المسيخ الدجال والشاعر اليوناني هوميروس

سامح عسكر في الجمعة 12 يوليو 2019


الله يرحمه "هوميروس"

من هذا الرجل؟

هذا أعظم وأشهر شاعر يوناني في التاريخ، مؤلف ملاحم "الإلياذة والأوديسا" التي حوت أساطير "حرب طروادة" " والصوف الذهبي" واخترع شخصيات ك "سيكالوبوس" و "تالوس" و "جيسون" و" أخيل" وغيرها

كان خياله عظيم جدا وأثر على حضارة اليونان بالكامل، بل وانتقلت أعماله للرومان والعرب بعد ذلك..

كيف؟

عدوّ المسيح..أو الدجال.. Antichrist ذكره الكتاب المقدس كمحارب لدعوة المسيح آخر الزمان، وانتقل للعرب بلفظ آخر هو "المسيخ الدجال" وأنزلوا عليه كل صفات السيكالوبس Cyclops عملاق أعور بعين واحدة، وكعادة الأساطير لما تتطور يُضاف لها حسب ثقافة المطوّر فأضاف له العرب (ركوب الحمار) بجذر أعتقد إنه مرتبط بحمار السيد المسيح في الهجرة لأورشاليم للتشبيه على الناس آخر الزمان.

ملاحم هوميروس كلها ذات طابع ديني تحوي صراعا يحدث بين الآلهة والبشر، وبين الآلهة وبعضهم في حرب رآها هوميروس دينية تحدث آخر الزمان، ولما انتقلت للرومان والعرب ظل نفس طابعها الديني بإضافات مسيحية وإسلامية بعد ذلك، وفي حوار مع زميل قلت: لا أعتقد أن قصص الدجال من تأليف العرب، فبدو الصحراء كانوا شعراء الحال، يعني يصف رأي العين والحس، ولو أضاف أشياء فبأصل من الواقع..حاجات شايفها بعينه لا يؤلف قصص من خياله لأنه ضعيف الخيال من أثر البيئة اللي عايش فيها..وهذا موضوع فلسفي أفرد له مساحة خاصة..

أضيف: ربما الإضافات التي حدثت لقصص الدجال من أثر الفرس لأنهم طوّروا حكايات ألف ليلة وليلة ذات الأصل الصيني والهندي قبل أن تنتقل للعرب، فالفارسيون والعراقيون والشوام والمصريون واليمنيون كانوا أصحاب حضارة ذلك الزمان، ومنشأ الأدب القصصي والملاحم تميزوا بها لأسباب تخص ثراء بيئتهم..وهو نفس الجانب الفلسفي اللي أثر على فقر خيال البدو..

نعود لهوميروس..اختلف عليه العلماء منهم من شكك في وجوده أو تاريخه، لكن الأقرب أنه عاش كما قال هيرودوت في القرن 9 ق.م وهذا أواخر العصر البرونزي في أوروبا، اتضح من نوعية المعادن اللي تخيلها في بناء الشخصيات..كالإله " تالوس" Talos الشهير في ملحمة الصوف الذهبي لجيسون وفرقة المغامرون، اللي تم تصوير الملحمة في فيلم أسطوري خلال حقبة الستينات بعنوان "جيسون والمغامرون" وترجم للعربية بعنوان "جيسون وآلهة الحرب".. بطولة النجم "تود أرمسترونج" Todd Armstrong

وبقدر شعبية هوميروس وأساطير اليونان في الغرب بقدر ما نجح الفيلم بتقنية عالية جدا وقتها ظلت من أحد عجائب السينما..

أما السيكالوبس فتم تصويره في فيلم "رحلة السندباد السابعة" عام 1958 ببطولة "كيروين ماثيوز" Kerwin Mathews وفيها مزيج بين كلام هوميروس وخيال فارسي بأسطورة السندباد، والأخيرة اشتهرت في العصر العباسي الأول المعروف إنه كان ذو طابع فارسي صِرف أثر على علماء الفقه والنحو والتاريخ والحديث المسلمين، وشخصية السندباد تم صياغتها في هذا العصر ونسب مكانها لبغداد مركز الخلافة.

حتى اسم السندباد نفسه فارسي أصله من "سنباذ" أحد قادة الثورات الخرمكية المجوسية ضد الخليفة العباسي "المنصور"، ويمكن اعتبار ثورات الخرمكية وأشهرها "بابك الخرمي" نقطة تحول في العلاقة بين العرب والفرس اللي بعدها نشأ فعليا عصر جديد هو (عصر الترك) اللي مهد للعصر العباسي الثاني وتم الانقلاب فيه على أشهر عقائد المجوس وهي (حرية الاختيار) وتم إقرار المذهب الجبري بدءا من هذا التاريخ..

نرجع للمسيخ الدجال، فهو كان مرتبط زي ما قلنا بملاحم آخر الزمان في الكتاب المقدس ثم عند رواة الأحاديث المسلمين..وقبلهم اخذ نفس الطابع عند هوميروس، لكن الفارق إن المسيحي الأول تخيله بقدرات محدودة غير إلهية، ووصل الأمر بتفسير ظهوره على شخصيات بعد ذلك معادية للمسيح كالإمبراطور الروماني (نيرون) ووصفوا بيه النبي محمد أيضا..زي البابا "أينوسنت الثالث" في القرن 13 م اللي وصف النبي محمد بإنه الدجال في الإنجيل بمعنى إنه "عدوّ المسيح"..والمفارقة إن هذا البابا كان من أشهر دعاة الحروب الصليبية على الشرق الأوسط..يعني ليست فقط مجرد حرب دينية..دي للتخلص من أتباع الدجال..

أما عند المسلمين تطور المفهوم وعاد بقدراته الإلهية اللي عند هوميروس بعد إحياء صورة السيكالوبس مرة أخرى، وأعتقد هذا التطور حدث بتأثير فارسي زي ما قلنا وصل للمسلمين برواة الأحاديث، أما القرآن فلم يتحدث عن هذه الشخصية أبدا رغم أهميتها ومحوريتها في قصص الملاحم، وهذا أثار شبهة عظيمة على تلك القصص دعت كثير من فقهاء العصر لإنكارها معتمدين على تضارب قصص الرواه الأوائل فيها..

وعن تضارب قصص الدجال، فالأحاديث تخيلته بثلاثة شخصيات، الأولى بن صياد اليهودي، والثانية : وحش الجسّاسة الشهير في حديث مسلم ، والثالثة: وحش السيكالوبس اليوناني بدون تسميته، والأخيرة هي الأشهر..ليس لأنها الأكثر رواية ولكن لأن الشيوخ رأوا ذكر ابن صياد والجساسة مش في مصلحتهم ويضع بذور الشك عند العامة..

كما تم توظيف قصة الدجال سياسيا، اتهم الأمويون الخوارج بأنهم من أتباع الدجال كما في حديث " سيخرج أناس من أمتي من قبل المشرق يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج منها قرن قطع، كلما خرج منها قرن قطع، حتى يخرج الدجال في بقيتهم"..انتهى...والحديث واضح يشير للخوارج بصفتهم يقرأون القرآن وفي المشرق بالنسبة لدمشق..أي العراق..وبدون تفصيل قدراته نسب المحدثون له قدرات إلهية كإحياء الموتى وإمطار الأرض ، ولأن تأثير الدجال فارسي قالوا أن أتباعه من "يهود أصبهان" في إيران وكأن مفيش يهود في العالم غير يهود أصبهان..

كما قالوا أن موطن الدجال في العراق نسبة لجيش الإمام علي، وفي أحاديث أخرى قالوا أن إبليس باض في العراق وفرخ فيها عبقريه، في إشارة إلى إن أهل العراق ولاد أبالسة وأتباع الدجال، والملاحظ إن هيمنة الجانب الأموي في قصص الملاحم واضحة للعيان لكن لم يتجرأ واحد من القدماء على إنكارها خصوصا بعد معارك العلويين والعباسيين في القرن الثاني اللي انتصر فيها الخليفة جعفر المنصور وأعاد إحياء الثقافة الأموية من جديد.,.

هذا الكلام صعب على الشيوخ، ليس لأنه معارض لهم ولكن لأنه يهدم أسطورة عاشوا من أجلها سنوات ويدعون بها في السجود "اللهم اجعلني من أنصار المسيح يوم الدجال".."اللهم إني أعوذ بك من فتنة الدجال" لكن لا الدين ولا العقل ولا الواقع يصدق هذا الكلام، فهم مطالبين إما بإنكارها وبالتالي الشك في أصحابها وما حملوه من علم، وإما تصديقها والعيش في وهم، بينما أصعب شئ على الإنسان أن يعيش في وهم..وهو يعلم تماما أنه موهوم..

اجمالي القراءات 2602

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2012-09-25
مقالات منشورة : 788
اجمالي القراءات : 5,223,204
تعليقات له : 102
تعليقات عليه : 411
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt