مجلس النواب الإسباني يفتح باب الجنسية أمام الصحراويين… خطوة تشريعية بأبعاد سياسية؟
صادق مجلس النواب الإسباني الخميس على مشروع قانون يفتح الباب أمام منح الجنسية الإسبانية لصحراويين وُلدوا بالصحراء الغربية قبل الـ29 من سبتمبر/ أيلول 1977، في خطوة وصفت بأنها تاريخية. هذا القرار يعيد إلى الواجهة إرث إسبانيا الاستعماري في الإقليم، ويثير في الوقت نفسه أسئلة سياسية بشأن تداعياته على علاقاتها مع المغرب؟.في جلسة وصفها عدد من النواب بأنها "تاريخية"، صادق مجلس النواب الإسباني الخميس 10 سبتمبر/أيلول على مشروع قانون يفتح الطريق أمام منح الجنسية الإسبانية للصحراويين الذين وُلدوا في الصحراء الغربية قبل 29 سبتمبر/أيلول 1977، وكذلك أمام أبنائهم المباشرين وفق شروط محددة.
وكانت فترة الإدارة الإسبانية قد بدأت عام 1884 وانتهت بانسحاب إسبانيا من الإقليم عام 1975، على أن يعتمد مشروع القانون 29 سبتمبر/أيلول 1977 تاريخا مرجعيا للاستفادة من آلية الحصول على الجنسية.
وحصل النص، الذي تقدم به حزب "سومار" وكانت النائبة من أصول صحراوية تيش سيدي أبرز المدافعين عنه، على 168 صوتا مؤيدا، مقابل 31 صوتا معارضا و145 امتناعا عن التصويت. وصوت الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني «PSOE» وشريكه في الحكومة "سومار" ومعظم القوى الحليفة للحكومة لصالح النص، بينما امتنع الحزب الشعبي «PP» وحزب "خونتس"، وصوت "فوكس" اليميني المتطرف ضده.
لكن تصويت الخميس لا يعني أن القانون دخل حيز التنفيذ. فالنص يحال الآن على مجلس الشيوخ لاستكمال المسار التشريعي. وإذا صودق عليه نهائيا ونشر في الجريدة الرسمية الإسبانية، يدخل حيز التنفيذ بعد أربعة أشهر. أما طلبات الجنسية عبر "التجنيس بمرسوم خاص" أو «Carta de naturaleza»، فستكون متاحة لمدة ثلاث سنوات من دخول القانون حيز التنفيذ، مع إمكانية تمديدها عاما إضافيا.
فحوى مشروع القانون
ينص المشروع على اعتبار وجود "ظروف استثنائية" تبرر منح الجنسية الإسبانية عبر آلية «Carta de naturaleza» للصحراويين المولودين في الصحراء الغربية قبل 29 سبتمبر/أيلول 1977، حتى في حال عدم إقامتهم القانونية في إسبانيا.
ولا يشترط النص وثيقة واحدة بعينها لإثبات هذه الصلة. ويمكن الاستناد، بحسب الحالة، إلى بطاقة هوية إسبانية، حتى لو كانت منتهية الصلاحية، أو شهادة ميلاد، أو دفتر عائلة، أو وثائق تثبت العمل لدى الإدارة الإسبانية في الصحراء. كما يسمح النص باستخدام وثائق أخرى بصورة تكميلية، مثل شهادات الدراسة، ووثائق التقاعد، ورخصة القيادة الإسبانية، وشهادات الاستشفاء أو العلاج، متى أثبتت أن صاحبها وُلد في الصحراء قبل التاريخ المذكور أعلاه.
ويمنح المشروع أبناء المستفيدين المباشرين من الدرجة الأولى مهلة خمس سنوات، اعتبارا من تسجيل جنسية أحد والديهم في السجل المدني، للتقدم بدورهم للحصول على الجنسية الإسبانية.
