(علم الله ) جل وعلا وأسلوب المشاكلة

آحمد صبحي منصور في الثلاثاء 24 ابريل 2018


 (علم الله ) جل وعلا وأسلوب المشاكلة :

 مقدمة  

1 ـ بعضهم يدخل على القرآن الكريم بجُرأة وجهل فيكتب منكرا من القول وزورا. منهم من زعم أن الله جل وعلا لا يعلم المستقبل مستشهدا بقوله جل وعلا:( وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) آل عمران ) وأمثالها .

2 ـ ولقد كتبنا كثيرا فى منهجية التدبر القرآنى نظريا وتطبيقيا. ونكتب هذا المقال للتوضيح . والله جل وعلا هو المستعان .

أولا :

علم الله جل وعلا المحيط بكل شىء :

1 ـ أنه جل وعلا قد أحاط بكل شىء علما ، قال جل وعلا : ( أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54) فصلت ) .

2  ـ وهذه الإحاطة مرتبطة بهيمنته جل وعلا على السماوات السبع والأرضين السبع ، قال جل وعلا : (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (12) الطلاق )، ومرتبطة أيضا بملكيته كل شىء فى السماوات والأرض ، قال جل وعلا : ( وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِوَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً (126) النساء ).

3 ـ ومنها إحاطته علما بالكافرين فى كل زمان ومكان ، قال جل وعلا : (بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (20) البروج   )( وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) البقرة). كان هذا هو الحال مع الكافرين من قوم شعيب ، وقد قال لهم : ( إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) هود ) ، وهو نفس الحال مع قريش ، قال جل وعلا :( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47) الانفال ). وقال جل وعلا عن المنافقين : ( إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120) آل عمران )، وبعض الصحابة إرتكب إثما مستخفيا من الناس ، لا يعلم أن الله جل وعلا محيط بما يعمل ، قال جل وعلا عنهم : (  يَسْتَخْفُونَ مِنْ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنْ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنْ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (108) النساء )

4 ـ وهذا العلم الالهى المحيط بكل شىء لا يغيب عنه شىء:

4 / 1 : يحيط بخطرات القلوب وخفاياها لأن كل شىء مكتوب ، قال جل وعلا :( وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (74) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (75) النمل )،

4 / 2 :  وحتى مثقال ذرة وما هو أصغر منها ، فهو جل وعلا على كل شىء شهيد ، قال جل وعلا : (  وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61) يونس ) ، وقال جل وعلا :(عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِوَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3) سبأ )

5 ـ وهذا العلم الالهى المحيط بكل شىء يصاحب كل شىء ، أى هو ( مع ) كل شىء ، وهو مرتبط بتحكمه جل وعلا فى عرشه ، أى ملكوته ، فهو جل وعلا معنا بعلمه أينما كُنّا ، قال جل وعلا : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4) الحديد ).

6 ـ وإذا كنا لا نعلم الغيب الذى يغيب عن حواسّنا ، وإذا كان علمنا يقتصر على ما نشاهده فقط فإن الله جل وعلا هو وحده الذى يعلم الغيب والشهادة،تكرر هذا فى القرآن الكريم :.

6 / 1 : ضمن أسمائه الحسنى ، قال جل وعلا : ( هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) الحشر ) ( عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) التغابن ) ( عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (92) المؤمنون ).

6 / 2 :  وفى تفاصيل علمه جل وعلا بالغيب والشهادة يقول جل وعلا : ( اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10) الرعد ).

6 / 3 :وهذا العلم بالغيب والشهادة مرتبط أيضا بخلق السماوات والأرض ، قال جل وعلا : ( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73) الانعام ) ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (4) يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) السجدة ).

6 / 4 :  والى عالم الغيب والشهاد سيكون مرجعنا يوم القيامة حيث سينبئنا بأعمالنا ، قال جل وعلا : ( قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (8) الجمعة ) ، وقال جل وعلا عن المنافقين : ( وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105) التوبة )( يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (94) التوبة ).

6 / 5 : وهذا أيضا مرتبط بكونه جل وعلا خالق السماوات والأرض ، لذا فهو وحده الذى سيحكم بين الناس فيما هم فيه مختلفون ، قال جل وعلا :( قُلْ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46) الزمر)

7 ـ ومن واقع إحاطته بكل شىء :

7 / 1 : أنبأ مقدما بإستحالة إيمان الكافرين المصممين على كفرهم ، ولا فائدة من إسماعهم الحق لأنهم صُمُّ بُكم ، قال جل وعلا :  ( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) الانفال ).

7 / 2 : ويوم القيامة وهم على شفا دخول النار سيتمنون الرجوع الى الدنيا ليؤمنوا ، والله جل وعلا بعلمه المحيط يؤكّد إنهم لو عادوا للدنيا فسيكفرون ، قال جل وعلا : ( وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) الانعام).

7 / 3 : وبهذا العلم المحيط أخبر الله جل وعلا النبى صالح أن قومه ثمود لن يؤمنوا إذا جاءت له آية خلق الناقة من الصخر . قال جل وعلا للنبى صالح : ( سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنْ الْكَذَّابُ الأَشِرُ (26) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (27) القمر ). وفعلا عقروا الناقة .

7 / 4 : وبهذا العلم المحيط أخبر جل وعلا عن حال المنافقين فى موقعة الأحزاب : إنهم سيسارعون بالردة عن الاسلام لو إقتحم الأحزاب المدينة ، قال جل وعلا : ( وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيراً (14) الاحزاب )، وأنه لو عادت جيوش الأحزاب سيودّون لو انهم بدو يعيشون فى الصحراء،قال جل وعلا  ( يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلاً (20) الاحزاب).

7 / 5 : يدخل فى هذا الإخبار بالغيبيات ، ومنه الكثير فى الآيات القرآنية : ( الأنعام 65 : 67 ، 148 ) ( الروم 2 : 5 ) ( البقرة 142 ) ( الاسراء  51 )( يونس 31 )( المؤمنون 85 : 89 )( الاحقاف 11 ) ( الفتح 11 ، 15 )

ثانيا :

اسلوب المشاكلة

1 ـ إذا كان علمه جل وعلا محيطا بكل شىء ، فلماذا يقول جل وعلا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ )(94 ) المائدة ) فهل يعنى هذا أن الله جل وعلا يختبر ويبتلى الناس كى يعلم شيئا لا يعلمه ؟

الجواب : هذا هو اسلوب المشاكلة .

2 ـ ويأتى أسلوب المشاكلة فى موضوعات تخص تعامل رب العزة مع البشر ، بأن يخاطبهم بما يدركون ، كأن يقول جل وعلا عن الكافرين : ( إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (15) وَأَكِيدُ كَيْداً (16) الطارق ). هنا وصف رده عليهم بنفس الاسلوب ، وهو الكيد . هذا لأن أفعال الله جل وعلا وصفاته لا يستطيع البشر إدراكها ، لذا يأتى التعبير عنها بما ( يُشاكل ) فهم البشر ، أو ب ( الشكل ) الذى يفهمون ويدركون .

3 ـ وأبرز مثل لهذا تعبير ( المكر ) فهم يمكرون والله جل وعلا يصف عقابه لهم بالمكر بهم ، قال جل وعلا : ( وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54) آل عمران ) ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) الانفال )( وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (50) فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) النمل )

ثالثا :

اسلوب المشاكلة فى موضوع علم الله جل وعلا

1 ـ يأتى اسلوب المشاكلة فى موضوع علم الله جل وعلا فيما يخص الابتلاء والاختبار والفتنة . فالبشر فى حياتهم الدنيا يتعرضون لها ، قال جل وعلا : ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35) الانبياء )( وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً (20) الفرقان )،

2 ـ وفى هذا الابتلاء منهم من ينجح فيه ومنهم من يفشل .وحسب فهمهم يخبرهم رب العزة بأنه يفعل هذا ليعلم الفائز والخاسر. والقصد أن يعلموا هم من الفائز ومن الخاسر. وهذا الاسلوب المفهوم البشر هو الأقوى فى مجال الوعظ .

3 ـ ويأتى موضوع الابتلاء صريحا:

3 / 1 : فى قوله جل وعلا : (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (11)  العنكبوت ). فالايمان ليس كلمة تُقال أو شعارا يُرفع ، كما يفعل المتاجرون بالدين ،وأولئك سرعان ما يفشلون فى فتنة الابتلاء . وبهذا يكونون الأعلم بأنفسهم . وفى هذا السياق يقول جل وعلا :

(وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) العنكبوت )

3 / 2 : وفى إختبار التشريع الذى نزل بتحريم قتل الصيد فى الحرم قال جل وعلا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94 ) المائدة ). كانت الغزلان تأتى لهم فى الحرم إختبارا لهم . ويمكن لأحدهم أن يصيدها . ولكن الذى يخشى الله جل وعلا بالغيب لا يفعل ذلك .  

4 ـ ويأتى الابتلاء فى موضوع القتال الدفاعى ، وفى فرض القتال الدفاعى قال جل وعلا : ( ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ )(4) محمد ).

5 ـ ويأتى ضمنا فى موضوع القتال :  

5 / 1 : فالله جل وعلا أرسل الرسل وأنزل معهم الكتاب ليقوم الناس بالقسط والعدل ، وأنزل أيضا الحديد ذا البأس الشديد إن لم يتبع الناس الكتاب الالهى ويقيموا العدل ، وفى هذا يقول جل وعلا : ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25) الحديد ). هنا يعلم الناس من يقوم مناصرا للحق أو مناصرا للظلم .

5 / 2 : فى إبتلاء هزيمة المؤمنين فى موقعة (أُحُد ) قال جل وعلا : (وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) آل عمران  ). الله جل وعلا احاط بهم علما ، وأن منهم من يريد فى قلبه الدنيا ومنهم من يريد فى قلبه الآخرة . وقال جل وعلا يخاطب الصحابة : (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) آل عمران ) . إذن هو خطاب للمؤمنين كى يعلم كل منهم موقفه . وفى هذا إبتلاء وتمحيص لقلوبهم ، قال جل وعلا بعدها : ( وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) آل عمران ) . كان إختبارا قاسيا ، ظهر منهم من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة ، وبهذا كان العلم الالهى بالمؤمنين حقا ، وبهذا الاسلوب يضعهم فى مواجهة مع النفس ، وهو اسلوب رائع فى الوعظ . وبنفس اسلوب الوعظ  قال جل وعلا بعدها عمّن يستحق الجنة : ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) آل عمران ). وفى نفس السياق يقول جل وعلا : ( وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) آل عمران ) ويقول جل وعلا بعدها عن علمه بقلوب المنافقين : ( وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) آل عمران )

6 ـ وفى إختبار تغيير القبلة قال جل وعلا : ( وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ  )  (143) البقرة)

7 ـ وقال جل وعلا عن إختبار أهل سبأ : (  وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21)  سبأ )

8 ـ وفى إختبار أهل الكهف قال جل وعلا عنهم : (  ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً (12 ) الكهف )

أخيرا :

هذا التعبير يأتى مرتبطا بإحاطته جل وعلا بكل شىء ، قال جل وعلا : ( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (27) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً (28) الجن ) .

اجمالي القراءات 816

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (2)
1   تعليق بواسطة   سعيد علي     في   الأربعاء 25 ابريل 2018
[88491]

سبحانه المحيط بكل شئ


( الإعراض عنهم )  هو أسلم الحلول ، هذا الأمر الراقي من الحق جل و علا بالإعراض عنهم هو أسلم الحلول و هو الأسلوب الأمثل في التعامل مع المتشككين و الكافرين و المكذبين هو أسلوب يحترم الآخر و يبقي حبل الود موصولا - الأخوة البشرية - و كان الأسلوب الراقي الذي استعمله النبي محمد عليه السلام هو ( البلاغ ) أي تبليغ القران بالكيفية التي نزل بها و بنطق الآيات كيف ما نزلت و لأن الإنسان أكثر شئ جدلا فالإعراض عنهم هو الحل الثاني - الخطة ب - .



و الملاحظ انه عليه السلام عندما يحاور فهو يحاور ( جمع من الناس ) و هو ( وحيد ) متمسك بالقران الكريم لذا تكرر قول الحق جل و علا بـالاعراض ( عنهم ) في 5 حالات كلها تصف له الأسلوب الأمثل في التعامل مع هؤلاء المنافقين و السماعون للكذب الأكالون للسحت و الذين يخوضون في آياته جل و علا ( و مازالوا و في كل زمان و مكان ) .



الإعراض عنهم هو الحل الأنجع و الله جل و علا هو الحكم يوم الدين يقول جل و علا موجها للنبي عليه السلام بأن يعرض عن من يخوض في آياته  : ( واذا رايت الذين يخوضون في اياتنا فاعرض عنهم ) و كما قال الدكتور أحمد حفظه الله فإن الكثيرون يدخلون على القران بجرأة و جهل هذا و هم يدركون عظمة القران و عظمة الخالق جل و علا و الأمر أكثر صعوبة و رعونة مع الذين لا يؤمنون أصلا بالقران الكريم .



و دائما صدق الله العظيم القائل : فاعرض عنهم وانتظر انهم منتظرون ) .



2   تعليق بواسطة   آحمد صبحي منصور     في   الأربعاء 25 ابريل 2018
[88493]

شكرا استاذ سعيد على ، وأقول : ما قدروا الله جل وعلا حق قدره


لا يعلم الانسان الغيب .

والغيب هو ما تدركه الحواس . والانسان مُحاط بمخلوقات غيبية عنه لا يراها من الجن والملائكة والشياطين . منها ملائكة تسجيل الأعمال التى تتخلله وتسجل عليه خطرات قلبه وحركاته وكلماته . ثم هو لا يعرف غيب المستقبل بالنسبة له ، وهو الموت الذى يسير نحوه بسرعة 60 ثانية فى الدقيقة . يصحو الانسان من غفلته عند حلول أجل الموت ، فيعرف بعد فوات الأوان أن الله جل وعلا كان محيطا به ، وأنه أضاع حياته عبثا ، يقدس مخلوقات وأحجارا وإفكا ولهوا. يصرخ يطلب فرصة إخرى ، لكن لا فائدة .

نرجو أن ننجو من هذا المصير . نرجو أن نكون ممن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فيكون من الفائزين .

اللهم إستجب يا أرحم الراحمين .!

أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 3483
اجمالي القراءات : 27,827,678
تعليقات له : 3,979
تعليقات عليه : 12,089
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي