أستانة" جديدة في ليبيا.. هل يكرر أردوغان وبوتين السيناريو السوري؟

اضيف الخبر في يوم الخميس 09 يناير 2020. نقلا عن: الجزيرة


أستانة" جديدة في ليبيا.. هل يكرر أردوغان وبوتين السيناريو السوري؟

في نوفمبر/تشرين الثاني للعام الماضي 2019، استقبل(1) مستشفى العزيزية الميداني الواقع جنوب العاصمة الليبية طرابلس جرحى من مقاتلي حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا، وسقط هؤلاء المصابين في المعارك التي بدأت منذ أن قرر اللواء المتقاعد "خليفة حفتر" شن هجوم عسكري بميليشياته المعروفة بـ "الجيش الوطني الليبي" للسيطرة على طرابلس في أبريل /نيسان لنفس العام.

حين استقبل الأطباء والممرضين في المستشفى مصابي قوات حكومة الوفاق؛ فوجئوا بإصابات غير مألوفة كثقوب ضيقة ودقيقة في الرأس وجروح دقيقة أيضًا وفتاكة في نفس الآن، بينما اعتاد طاقم العمل على إصابات تقليدية جراء نيران المدفعية العشوائية، كأعضاء ممزقة وجروح نازفة، وفيما لم يملك الأطباء وقتها تفسيرا لهذه الإصابات، كان القيادي العسكري في قوات حكومة الوفاق "محمد الديلات" يعرف السبب؛ واصفًا رصاصةً قتلت واحدًا من تسعة مقاتلين في مجموعته بأنها «بطول الأصبع» وأنها سلاح روسي بامتياز، وتم استخدامه في السابق في شرق أوكرانيا وفي سوريا، ويستخدمه القناصون المحترفون من المرتزقة الروس الذين وصلوا ليبيا منذ سبتمبر/أيلول الماضي ضمن عدد لا يقل عن ألف مرتزق ينتمون لمجموعة "فاجنر" الروسية، الذين قدموا لمساعدة ميليشيات حفتر الذي يتخذ من شرق ليبيا مقراً له، والمدعومة من الإمارات العربية المتحدة ومصر والمملكة العربية السعودية ومن فرنسا أيضاً.

قدّمت هذه الحادثة الدليل الأقوى على التدخل العسكري الروسي في ليبيا، وأظهرت أن الكرملين وبعد أربع سنوات من الدعم المالي والتكتيكي من الكواليس لحفتر؛ قد قرر التدخل بصورة أكثر مباشرة لتغيير واقع المعركة، حيث أدخلت(2) روسيا لليبيا طائرات سوخوي المتقدمة، وقاذفات صواريخ وبعض أسلحة المدفعية، وكذلك غضت النظر على أفضل التقديرات عن دخول المرتزقة، لكن كل ذلك لم يُعلن رسميًا. في المقابل بدأت أسلحة أخرى متطورة وغير روسية تدخل ساحة المعركة الليبية حاليًا وبشكل رسمي من قبل تركيا، وهي أسلحة تحدث عن إرسالها(3) الأتراك لدعم حكومة السراج بطلب من الحكومة الليبية نفسها، وتأتي أيضا كتحرك حيوي في نظر أنقرة لحماية مصالحها في ليبيا، خاصةً في شرق البحر المتوسط.

 

ومنذ أيام قليلة، تحديدا في الخامس من ينايركانون الثاني الحالي، وبعد ساعات من تكثيف التصعيد العسكري لقوات حفتر الذي وقع على إثر إحدى غارته نحو ثلاثين قتيلا من طلاب الكلية العسكرية في منطقة الهضية بطرابلس؛ أعلن أردوغان أن وحدات من القوات التركية بدأت في التحرك إلى ليبيا، لكنه أصر على أن هدف هذه القوات «ليس القتال، وإنما تجنب وقوع أحداث من شأنها التسبب في مآسٍ إنسانية وتقويض الاستقرار في المنطقة» حد تعبيره، ومُظهرا أنه لا يأبه بالنقد المصري والإماراتي والسعودي وحتى الروسي لتحركات بلاده في ليبيا

وقد أفضى ذلك لما حدث بالأمس، 8 (يناير/كانون الثاني) الحالي، عندما أعلن أردوغان وبوتين، على هامش زيارة الأخير لإسطنبول بهدف افتتاح خط غاز السيل التركي الذي ينقل الغاز الروسي لتركيا ثم لأوروبا؛ عن أنهما سيدعوان لوقف إطلاق النار في ليبيا من يوم الأحد المقبل، مع جلوس كافة أطراف الصراع لمائدة حل سياسي، فضلًا عن محاولة تعزيز مؤتمر برلين القادم وتهدئة الأجواء قبله لحل الأزمة، وهو ما يثير تساؤلات عن مدى إمكانية نجاح أنقرة وموسكو في تفادي صدامهما بالداخل الليبي، وصنع أستانة جديدة على الأرجح مكافئة لما حدث في سوريا.

