محطة الرياح المصرية: تفريط بمشروع ضخم تحت ضغط الديون

اضيف الخبر في يوم الأحد ١٥ - فبراير - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: العربى الجديد


محطة الرياح المصرية: تفريط بمشروع ضخم تحت ضغط الديون

توشك الحكومة المصرية على إتمام صفقة بيع أكبر محطة رياح في البلاد، أقيمت بمنطقة جبل الزيت على ساحل البحر الأحمر، بقدرة 580 ميغاواطاً، خلال الأيام المقبلة، إلى شركة "ألكازار" للطاقة الإماراتية مقابل 420 مليون دولار. تبدو الصفقة، على السطح، جزءاً من برنامج الطروحات الحكومي، بينما تعكس تهافت الحكومة على السيولة النقدية بالدولار، لسداد أقساط وفوائد ديون عامة فاقت 165 مليار دولار بنهاية عام 2025، وأصبح قطاع الكهرباء من أكثر الجهات المثقلة بالديون التي تجاوزت 400 مليار جنيه محلياً، ونحو 32 مليار دولار، فاقت قدرته على السداد.

في دولة تواجه ضغط دين عام يتضخم، وأزمة غاز تخنق القدرة على تشغيل المصانع ومحطات الكهرباء، ودولاراً لا يكفي، لم تعد الحكومة تبيع حصصاً من الشركات لتحسين الكفاءة أو جذب القطاع الخاص، بل باتت تبيع أصولاً استراتيجية لتأمين سيولة تغطي خدمة الديون، في سباق مالي لا يتوقف، مع توقع زيادة وتيرته مع التعديل الوزاري الجديد، مع بداية العام المالي 2026-2027 في يوليو المقبل.

مشاريع تزيد الديون
بحسب تقديرات رسمية وبرلمانية، بلغت ديون قطاع الكهرباء الشاملة أكثر من 600 مليار جنيه، معظمها ناتج عن طفرة بناء محطات كهرباء تعمل بالغاز منذ 2015، ضمن مشروعات كلفت الدولة نحو 70 مليار دولار، مولتها الحكومة عبر قروض خارجية وضمانات سيادية. تتحول تلك المحطات، التي بنتها "سيمنز" الألمانية و"جنرال إلكتريك" الأميركية الآن إلى عبء مزدوج، نتج عنه ديون ضخمة يجب سدادها بالدولار، وتكلفة تشغيل متزايدة مع تراجع إنتاج الغاز المحلي.

وفي ظلّ تراجع الإمدادات خلال 2023 و2024 بنسبة تفوق 30% مع توقف بعض الآبار عن العمل، اضطرت الحكومة للتوسع في تشغيل المحطات بالمازوت واستيراد الغاز المُسال، بما زاد فاتورة التشغيل وضغط على الاحتياطي النقدي. تحول قطاع الكهرباء إلى مصدر للديون وليس للطاقة، بما دفع الحكومة إلى البحث عن مشترٍ لديه القدرة على الدفع السريع للنقد الأجنبي لمحطات توليد الكهرباء من الرياح والشمس التي بنتها بقروض منذ عام 2015.

رغم أن الصفقة تُقدر بـ 420 مليون دولار، فإنّ الديون القائمة عليها، البالغة 300 مليون دولار، ستظل مصر تسدّدها لمدة 30 عاماً، لتظهر المفارقة بأن المحطة التي بدأ العمل بها منذ 10 سنوات والمُنتجة تُباع لمستثمر أجنبي، بهامش فائض 120 مليون دولار فقط، بينما تبقى ديونها على عاتق مصر، وتشتري الدولة الكهرباء منها بالدولار لعقود.

يشير الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب إلى أن صفقة "جبل الزيت" تكشف بجلاء أن الحكومة أمام ثلاث أزمات متشابكة: ديون كهرباء ضخمة خلّفت التزامات ثقيلة بالعملة الصعبة، وعجز دولار يدفع الدولة لبيع الأصول بدلاً من تطويرها، ودين عام يلتهم أكثر من نصف الموازنة، وفي قلب هذا المشهد، تقف الطاقة المتجدّدة، التي كان يفترض أن تكون طوق النجاة، لتتحول إلى أصل يُباع لتسديد فائدة دين، لا لتأمين مستقبل كهربائي مستدام. يؤكد عبد المطلب لـ"العربي الجديد" أن بيع "جبل الزيت" ليس سوى بداية لموجة أوسع من التخارج تحت ضغط الدين.

استبعاد القطاع الخاص
يقول الخبير ورئيس مجلس إدارة "أونيرا" للطاقة المتجدّدة وائل النشرتي إنّ بيع الحكومة لـ"جبل الزيت" يأتي في إطار حرصها على الإدارة المركزية لمشروعات الطاقة الجديدة الكبيرة المنتجة للكهرباء من الرياح والشمس، بخاصة مع توقيعها عقد البيع للمحطة ثم شراء الكهرباء لنفسها، دون أن تسمح للقطاع الخاص بحرية الإنتاج والبيع للمستهلك مباشرة.

ويشير في محادثة مع "العربي الجديد" إلى أنّ الحكومة كان يمكنها أن توفر الأموال التي اقترضتها لإقامة هذا المشروع الممول من هيئة المعونة اليابانية "الجايكا" بقرض قيمته 300 مليون دولار، عدا ما تحملته من تكاليف البناء والتشغيل لسنوات، بأن تسمح للقطاع الخاص ببناء محطات طاقة شمسية ورياح صغيرة متناثرة في أنحاء البلاد، على نفقته الخاصة لإنتاج كميات أكبر من الكهرباء، دون أن تضطر لدفع قيمة الفواتير بالدولار للأجانب أو المساهمة في أي تكلفة تذكر.ويؤكد النشرتي أن تعطيل الحكومة لقانون استخدامات الطاقة المتجدّدة منذ صدوره عام 2014، وراء تراجع دخول القطاع الخاص في إنتاج الطاقة المتجدّدة، إذ كان يمكن أن توفر للبلاد ثلث احتياجاتها من الكهرباء، دون حاجة لاستيراد المزيد من الغاز والنفط حالياً، وبدون أن تصدر الدولة ضمانات لتمويل محطات توليد بالدولار وغير مُلزمة بشراء منتج يحتاجه المستهلكون، في الوقت نفسه، ستربح وزارة الكهرباء والدولة عوائد الضرائب ورسوم عبور الكهرباء بين المنتج والمستهلك بالشبكة القومية الموحدة.

ويبين أن التخوفات الحكومية من انتشار محطات خاصة صغيرة لتوليد الطاقة الجديدة، أصبح أمراً غير مبرر في ظل حاجة المنازل والمصانع والمزارع لمحطات تعمل في حدود 10 كيلوواطات إلى 20 ألف كيلوواط، بدون أي ارتباط بشبكة الكهرباء الحكومية، وفي الوقت نفسه يمكن بناء محطات كبيرة تعمل في حدود 50 ميغاواطاً إلى 1000 ميجاواط، لتشغيل مشروعات بعيدة عن شبكة الكهرباء الحكومية. يشدد الخبير على عدم حاجة الدولة للتدخل في تمويل وبناء مشروعات طاقة لتعيد بيعها محققة خسائر اقتصادية، بينما المستفيد المستثمر الأجنبي، دون السماح للمستثمر المحلي بالمميزات نفسها التي يتمتع بها الأجانب.

خيارات أخرى
يؤكد الخبير الاقتصادي ومستشار وزارة قطاع الأعمال السابق علي الإدريسي أنّ استيراد المواد البترولية لتوفير الطاقة والكهرباء، ارتفع لأكثر من 120 مليون برميل نفط وما يعادله سنوياً، بما يمثل عبئاً كبيراً يزداد سنوياً على الموازنة العامة، معرباً عن أمله أن تضع الحكومة خططاً واضحة عند تمويل وتنفيذ مشروعات حيوية كبيرة على شاكلة "جبل الزيت" لتعرف حدود الاستفادة منها، قبل الانجراف وراء قروض لتمويلها، ودراسة المشاكل التي تعترضها فنياً.

يذكر الإدريسي لـ"العربي الجديد" أنه في حالة رغبة الحكومة في استرداد العائد المالي بسرعة، يمكن طرح جزء من حصة الدولة بالمشروع في البورصة وآخر أمام المستثمرين، مع احتفاظ الدولة بحصة من الأسهم تمكّنها من دراسة مدى كفاءة استخدامات الطاقة الجديدة، في إنتاج الكهرباء، ونقل خبراتها للقطاع الخاص المحلي، بما يساعد على جذب المستثمرين تجاه هذه المشروعات التي يمكن تكرارها في مناطق كثيرة على مستوى البلاد، وضمان توفير الكهرباء للشبكة الموحّدة والمناطق النائية عنها، ووفقاً لـ"الإدريسي" فإنّ الدولة في حاجة إلى توسيع الملكية لعامة الشعب في مشروعات كبيرة مثل محطات الطاقة، والتي يمكن أن تقوم بتمويل ذاتي، أسوة بمشروع توسعة قناة السويس أو الاكتتاب العام على المشروعات في بورصة الأوراق المالية.

ومع رغبة الحكومة في إقناع صندوق النقد الدولي بجديتها في تنفيذ برنامج الطروحات العامة، لصرف المستحقات المتأخرة منذ خريف 2025، عن المراجعة الخامسة والسادسة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي بقيمة 2.7 مليار دولار، لم تعد بيوع الحصص الصغيرة بالشركات العامة كافية؛ لذلك رفعت نهاية الأسبوع قائمة الشركات المعروضة للبيع من 35 إلى 60 شركة، لتشمل شركات بقطاعات التأمين والبتروكيماويات واللوجستيات والرعاية الصحية والطاقة والتشييد والبناء، وتستعد لطرح 20 شركة في البورصة، مع حصص تتراوح بين 10% و40%. ليصبح، وفق تقديرات حكومية، أوسع برنامج تخارج حكومي منذ التسعينيّات، يجري تسويقه بعيداً عن برنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد، كخطة تمويل ديون.

في ظل العوز الشديد للدولار لا تصبح قراءة صفقة "جبل الزيت" ولا برنامج الطروحات بمعزل عن الواقع الأكبر، المتمثل في تصاعد الدين العام إلى مستويات غير مسبوقة؛ فوفق تقديرات دولية وبرلمانية، تخطى الدين الخارجي حاجز 165 مليار دولار وتجاوز الدين المحلي 7 تريليونات جنيه وتبتلع فوائد الديون وحدها أكثر من نصف إيرادات الدولة، وتصل خدمة الدين الخارجي السنوية إلى نحو 30 مليار دولار، كل ذلك يجعل بيع الأصول أسرع وسيلة للحصول على الدولار.

يرى اقتصاديون أن صفقات بيع الأصول العامة المربحة، تصب في صالح المستثمر الأجنبي، الذي يحصل على أصل استراتيجي جاهز للتشغيل وبعائد دولاري مضمون وفوري، دون مخاطر تشغيل أو دفع قيمة وقود، وفي مشروع ضخم مثل محطة "جبل الزيت" الذي أقيم بموقع على مساحة 100 كيلومتر مربع، من الأفضل عالمياً لإنتاج طاقة الرياح، إذ يتراوح متوسط سرعة الرياح به نحو 10.5 كيلومترات/ثانية، ولا يجب أن تتحمل مصر سداد ديون المشروع وشراء الكهرباء بالعملة الصعبة، وفقدان أصل منخفض التكلفة وتعميق ارتباط قطاع الطاقة بالدولار لأكثر من ربع قرن، بما يضاعف تكلفة أزمة الطاقة في المستقبل.
اجمالي القراءات 27
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق




مقالات من الارشيف
more