كما يعدل النص القانون المدني الإسباني لخفض مدة الإقامة القانونية المطلوبة للصحراويين المعنيين، للحصول على الجنسية من المسار العادي البالغ عشر سنوات إلى سنتين، بما يضعهم في هذه النقطة ضمن الفئات التي تستفيد أصلا من مدة إقامة مخفضة، مثل مواطني دول أمريكا اللاتينية والفلبين، وغينيا الاستوائية، والبرتغال، وأندورا.
أما عدد المستفيدين المحتملين من مشروع قانون التجنيس، فلا يوجد رقم نهائي رسمي واحد. التقديرات المتداولة بالنسبة إلى الصحراويين المولودين في ظل الإدارة الإسبانية، تتراوح بين نحو 70 ألفا و110 آلاف شخص، فيما يمكن أن يتسع نطاق المستفيدين عند احتساب الأبناء المباشرين.
بين "استعادة" الجنسية و"منحها"
بالنسبة إلى مؤيدي المشروع، لا يتعلق الأمر بمنح امتياز جديد بقدر ما يمثل نوعا من جبر الضرر التاريخي واستعادة حق ارتبط بالوضع القانوني للإقليم خلال الفترة الإسبانية.
في هذا السياق، قالت النائبة تيش سيدي، التي وصلت إلى إسبانيا عام 2002 وهي في الثامنة من عمرها أتية من مخيمات تندوف، إن المشروع يعيد بطاقة الهوية الإسبانية إلى صحراويين كانوا يحملونها أو كان لهم ارتباط قانوني بالإدارة الإسبانية.
ويرى مؤيدو القانون أن الصحراويين وجدوا أنفسهم في وضع قانوني شديد التعقيد بعد انسحاب إسبانيا من الصحراء في سبعينيات القرن الماضي، وأن التشريع الجديد يهدف إلى معالجة جانب من هذا التاريخ.
الدكتور بشير محمد لحسن، الباحث في الإعلام بجامعة إشبيلية، يرى أن قرار البرلمان الإسباني، من وجهة النظر الصحراوية وكذا من وجهة نظر الأحزاب التي دعمته، يمثل "خطوة أولى في اتجاه الإنصاف التاريخي" للصحراويين من جانب إسبانيا.
ويضيف أن هذه الخطوة تبدأ، في نظر مؤيدي القانون، بـ"الاعتراف القانوني بالهوية القانونية للصحراويين" و"محاولة تصحيح ما يعتبرونه خطأ تاريخيا ارتكبته إسبانيا"، من خلال إعادة الجنسية الإسبانية إلى من تنطبق عليهم شروط القانون.
ويضيف المتحدث أن الصحراويين يأملون أن تتبع هذه الخطوة إجراءات سياسية "أكثر جرأة"، ولا سيما ما يتعلق باتفاقية مدريد الثلاثية "التي وقعتها إسبانيا عام 1975 ومهدت لتقسيم الصحراء الغربية بين المغرب وموريتانيا".
من جهة أخرى، يؤكد لحسن أن هناك معطى سياسيا آخر لا ينبغي إغفاله، وهو موقف الحزب الاشتراكي الإسباني. إذ يقول إن الحزب، الذي يصفه بأنه "الأكثر تأييدا للمغرب داخل إسبانيا"، كان قد عارض هذا القانون عندما طرح للمرة الأولى عام 2021، قبل أن تتغير المعطيات السياسية داخل الحزب وفي البرلمان".
في المقابل، لا ينظر جميع الفاعلين السياسيين إلى الخطوة بالطريقة نفسها. فالحزب الشعبي امتنع عن التصويت، مع تأكيده أنه يؤيد تسهيل حصول الصحراويين على الجنسية، لكن عبر مسار الإقامة وليس الصيغة الاستثنائية التي يعتمدها المشروع. أما "فوكس" فرفض النص، معتبرا أن الجنسية الإسبانية لا ينبغي أن تمنح من دون ضمانات وضوابط كافية.
دلالات توقيت التصويت
تكتسب الخطوة أهمية سياسية تتجاوز ملف الجنسية، لأنها تأتي في وقت حساس للغاية للعلاقات بين إسبانيا والمغرب.
فمن جهة، أعادت مدريد في عام 2022 توجيه سياستها تجاه قضية الصحراء الغربية، عندما أعلن رئيس الحكومة بيدرو سانشيز دعم مقترح الحكم الذاتي المغربي الذي يقضي بمنح سكان الإقليم حكم ذاتيا تحت سيادة المغرب، واصفا إياه بأنه "جاد وواقعي وذي مصداقية". وكان هذا التحول قد ساهم في تخفيف أزمة دبلوماسية حادة بين البلدين.
ومن جهة أخرى، يأتي التصويت بعد أزمة الهجرة الكبيرة في سبتة خلال أواخر يوليو/تموز، عندما عبر أكثر من 70 ألف شخص من الأراضي المغربية نحو المدينة الخاضعة للإدارة الإسبانية. وقد أدى ذلك إلى تصاعد التوتر السياسي داخل إسبانيا بشأن علاقتها مع الرباط.
وفي هذا السياق، لم تخفِ أوساط سياسية إسبانية حساسية توقيت القانون، فيما أكدت الحكومة والحزب الاشتراكي أن البرلمان الإسباني يتخذ قراراته بشكل مستقل.
عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية المغربي سعيد البقالي يوضح أن "التصويت داخل مجلس النواب الإسباني لا يعني أن الجنسية أصبحت ممنوحة بالفعل، ولا أن المسار التشريعي اكتمل. فتقدم النص في هذا المسار لا يضمن وصوله إلى نهايته، ولا يضمن بقاء مقتضياته على حالها. لذلك، فإن تقديم ما جرى باعتباره أمرا محسوما أو انتصارا تاريخيا يسبق النتائج الفعلية".البقالي أوضح في هذا السياق أنه "لا يمكن اختزال هذه المبادرة في معالجة إدارية أو قانونية محايدة". فقد تكون بحسبه "لبعض المعنيين مطالب فردية مرتبطة بوثائق أصدرتها الإدارة الاستعمارية أو بأوضاع عائلية وقانونية معقدة، وهذه مسائل يمكن مناقشتها حقوقيا. لكن توظيفها في نزاع الصحراء، وتحويلها إلى مكسب دعائي للبوليساريو، يمنحها بالضرورة حمولة سياسية".
وهنا تبرز بحسب المتحدث "مفارقة تستحق المساءلة، كيف يمكن لتيار يقدم نفسه باعتباره حركة تحرر من الاستعمار أن يحتفي بالحصول على جنسية القوة الاستعمارية السابقة وكأنه حقق الاستقلال؟ وكيف يصبح الارتباط القانوني بالمستعمر الإسباني عنوانا لانتصار يرفع شعار بناء دولة مستقلة؟".
ماذا عن موقف المغرب؟
حتى الآن، لم يصدر عن السلطات المغربية موقف رسمي مباشر بشأن مشروع قانون الجنسية نفسه. لكن وسائل إعلام إسبانية، مثل "إل باييس" أشارت إلى أن الإعلام "المقرب من الحكومة المغربية، يبدي تحفظا إزاء تشريع قد يُنظر إليه على أنه يعترف بهوية صحراوية منفصلة عن الإطار المغربي".
في المقابل، وارتباطا بكل هذه التطورات المتسارعة والملفات المتداخلة، أصدرت وزارة الخارجية المغربية الخميس بيانا رسميا بشأن أزمة سبتة، نفت فيه أي تورط مغربي في موجة العبور الجماعي، وانتقدت ما اعتبرته اتهامات خاطئة صادرة عن أطراف سياسية إسبانية. كما شددت الرباط على أهمية التعاون القائم مع مدريد في مجالات الأمن والهجرة والاقتصاد منذ التحول الإسباني عام 2022 بشأن الصحراء. لكن البيان لم يشر بتاتا إلى مشروع قانون الجنسية الصحراوية نفسه.
من جانبه، يتوقع بشير محمد لحسن ألا تحظى الخطوة بترحيب مغربي، خصوصا في ظل التوترات الأخيرة بين البلدين، وأزمة الهجرة في سبتة، وارتفاع حدة الخطاب المغربي بشأن المدينتين.
ويشير إلى أن تصريحات مسؤولين مغاربة حول السيادة على سبتة ومليلية "زادت من حساسية الظرف"، رغم تأكيد رئيس الحكومة الإسبانية ووزير خارجيته أن الجانب المغربي أوضح أن بعض هذه التصريحات تندرج في سياق حملة الانتخابات التشريعية المقررة في 23 سبتبمر/ أيلول المقبل، ولا تعكس، بحسب ما نقلته مدريد، موقف الحكومة المغربية الرسمي.
ومع ذلك، لا يتوقع لحسن أن تقدم الرباط على اعتراض رسمي على القانون. ويستند في ذلك إلى أن الخارجية المغربية، في أول بيان لها بشأن التطورات الأخيرة، ركزت على أزمة سبتة والهجرة والعلاقات بين البلدين، من دون التطرق إلى مشروع قانون الجنسية.
ويخلص لحسن إلى أن "المغرب قد يفضل عدم تحويل هذا الملف إلى أزمة دبلوماسية مباشرة، خصوصا أن الأمر يتعلق بقرار صادر عن البرلمان الإسباني في إطار ما تعتبره مدريد شأنا سياديا داخليا".
قضية إدارية أم ملف سياسي؟
بالنسبة إلى الصحراويين المؤيدين للمشروع، فإن المسألة تتعلق أولا بحقوق فردية، مثل الحصول على جواز سفر، وحرية التنقل، وإمكانية الدراسة والعمل في إسبانيا والاتحاد الأوروبي، فضلا عن تسوية وضع قانوني ظل غامضا بالنسبة لأجيال.
أما سياسيا، فإن مشروع القانون يعيد إلى الواجهة مسؤولية إسبانيا التاريخية تجاه إقليم كان تحت إدارتها، في وقت تتبنى فيه مدريد في الوقت نفسه موقفا مؤيدا لمقترح الحكم الذاتي المغربي.
الباحث الجامعي بشير محمد لحسن يعتبر أن ضعف الحكومة والحزب الاشتراكي، في ظل الضغوط السياسية والقضائية التي تواجهها القيادة الاشتراكية، "جعل هامش المناورة أمامه أضيق، ودفعه إلى قبول موقف حلفائه في الائتلاف الحكومي، ولا سيما حزب سومار".
ويضيف أن الحسابات الانتخابية لعبت أيضا دورا في هذا التحول، إذ وجد الحزب الاشتراكي، بحسب تقديره، مصلحة سياسية وانتخابية في دعم القانون، حتى مع احتمال أن يثير ذلك استياء المغرب.
تكمن المفارقة الأساسية اليوم، في كون إسبانيا تحاول، من جهة، الحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع المغرب، ومن جهة أخرى، تتخذ خطوة تشريعية تهدف إلى الاعتراف بروابط قانونية وتاريخية بين الدولة الإسبانية وقطاع من السكان الصحراويين.
لذلك لا يتعلق التصويت بمجرد تعديل تقني في قانون الجنسية، بل يضع أمام مدريد مرة أخرى سؤالا أكثر حساسية، يتمثل في كيفية التعامل مع إرثها الاستعماري في الصحراء الغربية، من دون أن يتحول ذلك إلى مصدر جديد للتوتر مع المغرب.
المحلل السياسي سعيد البقالي يرى توقيت هذه الخطوة، في سياق التوتر المرتبط بأحداث سبتة، "يفتح المجال لتأويلات سياسية، لكنه لا يكفي وحده للجزم بوجود قرار إسباني لمعاقبة المغرب أو التراجع عن التقارب الذي بدأ سنة 2022." ولذلك يحث على ضرورة "التمييز بين مواقف القوى البرلمانية وحساباتها الداخلية، وبين التوجه الرسمي للدولة الإسبانية والتزاماتها تجاه المغرب".
اجمالي القراءات
17