الروس في ليبيا

أنهت الثورة(4) الليبية في منتصف فبرايرشباط 2011 حكم العقيد الراحل "معمر القذافي"، بيد أنه كان على الليبيين أن يتريثوا على الأرجح بعد ابتهاجهم برؤية الخلاص من حكم العقيد التاريخي الذي استمر 42 عامًا حتى لحظتها، إذ سرعان ما دخلت البلاد أُتون صراعٍ داخلي أوصلهم عام 2014 لحرب أهلية أشعلها "حفتر" وداعموه الإقليميون. قُسمت البلاد على إثرها بين حكومة الوفاق الوطني المدعومة دوليًا برئاسة "فايز السراج" بطرابلس، وميليشيات "حفتر" مسيطرًا على شرق وأجزاء من جنوب البلاد.

 سعت موسكو عمليًا لرفع مكانة "حفتر" الدولية، سواء بمساعدته ماليًا، أو بإنشائهم قاعدة في عام 2015 في غرب مصر توفر الدعم الفني وإصلاح المعدات لقواته

الجزيرة

بالنسبة لعلاقة موسكو بحفتر، فقد استقبل(5) الكرملين رجل شرق ليبيا القوي مرتين خلال عام 2016، ثم ظهر حفتر على متن حاملة الطائرات الروسية "الأميرال كوزنتسوف" وقتما كانت تعبر قبالة المياه الليبية في يناير/ كانون الثاني 2017، وعلى نفس المنوال استقبلت موسكو "السراج" أيضًا في نفس العام، وبرغم ظهور موسكو حتى الآن رسميًا كطرف حريص على إنشاء علاقات طيبة مع حكومة الوفاق الوطني أسوة بالعلاقة مع حفتر، ومع أن تصريحات السراج سارت في نفس السياق حين قال في يوليو/تموز الماضي أن «زيارات المسؤولين الليبيين لروسيا لم تنقطع، ويجمعنا بروسيا علاقات صداقة وتعاون، وحريصون على تنمية وتفعيل الاتفاقات المبرمة معها في فترات سابقة وتحديثها وفقا للاحتياجات الحالية" إلا أن الكواليس حملت وجهًا روسيًا آخر، حين سعت موسكو عمليًا لرفع مكانة "حفتر" الدولية، سواء بمساعدته ماليًا عن طريق طباعة(6) الدنانير الليبية لبنكه المركزي الموازي، أو بإنشائهم قاعدة في عام 2015 في غرب مصر توفر الدعم الفني وإصلاح المعدات لقواته، أو إرسال حفنة من المستشارين العسكريين لقواته في بنغازي.

ومع مرور أربع سنوات على بدء الحرب الأهلية دون أن يحقق "حفتر" وحلفائه طموحاتهم السياسة والعسكرية في ليبيا؛ قرر الرجل الذي امتدت قبضته من شرق البلاد لجنوبها الغني بالنفط الزحف نحو العاصمة طرابلس التي تسيطر عليها حكومة السراج في أبريل من العام الماضي كما ذكرنا، وكانت تلك المعركة النقطة الأهم التي دفعت الروس للتدخل بسرعة أكبر لصالح حفتر وداعميه من دول الجوار وأهمهم الإمارات ومصر.

أتى الدعم الروسي مستندا على توقع أن يكون لـ "حفتر" القول الفصل في ليبيا بعد هذا الهجوم الشامل الذي حُشد له دعم عسكري ولوجستي غير مسبوق، ومن ثم عجّلت موسكو الخُطى نحو تدخل عسكري أكثر تنظيما في ليبيا بعد أن استحوذ الصراع(7) في سوريا على نصيب الأسد من اهتمامها، ويمكننا أن نذكر مصالحًا عديدة لموسكو في الداخل الليبي وخارجه، فأولًا سيمكّنها الملف الليبي حال حصولها على موطئ قدم راسخ هناك مثل فرنسا وإيطاليا من الحصول على نفوذ جديد في علاقاتها مع الغرب وخاصة الاتحاد الأوروبي الذي يعتبر ليبيا مصدرًا للطاقة وثيق الصلة بالقارة العجوز، وبوابة للهجرة غير الشرعية لها ينبغي المحافظة عليه مغلقًا بإحكام، وهما ملفان ترغب موسكو بشدة في الإمساك بهما كأوراق نفوذ لها على أوروبا.

تحولت روسيا لداعم قوي وشبه مباشر لحفتر رغم عدم تخلصها من كافة مخاوفها منه كرجل له صلاته السابقة مع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ومع واشنطن عمومًا

الجزيرة

لا تقتصر المصالح الروسية على النفوذ فقط، فهناك رغبة من الكرملين والشركات الروسية لاستعادة عقود إعادة الإعمار والتسليح التي فقدتها بعد سقوط القذافي، وتقدر قيمة عقود التسليح الروسية الليبية المجمدة لوجود حظر تصدير أسلحة مفروض على ليبيا من الأمم المتحدة بحوالي 4 مليارات دولار، فضلًا عن رغبة الروس في بناء خط سكك حديدي يصل بين بنغازي وسرت التي سيطر عليها حفتر منذ أيام قليلة، وهو عقد تتنافس عليه شركات عالمية غربية وروسية وصينية وتقدر قيمته المبدئية ب 2.5 مليار دولار، فضلًا عن رغبة الروس أيضًا في الوصول للموانئ الليبية الاستراتيجية على البحر الأبيض المتوسط ​​لفتح الطريق لمزيد من التوسع لنفوذهم في إفريقيا، فضلًا عن المحافظة على عقود النفط، خاصة ذلك الذي أبرمه عملاق النفط الحكومي "روزنفت" عام 2016 لاستيراد النفط الليبي بسعر أقل من الأسعار العالمية، وهو نفط يتوقع تضاعف إنتاجه عام 2023 في كامل الأراضي الليبية

بحلول سبتمبر من العام الماضي كانت روسيا قد تحولت لداعم قوي وشبه مباشر لحفتر رغم عدم تخلصها من كافة مخاوفها منه كرجل له صلاته السابقة مع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ومع واشنطن عمومًا، وقد شهد النفوذ العسكري الروسي في ليبيا تضخمًا مستمرًا وأتى تمكن دفاعاتها الجوية من إسقاط طائرة بدون طيار أميركية بالقرب من طرابلس في نوفمبر الماضي كمثال عملي على ذلك، فضلًا عن وجود حوالي 1400 مرتزقًا روسيًا مع قوات حفتر حاليًا، ويصفهم(8) وزير الداخلية الليبي "فتحي باشاغا" أثناء معارك الأسبوع الثالث من ديسمبر الماضي بأنهم «يقاتلون كمشاة في الخطوط الأمامية، ويمتلكون تكنولوجيا متطورة للتشويش على الطائرات بدون طيار، وهم على مدى يومين فقط أطلقوا 2500 قذيفة، سواء كانت قذائف هاون أو مدفعية".

تركيا والسراج .. حلفاء حتى حين
الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" ورئيس حكومة الوفاق الليبية " فايز السراج" (وكالة الأناضول)

على خلاف الموقف الروسي السابق، رفضت أنقرة علنا حين اندلعت الثورة الليبية منذ تسع سنوات التدخل العسكري مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) هناك، ورأت انطلاقا من الخلفية السياسية والتاريخية الإيجابية التي ربطتها بنظام القذافي –أهمها وقوفه بجانبها أثناء التدخل العسكري التركي في قبرص عام 1974- أن المسارعة في صدور قرار بالتدخل العسكري هو محاولة من الدول الكبرى -وخاصة فرنسا- لاستعادة نفوذها التقليدي في شمال إفريقيا، لذا قال حينها الرئيس التركي أردوغان من على منصة منتدى دولي في إسطنبول أن هذا التدخل «إضافة إلى كونه عكسيًا، فإن مثل هذه العملية يمكن أن يكون لها عواقب وخيمة، لذا نحن نعارض التدخل الأجنبي لأن الليبيين يعارضونه».

ومع ذلك كان الأكثر إلحاحًا بالنسبة للأتراك في السنوات الأولى للثورة الليبية هو الحفاظ على جملة العقود التي وقعت بين الدولتين والبالغ(9) قيمتها نحو 15 مليار دولار، خاصة بعدما كادت تفقدها مرة حين قرر رئيس الوزراء السابق "عبد الله الثني" في 2015 طرد الشركات التركية من جملة تلك العقود، وقد رأت أنقرة أن ورقة النفوذ الأهم لها هي مشاريع إعادة الإعمار والعقود الاقتصادية، خاصة وأن شركاتها على مدار العقد الألفيني الأول تمتعت بحضور قوي وفازت تقريبًا بجميع عقود البناء المربحة في الداخل الليبي، وبموجب هذا الوضع وصل عدد المواطنين الأتراك الذي يمارسون أعمالهم في ليبيا لـ 30 ألف تركي قبيل الثورة وحتى بعد الإطاحة بالقذافي، لكن ما إن اتّخذ الوضع مسارًا متصاعدًا ونشبت الحرب الأهلية منتصف عام 2014 حتى تبنت(10) تركيا –أسوة بباقي أطراف الصراع الأجنبية- تكتيكات تعكس التنافس الإقليمي الأوسع، فعززت علاقتها مع حكومة السراج ليس فقط لكون مصالحها الاقتصادية الرئيسة كامنة معها، بل أيضا انطلاقا من مكانتها الجديدة كقوة إقليمية تعارض تحالف حفتر المتزايد مع مصر والإمارات، حيث زاد هذا الحلف كما تؤكد تقارير للأمم المتحدة من دعمه لقوات حفتر بالمقاتلات والمروحيات وغيرها على مدار سنوات الصراع

لكن التحول الأكبر في موقف أنقرة يمكن ربطه أيضا كما الروس بمعركة طرابلس التي أطلقها حفتر منذ قرابة تسعة أشهر، وقد كان الدعم التركي لحكومة الوفاق قبيل تلك الحملة يقتصر على دعم سياسي وبعض الاتفاقات الأمنية غير الُمفعلة، لكن بعد شن حفتر لهجومه تلقى السراج يوم التاسع والعشرين من أبريل الماضي اتصالًا من أردوغان أخبره فيه بأنه قرر اتخاذ إجراءات أكثر قوة لصد تحركات حفتر نحو العاصمة الليبية عبر تنشيط بلاده للاتفاقيات الأمنية مع الحكومة، وكانت الخطوة التنفيذية العاجلة في اليوم الثاني لهذا الاتصال حين زار وزير الداخلية بحكومة الوفاق "فتحي باشاغا" إسطنبول والتقى مع وفده الأمني الكبير بوزراء ومسؤولين عسكريين أتراك لمناقشة سبل التعاون الدفاعي والأمني والاستخباراتي بين البلدين.

  

بعد ذلك بأسبوعين وينيف، وفي 16 من مايو/أيار الماضي، وصلت عشرات(11) المركبات المدرّعة من طراز (بي إم.سي كيربي) تركية الصنع إلى ميناء "طرابلس" لتستخدم عوضا عن الدبابات والمدرعات المتهالكة التي كانت تستخدمها قوات الوفاق حتى وقتها ضد حفتر المدعوم بدبابات ومدرعات حديثة مقدمة من قبل داعميه الإقليميين، وقد أحدث هذا الدعم التركي مساهمة كبيرة في استرجاع الوفاق لـ "غريان"، المدينة الليبية ذات الموقع الإستراتيجي (على بعد 60 كم جنوب طرابلس) في أواخر يونيو/حزيران الماضي، إذ سقطت المدينة التي عوّل عليها حفتر في تحشيد قواته، وسُجل فيها أول استخدام للطائرات بدون طيار التركية في ليبيا، والتي أدت فيما بعد دورا بارزا في معارك الخطوط الأمامية في طرابلس

ومع فقدان حفتر لغريان كأحد خطوط الإمداد الرئيسة لقواته وغضبًا من الدور التركي في تغيير وجهة المعركة لصالح حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا، شنت قواته عمليات انتقامية وصعدت من هجومها بالغارات الجوية على المناطق المحيطة بطرابلس ومصراتة وغريان بشكل غير مسبوق وبما يتجاوز القدرات المحلية لقوات حكومة السراج، وعنى ذلك أن الجهود التركية لتحسين قدرة طرابلس على الدفاع عن العاصمة عبر تزويد الوفاق بطائرات بدون طيار وأنظمة دفاع جوي كانت غير كافية، لتدفع تلك التطورات أنقرة نحو اتخاذ إجراءات جديدة ترجح كفة حكومة الوفاق الوطني.

بدأت تلك الإجراءات بتوقيع مذكرة التفاهم الشهيرة مع الوفاق في 27 من نوفمبرتشرين الثاني الماضي والهادفة لإنشاء حدود بحرية مشتركة في البحر الأبيض المتوسط ​​بين جنوب غرب تركيا وشمال شرق ليبيا، وتحدد تلك الاتفاقية المبدئية خطًا طوله 18.6 ميلًا بحريًا (35 كيلومترًا) سيشكل الحدود البحرية التي تفصل بين المناطق الاقتصادية الخالصة للبلدين، وذلك بالتزامن مع توقيع مذكرة تفاهم منفصلة وأهم بالنسبة للسراج تهدف لتوسيع التعاون الأمني ​​والعسكري أي نقل المزيد من الأسلحة إلى ليبيا بشكل رسمي وكذلك إرسال وحدات عسكرية تركية، ورسميا فرضت موافقة البرلمان التركي في الثاني من يناير الحالي دعمًا عسكريًا مُعلنًا من أنقرة أفضى خلال الأيام القليلة الماضية لإرسال جنود أتراك لطرابلس، حيث وصلت الدفعة الأولى من العسكريين الأتراك إلى هناك وسط تصعيد عسكري، وبعد أسابيع من تمكن حفتر بدعم من المرتزقة الروس الذي استخدموا تكنولوجيا التشويش على الطائرات بدون طيار من التوغل أكثر في محيط العاصمة.

التدخل العسكري التركي في ليبيا جاء بناء على الاتجاه العام الذي تعتمد عليه أنقرة في فرض مواقفها الدبلوماسية بالقوة الصلبة

الجزيرة
أستانة أخرى

إذًا، وسّع التدخل التركي والروسي من رقعة الشطرنج الليبية، وأصبح الصراع معقدًا أكثر بسبب مواقف اللاعبين الإقليميين والقوى الدولية الرافضة بالأخص للتدخل التركي، والتي غضّت نظرها عن تدخلات الدول الأخرى، غير أن الخطر الآن يكمن في احتمالية حصول صِدام بين أنقرة وموسكو التي ما تزال تنفي رسميًا وجود مرتزقة من مواطنيها يقاتلون بجانب قوات حفتر، لذا يعتقد المحلل السياسي الليبي ياسين خطاب في حديثه لـ "ميدان" أنه «إن كانت هناك مواجهة مع الأتراك فستكون مع المصريين وليس مع الروس الذين تمثلهم قوة غير رسمية (مرتزقة فاجنر) في ليبيا»، مضيفا أنه «هناك تعبئة داخلية الآن تجري في اتجاه التدخل العسكري في ليبيا، وبرغم أن مصر تفضل خوض التحديات الداخلية على خوض حرب خارجية، إلا أنها إذا ما تحركت في إطار دخول عسكري مقابل لتركيا للحفاظ على مصالحها في ليبيا فسيكون هناك صراع أشد وتسوية أقل احتمالًا للحدوث»

أما الصحافي الليبي "عماد الدين بلعيد" فهو يعتقد، كما صرح لـ "ميدان" بأن روسيا «ستأخذ خطوات للخلف وتعطي فرصةً لشركاتها الأمنية لتعيد مراجعة تدخلها، خاصة أن هذه الشركات اشترطت على حفتر عدم وجود أي قوة جوية عسكرية مقابلة أمامها في الساحة الليبية، وهذا الأمر أصبح بعيد المنال عقب التدخل التركي وبعد امتلاك حكومة الوفاق لطيران حديث» كما قال، ويعضد قوله ذلك ما أعلنه "مصطفى الماجي" المتحدث باسم حكومة الوفاق أمس عن مقتل 20 من مقاتلي "حفتر" بضربات جوية في "سرت" في الأيام القليلة الماضية مع تدمير عدد من المركبات المدرعة والأسلحة لمقاتلي الجنرال الليبي المتقاعد.

كلا من أنقرة وموسكو يدركان أن أهدافهما الجيوسياسية أكثر قدرة على التحقق مما لو اتبع كلا منهما مسارًا مختلفًا ومتصادمًا مع الآخر

رويترز

وبرغم احتمالية عودة التوتر بين تركيا وروسيا اللتين تجاوزتا أزمة دبلوماسية خطيرة لم تخفت آثارها بالكلية في سوريا عام 2015، إلا أن بعض المراقبين حتى الآن يغلبون إمكانية تجنب المواجهة المباشرة بين الطرفين في ليبيا قياسا على التجربة السورية، ويعتقد أصحاب هذا السيناريو أن التدخل العسكري التركي في ليبيا جاء بناء على الاتجاه العام الذي تعتمد عليه أنقرة في فرض مواقفها الدبلوماسية بالقوة الصلبة، وهو لا يعني ميلها نحو النزاع العسكري وإنما نحو فرض أمر واقع على الروس وغيرهم يدفع كل الأطراف المتصارعة لحل نهائي يناسب إلى حد ما الدور التركي ولا يتعارض مع المصالح الروسية أيضا، فأنقرة التي أبدت عدم استعدادها للمخاطرة بالمواجهة المباشرة مع روسيا في سوريا تدرك أنه من الصعب عليها الحفاظ على وجود عسكري في ليبيا دون ضوء أخضر من الكرملين على الأقل، كما أن بوتين لا يريد عزل أردوغان الراغب حتى الآن في إصلاح علاقاته المتوترة مع واشنطن وإدارة ترامب، ورغم أن بوتين يدعم حفتر الآن، إلا أنه وعلى الأرجح ما زال يحتفظ برغبته الأولى في حل النزاع الليبي عبر التواصل مع جميع الأطراف.

أما حكومة السراج التي مالت بشكل واضح نحو تدعيم مصالحها وبقائها بالاعتماد على أنقرة؛ فيبدو أنها لا ترفض قبول روسيا كوسيط في النزاع، وهي لن ترفض على الأغلب التعاون مع موسكو بغية تحقيق عملية سلام مدعومة من لاعبين إقليميين كتونس والجزائر، ذلك لأن كلا من أنقرة وموسكو يدركان أن أهدافهما الجيوسياسية أكثر قدرة على التحقق مما لو اتبع كلا منهما مسارًا مختلفًا ومتصادمًا مع الآخر، ويرجح بعض المراقبين أن يتكرر نموذج اتفاق "أستانا" في سوريا، لكون الهدف الأساسي للبلدين هو التقليل لأقصى درجة من تأثير القوى الإقليمية وغيرها، وهذا ما يؤكد احتماليته المحلل السياسي "ياسين خطاب" في تصريحه لـ "ميدان" بقوله «لا أستبعد أن يدخل المصريين في تفاهمات يلعب فيها الروس دور الوسيط ويحاولون الحفاظ على مصالحهم، وربما يحدث تبادل لأدوار دولية في ليبيا، فنشاهد تركيا وروسيا ومصر يلعبون أدوارًا أخرى في مقابل الأدوار التي كانت تلعبها إيطاليا وفرنسا وبريطانيا»

في المحصلة، تضع جميع السيناريوهات المتوقعة حلفاء حفتر وبالأخص مصر والإمارات في موقف الصدمة، ذلك أن المصريين، الذين عبروا عن قلقهم بشأن إطالة القتال في معركة طرابلس وما تعكسه من عدم نجاح لحفتر في السيطرة على المدينة؛ هم الآن مع الإماراتيين في مرحلة بداية نهاية المصالح الطويلة لهما في ليبيا لصالح الروس والأتراك، حيث يحتمل أن يتعرض الحليفين العربيين كأكبر خصمين إقليمين لتركيا حاليًا لتخلي روسي عنهما في ليبيا، بعدما سادت قناعات في أبوظبي والقاهرة بأن التدخل الروسي سيغير وجه المعركة العسكرية لصالحهما ولصالح حفتر وليس لصالح الأتراك بأي حال، لكنها قناعات يبدو أنها آخذة في الاضمحلال خاصة بعد الإعلان الروسي التركي أمس على المستوى الرئاسي من أنقرة بشأن طلب وقف إطلاق النار من جميع الفرقاء الليبيين يوم الأحد القادم، فيما بدا وكأنه تعضيد لاحتمال صنع تفاهمات روسية تركية تشابه ما حدث في سوريا تمامًا، وربما إقامة أستانة جديدة ستوضح معالمها الأيام القادمة على أي حال.

اجمالي القراءات 468
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق