(ق2 ف1 ) بعض نواحي الإتفاق بين اللاهوت عند (المسلمين) واليونان

آحمد صبحي منصور Ýí 2015-09-21


 

كتاب مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية 

  القسم الثاني : قراءة في مقدمة إبن خلدون   

  الفصل الأول : موقع مقدمة إبن خلدون فى تاريخ الحضارة العربية

المزيد مثل هذا المقال :

بعض نواحي الإتفاق بين اللاهوت عند ( المسلمين ) واللاهوت عند اليونان   :

    ولسنا في مجال التوسع في هذا الموضوع وإنما نكتفي ببعض الأمثلة يتضح منها التطابق في الفرعيات بين المسلمين واليونان والمسيحيين بعد أن تطابق المنهج لدى الجميع ، واختلف عن القرآن الكريم ..

ففي المرحلة العقلية المحضة :

1_ عكف الفارابي على التوفيق بين أرسطو وأفلاطون وخصص لذلك رسالة خاصة ، مع أنه يستحيل التوفيق بين الفكر الأرسطي والأفلاطوني ، وأصبح الفارابي المعلم الثاني بعد أرسطو المعلم الأول .          وأقوال الفارابي في الألوهية مستقاة من أقوال أرسطو والفلسفة اليونانية ، فالله  تعالى عنده هو الموجود الأول وكل ما عداه صادر عنه ، وتلك الموجودات متفاوتة المراتب والكمال ، فمن أكمل إلى كامل إلى أقل كمالا حتى تصل السلسلة إلى الجرثومية أو الذرة .  

    ويقول أنه نشأ عن الله تعالى ( أو واجب الوجود أو الموجود الأول على حسب تعبيره ) العقل الأول أو الموجود الثاني ، ومن اتصالهما نشأ العقل الثاني أو الموجود الثالث وعن تعقله نشأت السماء الأولى أو الفلك المحيط ، وعنه نشأ العقل الثالث أو الموجود الرابع ، وعن تعقله نشأت الكواكب وهكذا بقية العقول إلى العقل العاشر وبقية الكواكب .

   واعتبر الفارابي واجب الوجود أو الموجود الأول على رأس سلسلة الموجودات في الكون ، وسمي العقل الأول بالموجود الثاني ، والعقل الثاني بالموجود الثالث ، وهكذا إلى أن أطلق على العقل العاشر اسم الموجود الحادي عشر ، وكل هذه العقول ناشئة عن البارئ الأول بطريقة مباشرة ، وكل الموجودات الصادرة عن الخالق أزلية مثله .

     وبهذا يفسرون خلق الأفلاك والسماوات ، وصدق الله العظيم فيهم  { مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً. الكهف51}

     وإبن سينا كرر نفس الأقوال ، فقال أن أول ما صدر عن البارئ عالم العقول أو الصور وتابع الفارابي في مقولة العقل الفعال الموجود الثاني وما صدر عنه بنفس الترتيب اليوناني .

2- وذلك التطابق بين فلاسفة المسلمين ( إبن سينا والفارابي ) وفلاسفة أثينا لم يبدأ بظهور مرحلة الفلسفة (المسلمة) ، وإنما بدأ بظهور الفرق اللاهوتية من الأشاعرة والمعتزلة والمجسمة والجهنية الخ ..

     ويكفي أنهم أهملوا القرآن الكريم في أمور العقيدة والدين واتبعوا المنهج اليوناني فيهما ، فاستدلوا على وجود الله تعالى بالأدلة الأرسطية والأفلاطونية من الأدلة على وجود الله كعلّة فاعلة ، والأدلة على وجوده كعلّة محركة ، والأدلة على وجوده كعلّة غائية ، يقولون مثلا في برهان وجوده كعلّة فاعلة ( إن كل ما يوجد ضرورة بفعل علة ، لأن من المستحيل أن شيئا ينشأ بدون علة ، وما ينتج العلة هو سابق بطبيعته عما ينتجه ...)

    ولازلنا حتى  اليوم نردد كالببغاوات أدلة اليونان على وجود الله تعالى ، مع تعارض ذلك مع منهج القرآن الكريم ومنطق الإسلام وعقله ..

      فالله تعالى ليس محتاجا لشهادة إثبات لوجوده من بعض خلقه ، ففي ذلك سوء أدب مع الله تعالى . ثم أن القرآن الكريم وهو الأولى بالإتباع – أثبت أن الله تعالى فطر الناس على التوحيد منذ أن خلقهم  { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا . الروم 30} ومنذ أن خلق الله الأنفس البشرية إستحضرها وأخذ عليها العهد والميثاق أن لا تشرك به شيئا ، إلا أنهم بعد أن نفخت نفوسهم في الأجساد وعاشوا على وجه الأرض أشركوا بالله واتخذوا معه أولياء وآلهه بسبب الغفلة ومتابعة الآباء في ضلالهم ، يقول تعالى في ذلك   {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا ، أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ . الأعراف 172 ، 173 }  .

    فالمشرك مهما بلغ كفره يؤمن بالله ولكن يتخذ مع الله تعالى آلهة أخرى وأولياء آخرين ، فلا حاجة إذن لاثبات وجود الله للناس فهم يؤمنون به ، وذلك تحصيل حاصل ، أما المفيد فعلا فهو البرهان على أنه ليس محتاجا إلى شريك أو ولي أو معين أو نصير او ولد ، وذلك ما أثبته القرآن الكريم .

   فليس في القرآن الكريم آية واحدة تبرهن على وجود الله ، وإنما فيه أدلة عقلية تثبت أنه لا إله معه ، وإقرأ مثلا  {أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ   لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ... الأنبياء 21، 22 } أي أن وجود آلهة مع الله يؤدي إلى فساد نظام الكون القائم على الترتيب والنظام ، لأن خالقه واحد والمسيطر عليه هو الواحد { أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْر. الأعراف 54} وفي تفصيل أكثر يقول تعالى  {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ... المؤمنون 91 }.

     وأحيانا يوجه الله تعالى نظر الإنسان إلى روعة الخلق ليستدل بذلك على أنه لا إله إلا الله وأنه الذي أحسن كل شئ خلقه ولا يمكن أن يحتاج إلى شريك ، واقرأ قوله تعالى   { الله خير أما يشركون؟  أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ؟ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ . أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ ؟ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.. النمل 60، 61} .

     فالإسلام يبرهن على أنه لا إله إلا الله ، أما الشرك فغاية اهتمامه أن يثبت الوجود للخالق ليساوي بين الله وبين كل موجود طبقا لوحدة الوجود التي كان يدين بها أهل الشرق والغرب .

 وحتى اليوم لازلنا نصف الله تعالى بأنه( موجود ) ويسمي بعض الناس باسم (عبدالموجود ) وإذا حاول أحدنا أن يتدين يقول ( الله موجود ) ويظن نفسه قد حاز الكمال في العبادة ، وليس في  القرآن الكريم وصف لله تعالى بأنه ( موجود)ولا يمكن أن يكون . لأن موجود يعني مخلوق محتاج لمن أوجده ، ولا يمكن أن يوصف الله تعالى بذلك ، ومع ذلك نردد هذه الكلمة على لساننا بعادة التأثر بعقيدة وحدة الوجود اليونانية الصوفية . المعنى القرآنى هو وصف الله جل وعلا بالقيوم القائم على خلقه وعلى كل نفس بما كسبت . وبدلا من أن يقول ( المسلم ) عند العظة والاعتبار : ( الله موجود ) عليه أن يقول ( سبحان الحى القيوم الذى لا تأخذه سنة ولا نوم ) ، يقول جل وعلا فى آية تضم بعض أسمائه الحسنى :  ( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِوَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) البقرة )

3- وحتى في أسماء الله تعالى الحسنى تركوا كتاب الله واتبعوا أرسطو وأفلاطون، مع أن أي إنسان ذي عقل بسيط يؤمن بأن الله هو صاحب الشأن وحده فيما ينبغي أن يطلق عليه من أسماء وصفات ، ولكنهم تركوا الله تعالى واتبعوا (الشيخ )أرسطو ومشايخ اثينا وحكماءها .

    فهم يصفون الله تعالى بأنه ( القديم ) ويجعلون من صفاته ( القدم) ويضعون ( للقدم ) تعريفا ، وجاء المعتزلة والأشاعرة وغيرهم فرددوا نفس الأقوال عن ( القدم ) و ( القديم ).

    ووصف الله تعالى بالقديم فيه اساءة لله تعالى ومساواة له بالخلق ، فالقديم يحتمل أن يوجد الأقدم منه. ولو رجعوا للقرآن الكريم لوجدوا الله تعالى يصف ذاته المقدسة في نفس المعنى بصفة اخرى أكثر مناسبة هي (الأول) فالله تعالى {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم ٌ. الحديد 3}  والأول معناه الذي لم يسبقه أحد فليس قبل الأول شئ ، فكيف يتركون وصف ( الأول ) الذي جاء به القرآن إلى كلمة ( القديم ) التي جاء بها اليونان ؟ إلا إذا كانوا معرضين عن القرآن !.

4- وبنفس العقلية اليونانية نظر فلاسفة المسلمين إلى المادة ، فبالعقل الذي خاضوا به الألوهية بحثوا به العلم الطبيعي من نبات وإنسان وحيوان وأكوان ، دون تعويل يذكر على التجربة العملية ، أو أن يكلف أحدهم نفسه بالسعي والسير في الأرض واستعمال الحواس مع العقل كما أمر القرآن الكريم .

    ويكفي أن إبن سينا أشهر العلماء على الإطلاق في الطب والفلسفة حاكى اليونان في الطب في كتابه ( القانون ) فشرح ولخص وناقش وعلل في أمور طبية كان الأحرى بها أن تتم بالتجربة المعملية لا بالبرهان العقلي النظري . وإذا قرأت له ( الشفاء ) في المنطق وجدت نفس السمة التي تحسها في كتابه الطبي ( القانون ) أدلة واستنتاجات وبراهين .

    وكان لابد أن تنتهي تلك المرحلة العقلية المحضة بالإفلاس كما أنتهت من قبل في العصر المسيحي الروماني .

وظهرالغزالي خصما عنيفا للفلاسفة العقليين في كتابه ( تهافت الفلاسفة ) ولكن الغزالي لم يأت بجديد فهو لم يزد عن كونه تلميذا لأصحاب فلسفة وحدة الوجود ومذهب الغنوصية .

في مرحلة العلم اللدني :

    الغنوصية كلمة يونانية تعني المعرفة و( الغنوصي) هو الإنسان العارف بالله تعالى ، الذي تمكن بالرياضات(الروحية) من تنقية ( روحه ) فاتحد بالله ، فاشرقت ذاته بالمعرفة الإلهية وعرفت العلم اللدني الإلهي . و( الغنوصية ) لها مرادف آخر هو ( الحكمة: سوفيا )  بالتعبير اليوناني الذي نقله المسلمون كما هو ( صوفي ) وردد ( الصوفية ) آراء الغنوصية في المعرفة وجعلوا الصوفى هو ( العارف بالله ) أو الولي الذي يسلك الطريق لله تعالى ويجذبه الله تعالى فيتحد به ويعلم الغيب والعلم اللدني .     

     والغزالي كبير الصوفية أو العارفين أو الغنوصيين – وكلها مترادفات – كان فقيها متكلما فحاول أن يوفق بين الإسلام والغنوصية القائلة بوحدة الوجود – وتم له ذلك عن طريق تأويل آيات  القرآن الكريم ووضع الأحاديث الباطلة كما يظهر خلال كتابه ( إحياء علوم الدين ) وهو ملئ بالأحاديث الباطلة في أمور الدين والعقيدة ، معظمها من إفتراءاته  .

    والغزالى والصوفية يسمون العلم اللدني بعلم المكاشفة ( أي الذي يكاشفهم به الله حين يتحدون به ويصيرون في الحضرة الإلهية ) فهو علم مخصوص ( على حد قولهم ) بأرباب القلوب والأحوال . أي بالأولياء ( الصوفية ) ( العارفين )وحدهم .

     وحتى يوفقالغزالى ( حجة الإسلام ) كما يزعمون بين الاسلام والغنوصية ووحدة الوجود ، فإنه يجعل للتوحيد أربع مراتب ويجعل عقيدة الإسلام التي جاءت بها الرسالات والرسل من توحيد العوام أما أعلى درجات التوحيد فهي وحدة الوجود أو إتحاد الخلق بالخالق . وفي ذلك يقول في كتابه المشهور (إحياء علوم الدين 4/ 213:  221) ( التوحيد القول فيه يطول وهو من علوم المكاشفة ) . أي العلم اللدني الصوفي ، فلا يصح أن يخوض فيه إلا الصوفية ، ولايجوز أن يعترض على أقوالهم أحد من الفقهاء أو علماء الظاهر .

    ثم يقسم الغزالي درجات التوحيد : ( فنقول للتوحيد أربع مراتب ... فالرتبة الأولى من  التوحيد هي أن يقول الإنسان بلسانه لا إله إلا الله وقلبه غافل أو منكر له كتوحيد المنافقين ، والثانية أن يصدق بمعنى اللفظ قلبه كما صدق به عموم المسلمين وهو اعتقاد العوام فالغزالي هنا يجعل التصديق القلبي اللساني بأنه لا إله إلا الله درجة العوام ) ، مع أن ذلك ما كان عليه الأنبياء وأتباعهم ، ثم يتحدث الغزالي عن توحيد الصوفية المزعوم فيقول عن المرتبة الثالثة ( والثالثة أن يشاهد ذلك بطريق الكشف ( أي العلم اللدني ) بواسطة نور الحق وهو مقام المقرببين ، وذلك بان يرى اشياء كثيرة ولكن يراها على كثرتها صادرة عن  الواحد القهار).

    فالغزالي هنا يقرر وحدة الفاعل ، أي فكل ما يصدر في الكون من حركات للإنسان والجماد إنما تصدر عن الله وحده ، وتلك البداية في عقيدة وحدة الوجود التي عبر عنها الهند فلاسفة الهند بأن الإلوهية تكمن في داخل كل كائن ، وهي التي تحركه بل هي الفكرة التي تنشا في كل رأس ، ونفس التعبير الذي قاله فيثاغورث ( فكل شئ ياتي من الأحد ) .

وخطورة هذا القول في أنه ينسب كل شر يقع من الإنسان لله تعالى ، فالله تعالى هو الذي يسرق وهو الذي يفعل الفاحشة والسوء – وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا -  فالله تعالى هو منبع الخير والهدى أما الشرور فمن أنفسنا يقول تعالى {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ . النساء 79 } وذلك خطاب للرسول (ص) نفسه ويقول له أيضا   {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي . سبأ 50} .

ونعود للغزالي ومفترياته على الله تعالى ، فتراه بعد التمهيد لعقيدة وحدة الوجود بتقرير وحدة الفاعل يقول عن وحدة الوجود في المرتبة الرابعة ( والرابعة أن لا يرى في الوجود إلا واحدا ، وهي مشاهدة الصديقين وتسميه الصوفيه الفناء في التوحيد ، لأنه من حيث لا يرى إلا واحدا فلا يرى نفسه أيضا ) ومعنى أنه لا يرى في الوجود إلا واحدا يعني انه يرى الله في كل شئ ، وكل شئ يراه هو الله ، ويشرح الغزالي ذلك بقوله ( فهو موحد بمعنى أنه لم يحضر في شهوده غير الواحد ، فلا يرى الكل من حيث هو كثير ، بل من حيث هو ، من شجر وجماد وكواكب وحيوان ) لا يراها الصوفي إلا واحدا هو الله.

 ويتابع الغزالي فلاسفة اليونان وآسيا الصغرى في العلاقة بين الكثرة والوحدة أو بين وحدة الوجود الإلهي الذي ( يتخذ شتى المظاهر والأشكال على اختلاف أنواعها فكل شئ يأتي من الأحد ، والأحد يأتي من كل شئ ، ولكن الكثرة دون الوحدة في الوجود الحقيقي وهو الله ).

     وسبق أن قال بارمنيدس ( لا وجود لغير الواحد وأن كل وجود غيره وكل ما نراه من التعدد والتغير إنما هو وهم الحس وخداع الظواهر ) ويرددالغزالي نفس الأراء بالشرح والتفصيل فيقول بعد أن قرر وحدة الوجود الإلهي رغم كثرة الأجزاء والمظاهر ( فإن قلت كيف يتصور ألا يشاهد إلا واحدا وهو يشاهد السماء والأرض وسائر الأجسام المحسوسة وهي كثير فكيف يكون الكثير واحدا ؟) ويجيبالغزالي ( فاعلم أن هذه غاية علوم المكاشفة ) أي العلم اللدني ( وأسرار هذا العلم لا يجوز أن تسطر في كتاب فقد قال العارفون افشاء سر الربوبية كفر ) ومعناه أن الغزالي يخشى التصريح العلني بأسرار عقيدته التي جاءت بعد نزول القرآن وموت الرسول (ص) بأربعة قرون . وإذا كان ذلك العلم عقيدة إسلامية فلماذا أهمله القرآن الكريم ولم يتحدث عنهالرسول ، وإذا كان باطلا فإفشاؤه كفر كما اعترفوا بذلك .

ثم يضطر الغزالي إلى بعض التصريح فيقول " الشئ  قد يكون كثيرا بنوع مشاهدة واعتبار، ويكون واحدا بنوع آخر من المشاهدة والإعتبار ، وهذا كما أن الإنسان ( كثيرا ) إن التفت إلى روحه وجسده وأطرافه وعروقه وعظامه وأحشائه وهو باعتبار آخر ومشاهدة أخرى(واحد) إذ يقول أنه انسان واحد ... فكذلك كل ما في الوجود من الخالق والمخلوق له إعتبارات ومشاهدات كثيرة مختلفة فهو بإعتبار (واحد ) وبإعتبارات أخرى  ( كثير) ،"، وواضح هنا تصريحه بان الخالق مع خلقه وحدة واحدة ، ويضرب على ذلك مثلا بالإنسان وما يجوز على الإنسان يجوز على الله ، فكما أن الإنسان واحد بجملته كثير بأجزائه فكذلك الله تعالى عند الغزالي ، واحد في جملته كثير بأجزائه التي تشمل كل موجود في الكون تراه العين ، وذلك يذكرنا بما قاله الجاهليون حين زعموا أن الملائكة بنات الله تعالى أي جزءا منه فقال فيهم {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ ، أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ. الزخرف 15، 16}.   إلا أن الغزالي جعل الكون كله جزءا من الله تعالى .

    ويظل الغزالي مخلصا لعقيدته فيقول في كتابه مشكاة الأنوار ( من هنا ترقى العارفون – أي الصوفية أو الغنوصيون – من حضيض المجاز إلى يفاع الحقيقة واستكملوا معراجهم فرأوا بالمشاهدة العيانية أن ليس في الوجود إلا الله تعالى .. فيكون الموجود وجه الله تعالى فقط ، فإذن لا موجود إلا الله تعالى ووجهه ).

    ويقول في نفس الكتاب " العارفون بعد العروج إلى سماء الحقيقة اتفقوا على أنهم لم يروا في الوجود إلا الواحد الحق ، وانتفت عنهم الكثرة بالكلية ، واستغرقوا بالفردانية المحضة ، فلم يكن عندهم إلا الله تعالى ، فقال أحدهم " أنا الحق " وقال الآخر ( سبحاني ما أعظم شأني ) وقال آخر ( ما في الجبة إلا الله )" ومعناه أن الصوفي إذا عرف أن الله هو كل الموجودات وأنه أي الصوفي ضمن الموجودات فمن حقه حينئذ أن يقول( مافي الجبة إلا الله ) وأن يدعي لنفسه الألوهية ويكفر أو يشطح كيفما شاء .

        وبعد الغزالي جاء إبن عربي في القرن السابع الهجري ، فكان أكثر فصاحة فاستحق من الصوفية أن يجعلوه الشيخ الأكبر ، يقول في كتابه فصوص الحكم تحت عنوان ( فص حكمة إلهية في كلمة آدمية ) عن خلق آدم ( لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى أن يرى أعيانها .. فاقتضى وجود الأمر جلاء مرآة العالم فكان آدم عين جلاء تلك المرآة    وروح تلك الصورة )  وفي مواضع أخرى قول ( ولذلك قال الله تعالى في خلق آدم الذي هو البرنامج الجامع لنعوت الحضرة الإلهية التي هي الذات والصفات والأفعال أن الله خلق آدم على صورته وليست صورته إلا الحضرة الإلهية ، فأوجدت في هذا المختصر الشريف الذي هو الإنسان الكامل جميع الأسماء الإلهية ) وواضح أن إبن عربي يردد مقالة التوراة المحرفة عن كون آدم صورة من صور الله ..                         

    وبعد أن جعل إبن عربي من الإنسان صورة إلهية توسع فجعل الكون كله وحدة إلهية ، يقول عن الله تعالى ( فهو الشاهد من الشاهد والمشهود من المشهود فالعالم صورته وهوروح العالم المدبر له فهو الإنسان الكبير ) ثم يزاوج بين الله تعالى والخلق فيقول عن رب  العزة ( إن شئت قلت هو الخلق ، وإن شئت قلت هو الحق ، وإن شئت قلت هو الحق والخلق ، وإن شئت قلت لا حق ولا خلق .. ) أي انعدمت الفوارق عنده بين الخالق والمخلوق فلك أن تسمي أحدهما بالآخر .

    وهكذا ردد الصوفية مقالة وحدة الوجود ودعوا إلى مقالة العلم اللدني بنفس الطريقة الغنوصية ، ومن الطبيعي وقد تحول العلم اللدني إلى كهنوت أن تعقم الحياة العلمية  وتنتهي إلى جمود فتأخر وجهل كما حدث في العصر المملوكي وما تلاه ..

اجمالي القراءات 5820

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4659
اجمالي القراءات : 46,513,375
تعليقات له : 4,838
تعليقات عليه : 13,828
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي