طغاة راحلون وأحلام محبطة ودول فاشلة.. هكذا يجسد الأدب العربي روح العصر

اضيف الخبر في يوم الثلاثاء 11 فبراير 2020. نقلا عن: الخليج الجديد


طغاة راحلون وأحلام محبطة ودول فاشلة.. هكذا يجسد الأدب العربي روح العصر

ماذا يحدث في العالم العربي، في بلدان مثل الجزائر والسودان ولبنان؟، هل هي ثورات تنذر بأوقات أفضل، أم مجرد سحابة صيف عابرة في سماء عنيدة تديم ميزان القوى الحالي؟

لسوء الحظ، بينما نتعرض لتدفق لا نهاية له من صور وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر لنا ما يحدث في هذا الجزء من العالم، لا يمكننا الاعتماد على العلوم الاجتماعية لفهم سبب حدوث الأشياء أو كيفية التأكد من أنها لن تحدث مرة أخرى.

وبالنظر إلى التسارع المستمر في التغيير الاجتماعي باستعارة هذه الفكرة من عالم الاجتماع الألماني "هارتموت روزا"، فإنه يجعل من المستحيل علينا أن نتعقب المشاكل الكلية لظاهرة واحدة؛ مما يزيد من ضبابية رؤيتنا عن الماضي والمستقبل. وربما يكون الأدب وحده هو الذي يستحوذ على مزاج المجتمعات العربية بشكل أفضل، ويروي قصص شعوبها وينقل تطلعاتهم.

 

 

  • زوال البطولة الأدبية

ومع ذلك، لا يبدو الأدب قادرا على الصمود في عصر الاتصالات الرقمية والمعلومات التي لا نهاية لها. لقد ولت الأيام التي يتجمع فيها القراء العرب حول كاتب أو ضده، أو حين عرفوا أنفسهم بتعبير شعري لتحديد هويتهم وفخرهم. لقد رافق العصر الرقمي زوال البطولة الأدبية. ومع انتصار الاتصالات الرقمية، لم تعد الكتابة امتياز القلة الموهوبة.

ومع وفرة النصوص على شبكة الإنترنت، يشعر القراء بالحاجة إلى التصفح، بينما يفقدون عادة قراءة النصوص الأدبية الطويلة. ولا عجب في أن بعض أفضل وأهم الروايات عن السياق العربي تمر دون أن يلاحظها أحد، من "وليد سيف" في "ملتقى البَحْرَين"، إلى "أمين معلوف" في "التائهون"، إلى "ياسمينة خضرا" (محمد مولسهول) في "ماذا تنتظر القردة؟".

إن ما يوحد الروائيين الثلاثة، بعيدا عن اللغة، هو شغف لا لبس فيه لفن السرد، وهو نوع معين من العاطفة الثقافية لرواية القصص الشفوية التي لا تزال شائعة في العالم العربي. ورغم كل مظاهر الأسلوب القصصي، فإن رواياتهم تخون الاعتقاد بأن العالم العربي هو التاريخ؛ فهي لا تتحدث عن صنع التاريخ، وبالتالي لا يمكن أن تسفر عن أي نوع من البطولات.

ولا يخفي"سيف" ازدراءه للواقع العربي الحالي، ويضع شخصياته الرئيسية في محيط تاريخي قديم. ويصور العالم العربي منذ البداية باعتباره يعيش في العصور الوسطى، مع زحف السلاطين والعبيد والأسرى والجواري. ويُعتقد بأن القارئ إذا لم يكن لديه خلفية عن العصور المظلمة، فلن يكون بإمكانه تشكيل ملف تعريف للشخصيات والخصوم، ولا فهم طبيعة التخطيط.

وليس من الصعب استنتاج أن الرسالة الرئيسية وراء رواية "سيف" هي أن البقاء ثقافيا في حقبة ما قبل العصر الحديث هو المكون الأساسي للواقع العربي الحالية.

 

 

  • معركة من أجل السلطة والسيطرة

وفيما وراء روعة الكلمات وأناقة السرد، تكشف رواية "سيف" عن علاقة غير صحية بين السلطان، الذي يملك امتياز وحق الأمر والقيادة، وأسيرة جميلة عذراء واجبها الطاعة، وعالِم مصرّ على إثارة الثورة. وقد تكون القصة إشارة إلى الحالة البشعة لمجتمع تتنافس فيه قوى الاستبداد والتنوير على السلطة والسيطرة على أرواح الناس وأجسادهم.

وتبدو الصورة المثالية لدمج هذه الكيانات الثلاثة في وحدة متناغمة بعيد المنال للوهلة الأولى. ومع ذلك، مع تطور الأحداث، يزداد الشعور بأن التعايش التاريخي ممكن بين جميع الأطراف. وتنجح الأسيرة الجميلة، التي تقف إلى جانب الشعب، في إقناع السلطان، سيدها ووالد طفلها المستقبلي، والعالِم، حبيبها، بضرورة العمل المشترك.

ويصل الأمل إلى حالة من التوهج عندما ينطلق العالِم، بعد أن خاب أمله من مستقبل الثورة، في رحلة عبر أرض مهجورة للتصالح مع السلطان. ولا يمكن للأسيرة، التي أصبحت في الوقت نفسه حبيبة السلطان، إلا أن تسعد باحتمال حدوث مثل هذه المصالحة، وتحلم بعالم مستقبلي تنسق فيه السلطة السياسية وقوة التنوير الجهود من أجل السلام والازدهار الاجتماعي.

وتساهم كل كلمة وجملة واستعارة ومونولوج وحوار في استحضار هذا الاتحاد الغامض، الذي تمس الحاجة إليه في العالم العربي اليوم.

ولسوء الحظ، تبدو هذه الآفاق الحالمة جيدة للغاية لتكون واقعية. ويبدأ كل شيء حول الأسيرة في الانهيار. أولا، يقع العالِم، الذي أبدى أملا في ثورة من شأنها أن تحسن ظروف المجتمع، ضحية قتلة أشرار قطعوه إربا وجلبوا رأسه إلى القلعة على أمل كسب ود السلطان. ثم مات السلطان، حيث قُتل في معركة ضد مجموعة من المتمردين.

وأثناء فرارها من المدينة مع طفل السلطان في رحمها، وحزنها في صدرها، يسألها خادم مخلص ورفيق لها في رحلتها عن وجهتها. لترد قائلة: "سنعرف ذلك بمجرد أن نصل إليه".

 

 

  • عالم تعمه الفوضى

ووراء هذه الإجابة، لمحة عن عالم عربي جديد؛ حيث تلاشت -أمام الخوف والفوضى- الآمال بتحقيق غد أفضل يعمل فيه الحكام بالتنسيق مع النخب المستنيرة من أجل رفاهية وأمن شعبهم. وتستدعي وفاة كل من السلطان والعالِم فقدان الوجهة وفقدان السيطرة على القدر. فهو عالم في حالة من الفوضى.

ويتم استحضار هذه الرؤية لمجتمع عربي ضائع ببراعة في رواية "معلوف"، التي تنظر إلى النزاعات التي عصفت بالمجتمعات العربية، وخاصة لبنان، من منظور مؤرخ في المنفى. ومع الاستفادة من التأخر التاريخي والمسافة الجغرافية، يمكن للراوي "آدم" أن ينغمس في التعبير عن مجموعة واسعة من المواقف والعلاقات والعواطف التي يصعب التعبير عنها بالكلمات.

فهو يمزج بين مشاعر الحب والكراهية والصداقة والخيانة، ويحافظ على فكرة وجود عالم من الفصائل يعزى إلى عدم المسؤولية وعدم المساءلة، إلى جانب شوق عاطفي قوي بشكل لا يصدق للحظات الماضي من التعايش السلمي، عندما كان العيش مع "الآخر" ممكنا.

ويقول "دولوريس"، الذي يقف إلى جانب سريره دائما، إن مصير "آدم" معلق بين الحياة والموت، "تماما مثل بلده، مثل الكوكب بأسره، ومثلنا جميعا، الذين ما زالوا يعيشون في زمن مستعار". وفي خاتمة افتراضية قد يكون "آدم" قد ألفها في ذهنه قبل حادث السيارة الذي تركه في غيبوبة، توجد إشارة غامضة إلى "البهجة في المشرق برقته وحنانه الهادئ"، و"شهية أُعيد اكتشافها للحياة"، و"أسباب لمتابعة المعركة".

ومع ذلك، فإن المعنى الكامن وراء هذه الكلمات لن يكون معروفا على وجه اليقين إلا إذا استعاد "آدم" وعيه. ورغم ضعف الأمل المقدم في خاتمته، فإنه لا يستطيع أن يدعي البطولة.

  • رسالة الحقيقة

وما يلفت الانتباه أكثر من قصة ومصير المغترب اللبناني "آدم"، هي المراسلات والمحادثات بين أصدقائه في طفولته. فمن خلالهم، يكشف "معلوف" عن الانقسامات بين الفصائل القائمة، وصراع المعتقدات الذي لا يمكن التغلب عليه، والمناقشات الساخنة داخل المجتمع اللبناني الجريح. وربما في أكثر التداولات إثارة واستدعاء للتفكير، يقدم "معلوف" رسالة شاملة حول الحقيقة.

وبالوصول إلى سؤال حول "لماذا يحتل الإيمان مكانا كبيرا في هذه المنطقة من العالم"، يجيب "معلوف" من خلال إحدى كلمات شخصيته أن مثل هذا البيان ليس سوى خرافة، وأن الحقيقة هي عكس ذلك تماما؛ حيث تقول الشخصية: "هنا، في بلاد الشام، لا نهتم بالمعتقدات، بل بالانتماء".

ونجح "معلوف" في ترجمة الانطباعات التي تجمعت خلال زيارة "آدم" لبلد طفولته، إلى رؤى غير مسبوقة لواقع العالم العربي. وعلى عكس الاعتقاد المؤكد الشائع بأن الروحانية هي نقطة ارتكاز لمجتمعات الشرق الأوسط، فإن الانتماء هو العنصر الذي يسبق كل شيء.

وهكذا، تفتح رواية "معلوف" الطريق لإدخال مواقف جديدة بشكل جذري؛ مما يشكك في صحة الإدراك الذاتي للشرق أوسطيين ككيان روحي قوي. ويعزز"معلوف" الانطباع بأن الأشياء تنهار؛ مما يزيد من الوعي بضرورة انتقاد الأشكال السائدة للتدين في العالم العربي كخطوة مهمة للهروب من الجمود الحالي.

 

 

  • نمور من ورق

وفي هذه الأثناء، تقع رواية "خضرا" في الجزائر اليوم، تحت حكم الاستبداد الذي يتجاهل حتى كيف حدث. وفي رد على توبيخ مفتش شاب لظلم خطير وقع على أناس أبرياء، يقول الحاج "سعد حمر العين"، الطاغية القديم العظيم: "هذا ليس خطأ من أحد؛ نحن فقط ما يريده الآخرون منا أن نكون... لم أطلب أن أصبح مستبدا".

وفي محاولة لإعفاء نفسه من المسؤولية الأخلاقية، يتبنى "حمر العين" خط دفاع يقلل من الاستبداد، ويجعله مجرد تسلسل هرمي. وفي ذلك يقول الطاغية القديم: "لم يكن هناك طاغية، أيها المفتش. الطغاة ليسوا سوى تأثير من الوهم لأفعال الجُبن الصغيرة والكبيرة".

وعندما يسعى المستبد القديم إلى تحرير نفسه من قبضة المفتش، يصيبه الأخير في وجهه بالجانب المسطح من المجرفة. ويتم إذلال الاستبداد الآن بنفس الطريقة التي استخدمها لإذلال الآخرين. ويُذكر المفتش "حمر العين": "يعمل العالم وفقا لتوازن القوة المبتذل. سيد الموقف هو الهراوة، وليس الشخص الذي يحملها". وباسم جميع الجزائريين، يخترق قلب المستبد، بل قلب الاستبداد.

وفي رواية "خضرا"، يتم تصوير الاستبداد على أنه "نمر من ورق". فلا يتطلب الأمر الكثير لاكتشاف كيف تكون قوته المخيفة مجرد مظهر خارجي. ويشير العنوان إلى أن فعل الجرأة والشجاعة قد يكشف عن ضعف الاستبداد، وأن القضاء عليه من على وجه الأرض هو القرار الوحيد المجدي الذي يجب اتخاذه.

  • ما بعد النهضة العربية

وتستفز النغمة التحريضية لرواية "خضرا" الناس المضطهدين لإعادة النظر في توازن القوى بين الاستبداد والحاجة إلى الحرية. وفي ضوء التطورات الأخيرة في الجزائر، فإنه يمثل خطوة حاسمة نحو التغلب على معاقل الخوف ومقدمة لبطولة جديدة.

وتشهد تحفة "خضرا" الأدبية، باعتبارها قادرة على تجسيد صوت جيل من الصمت مقابل الاستبداد، على قوة نوع جديد من الأدب، القادر على البدء من حيث توقفت مشاريع النهضة العربية.

ويمكن قول الشيء نفسه عن روايات "سيف" و"معلوف". إن روعة الأفكار التي تعبر عنها هذه الروايات وحساسيتها يفتحان منظورا جديدا، محررا من الخطابات المهيمنة لكل من الأيديولوجيات الفكرية والعقائدية. إنها تقدم لنا مشهدا لضعفنا وإخفاقاتنا وأحلامنا الفاشلة وفرصنا الضائعة، والدول الفاشلة، والطغاة الميتين، والإصلاحيين المحبطين. وهي بذلك تحفز القراء العرب على قبول أنفسهم كخطوة حاسمة في طريق التغيير.

ومن المغري أن نقول إن "سيف" و"معلوف" و"خضرا"، وغيرهم من الروائيين من أمثالهم، ينتجون نوعا من الأدب الذي يميل إلى إضفاء الروح الأخلاقية على إرادة قرائهم العرب من خلال ربطه بزيادة الوعي بأنه لا توجد قصة عربية "ساحرة" ليتم إخبارها للعالم. إنهم يقنعوننا بالتفكير في إعطاء عالم ما بعد النهضة العربية أساس الشكوك التي تهاجمنا اليوم.

يخبروننا أنه لكي يستعيد المجتمع العربي الجديد اتجاهاته الأخلاقية، يجب أن يكون لديه ما يكفي من الحماس الشعري للسماح بالتعبير عن العلاقة المضطربة بين السلطة والعقل والناس، والخطوط الواضحة بين الإيمان والانتماء، والطبيعة القبيحة الحقيقية للاستبداد.

وحتى عندما وضعونا وجها لوجه مع إخفاقاتنا في تلبية متطلبات روح العصر والعالم المتغير، فإنهم يدعوننا إلى إعادة تحديد ما هي البطولة، ليحل ذلك محل المعتقدات القديمة باعتبارها عامل التغيير.

اجمالي القراءات 201
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق