاملة فكريا فجاء في المقدمة بما يؤهله لكي يكون أحد أعلام الإزدهار الفكري – المؤقت ، في القرنين الثالث والرابع من الهجرة ، ولو جاز لنا الإفتراض لقلنا أنه لو عاش عصرنا ، أو أنه لو إهتدى إلى المنهج الصحيح من خلال القرآن واتخذه نبراسا لحياته لربما تغيرت أمور كثيرة .. نقول هذا ، ونحن نتهيأ لتحسس مدى تأثرإبن خلدون بعصره وماذا بقى منه لعصرنا .

 



[1]
نقل باختصار من كتاب د أحمد صبحي منصور : دراسات في الحركة الفكرية في الحضارة الإسلامية ص20 ، 31، 66، 210 . وهو أحد خمس كتب صدرت للمؤلف سنة 1985 وبسببها عوقب واضطر إلى ترك جامعة الأزهرسنة 1987م

اجمالي القراءات 6969

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4661
اجمالي القراءات : 46,552,737
تعليقات له : 4,838
تعليقات عليه : 13,828
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي