كارنيجي يطرح سبل خروج مصر وتونس ولبنان من أزماتهم الاقتصادية.. ماذا قال؟

اضيف الخبر في يوم السبت ٠٢ - سبتمبر - ٢٠٢٣ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: الخليج الجديد


كارنيجي يطرح سبل خروج مصر وتونس ولبنان من أزماتهم الاقتصادية.. ماذا قال؟

تهدّد الأزمات المالية الاستقرار في كلٍّ من مصر وتونس ولبنان، وعلى الرغم من الاصطفاف النادر لعوامل عدة مؤاتية للتغيير، سيظل مسار الإصلاح الاقتصادي محفوفًا بالتحديات على المستوى السياسي.

هكذا يخلص تحليل لمركز "كارنيجي"، متحدثا عن أن أوجه الضعف الاقتصادية البنيوية القائمة منذ فترة طويلة في هذه الدول الثلاث، والتي تسبّبت باندلاع انتفاضات اجتماعية في العام 2011 عُرفت باسم "الربيع العربي"، أدّت إلى اضطرابات مالية متنامية تهدّد الاستقرار وتُخلّف معضلات سياسية حادة.
مقالات متعلقة :


ويضيف: "صحيحٌ أن عدم التعامل مع التوترات المتنامية سيُفاقم الأزمات المالية التي تثقل كاهل هذه الدول، إلا أن التعامل معها من خلال تطبيق سياسات تقشّفية فحسب قد يؤدي إلى اندلاع أزمة اجتماعية".

وواجهت مصر وتونس ولبنان، على غرار دول نامية أخرى، سلسلة من الصدمات الخارجية السلبية منذ العام 2019، كان أوّلها تفشّي وباء (كوفيد19)، حين ارتفعت العجوزات المالية.

وفي الآونة الأخيرة، أسفرت الحرب المستمرة بين روسيا وأوكرانيا عن ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية حول العالم، قبل أن تشهد الدول الثلاث زيادة الدعم للتخفيف من تأثير الحرب على الأُسر، ما فاقم بدوره العجوزات الداخلية والخارجية.

وبعد تشديد شروط الائتمان العالمية في العام 2022، عَقب محاولات الدول الغنية الحدّ من التضخم من خلال رفع معدّلات الفائدة، عُزلت مصر وتونس عن الأسواق المالية العالمية، وتواجهان راهنًا محنةً من المديونية، أما لبنان، فقد تخلّف عن سداد ديونه في العام 2020.

ويلفت التحليل إلى أنه في السابق، "لجأت حكومات مصر وتونس ولبنان ببساطة إلى شدّ الأحزمة وخفض الإنفاق عند مواجهة أزمة مالية، لكن الاختلالات اليوم كبيرة لدرجة أن التدابير التقشّفية الشاملة قد تؤدي إلى ركود شديد، قد يشعل بدوره شرارة الاضطرابات الاجتماعية".

ويضيف: "حان الوقت لإطلاق مبادرة وطنية يُعتدّ بها لتحقيق التعافي الاقتصادي، بدلًا من الاكتفاء باتّخاذ تدابير تقشّفية فحسب، كتلك التي تم تطبيقها في ثمانينيات القرن الماضي".

ففي لبنان، أدّت أزمة الدَّين إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، كما أن رؤوس الأموال لم تعد تتدفق إلى مصر وتونس، في وقت تشهد المداخيل انخفاضًا كبيرًا، وهو ما دفع الدول الثلاث إلى دعم المداخيل والاستهلاك وتأجيل الإصلاحات بسبب ارتفاع مستويات القروض الخارجية على نحو غير مستدام، إذ استغلّت هذه الدول طوال عقدٍ توافر الائتمان العالمي السهل وعمليات الإنقاذ المالي المتسلسلة التي أطلقتها دول الغرب ومجلس التعاون الخليجي.

وأدّى ذلك إلى ارتفاع حادّ في نسبة الدَّين العام إلى إجمالي الناتج المحلي، إذ علا الدَّين العام في تونس من 40%من إجمالي الناتج المحلي في العام 2010 إلى 85% في العام 2020، ومن 70 إلى 95% في مصر، ومن 130 إلى 180% في لبنان.

ونتيجةً لمعدّلات الدَّين هذه، المرتفعة للغاية استنادًا إلى المعايير العالمية، باتت الدول الثلاث أكثر عرضةً للتأثّر بالصدمات.

ويشير التحليل إلى أنه من شأن الاعتماد حصرًا على تخفيضات المالية العامة والزيادات الضريبية الكبيرة لتحقيق استقرار الدَّين أن يكون مكلفًا جدًّا على مستوى رأس المال السياسي، ولا سيما بعد عقدٍ من الأداء الاقتصادي الضعيف

ففي مصر وتونس ولبنان، تسهم معظم النفقات العامة راهنًا في دفع أجور موظفي الخدمة المدنية، ودعم السلع الأساسية، ومساندة الشركات المملوكة للدولة، وسداد الفائدة على الديون، وتصبّ جميعها في مصلحة جهات سياسية قوية، إلا أن الجدوى الاقتصادية لبعضها موضع شكّ.

ويُتوقّع وفق تحليل "كارنيجي"، أن تؤدّي التأثيرات الاجتماعية والسياسية الناجمة عن التقشُّف إلى مزيدٍ من اللااستقرار، ولا سيما في حال انعدام الأمل بتحقيق نمو اقتصادي في المستقبل من شأنه التعويض عن التضحيات القصيرة الأمد.

كما أن إعادة هيكلة الدَّين الخارجي لن تؤدي إلى التخفيف بشكل فعّال من عبء ديون أيٍّ من هذه الدول الثلاث، إذ إن جزءًا كبيرًا من ديونها الخارجية يعود إلى جهات دائنة متعدّدة الأطراف لا تقبل بإعادة التفاوض بشأن الدَّين.

يُضاف إلى ذلك أن الدَّين العام الخارجي لا يشكّل سوى جزء صغير من إجمالي الدَّين العام، إذ إن قسمًا كبيرًا منه محلّي، وبالتالي، ينطوي خفض الدَّين على توزيع الخسائر الكبيرة بين الجهات المحلية، وهي عملية سياسية في غاية الصعوبة تتجلّى بصورة صارخة في لبنان.

ويستطرد التحليل: "على الرغم من أن برامج صندوق النقد ساهمت، في استقرار الظروف المالية سابقًا، فإنها لم تؤدِّ إلى ارتفاع معدل النمو"،

ومن أجل تحقيق النمو المرغوب فيه هذه المرة، لا بدّ من أن تتجاوز البرامج المعنية الحلول القصيرة الأمد.

يشار إلى أن الأزمات التي تعانيها هذه الدول الثلاث كشفت عن أوجه ضعف كبيرة، مثل ندرة فرص العمل الجيّدة، وتردّي نوعية الخدمات الحكومية، وهو ما يستدعي معالجة أوجه الضعف هذه، عبر بلورة استراتيجيات تجدّد وطنية ذات مصداقية، لا تقتصر على التدابير التقشّفية وخفض النفقات.

وأمام ذلك، يقول التحليل: "لا شكّ من أن إصلاح الاقتصاد كي يخرج من دوّامة مشاكله الراهنة بوضع أفضل هو المسار الأكثر حكمة، لكنه قد يكون محفوفًا بالتحديات على المستوى السياسي".

ويضيف: "في لبنان ومصر وتونس، استفادت مجموعات متباينة جدًّا من الإسراف الذي موّلته الديون قبل الأزمة، وتمثّلت هذه المجموعات في المصرفيين في حالة لبنان، والمؤسسة العسكرية في حالة مصر، والاتحاد العمالي الأكبر في حالة تونس".

ويتابع: "من أجل تحقيق نمو أكبر في الاقتصاد ككل في هذه الدول، يتعيّن على السياسيين من أصحاب التوجّه الإصلاحي تحييد معارضة الإصلاحات وتشكيل ائتلاف من أجل التغيير".

ويعزي التحليل حالة النفور من الإصلاح المستمرة، إلى ثلاثة أسباب، أولها رؤية الأنظمة الحاكمة في القطاع الخاص الذي يتمتع باستقلال ذاتي تهديدًا لسلطتها.

أما ثاني هذه الأسباب، فهو دفع الخوف من الإسلام السياسي شريحةً من الطبقة الوسطى إلى تفضيل السلطوية على النظام التنافسي الذي قد يسيطر عليه الإسلاميون في نهاية المطاف.

بينما جاء السبب الثالث في تقديم الشركاء الخارجيون أيضًا الدعم للسلطوية خوفًا من أن تسود حالة انعدام الاستقرار في منطقة تواجه تحدّيات جيوسياسية متعدّدة.

وينتقل التحليل للحديث عن مصر، ويقول إن المؤسسة العسكرية لم تحصل فقط على التمويل الكافي، إنما سُمِح لها، منذ رئاسة أنور السادات (1971-1981)، بممارسة الأنشطة التجارية لاستكمال المخصّصات الضئيلة المصروفة لها في موازنة الدولة.

فضلًا عن ذلك، أدّت المؤسسة العسكرية المصرية دورًا سياسيًا محوريًا منذ العام 2011، وسار تنامي نفوذها الاقتصادي في موازاة صعودها السياسي.

لا تزال نوايا الرئيس المصري الحالي عبدالفتاح السيسي، غير واضحة، فهو قد يعمد، من أجل الانتقال إلى اقتصاد أكثر إنتاجية ودينامية، إلى القيام بانعطافة سياسية من التحالف المُحكم مع المؤسسة العسكرية نحو توطيد العلاقة مع النخبة الاقتصادية في البلاد، مثلما فعل الرئيسان السابقان السادات وحسني مبارك (1981-2011)، إنما مع اعتماد أكبر على الشركات التابعة لدول مجلس التعاون الخليجي.

أما في تونس، والحديث لتحليل "كارنيجي"، فتختلف العقبات السياسية، ففي مواجهة الحكومات الائتلافية ذات القاعدة العريضة والتي تعاني من الضعف بسبب ذلك، تمكّن الاتحاد العمالي الوطني من رفع فاتورة الأجور من 8 إلى 16% من إجمالي الناتج المحلي، بالإضافة إلى توظيف فائض من الأشخاص في الشركات المملوكة للدولة وإقناع الحكومة بزيادة الدعم.

ويكمن التحدّي السياسي بتونس في خفض النفقات العامة، واستعادة ثقة قطاع الأعمال، وهندسة طفرة استثمارية

وتمتلك تونس إمكانيات كبيرة لتحقيق النمو، نظرًا إلى قاعدتها الصناعية الواسعة، ويمكن أن تتوقّع دعمًا قويًا للإصلاحات من الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك من خلال الاستثمار المباشر.

ولكن في ظل غياب حكومة ذات مصداقية يمكنها توزيع عبء الإصلاح بطريقة منصفة والشروع في مرحلة جديدة من النمو، لن يقبل الاتحاد العمالي بتحمّل الخسائر منفردًا.

وعلى الصعيد السياسي، يقول التحليل: "يبدو أن المخرَج الوحيد هو إجراء انتخابات رئاسية ناجحة، وربما مبكرة في حال انهار الاقتصاد قبل العام 2024، وإطلاق رزمة إصلاحات اقتصادية حاسمة من شأنها أن تؤدّي إلى استقرارٍ اقتصادي وتعافٍ سريع".

كذلك في لبنان، يُعدّ التحدّي سياسيًا بصورة أساسية، فلكي تنهض البلاد مجدّدًا، لا خيار سوى اعتماد نموذج نمو جديد يؤدّي بموجبه المصدّرون دورًا أكبر من المستوردين، ويضطلع المصرفيون المهتمّون بالإنتاج بدورٍ أكبر من المصرفيين المهتمّين بالمضاربة.

ولكن اعتماد هذا النموذج ليس مضمونًا، وفق التحليل، لأن كبار المصرفيين معرَّضون لتكبّد خسائر بقيمة عشرات مليارات الدولارات ويمتلكون الوسائل اللازمة لإفساد المنظومة السياسية من أجل تأجيل يوم الحساب.

ولكن الظروف الخارجية والداخلية الراهنة قد تكون مؤاتية لإصلاح المنظومة حتى لو كان الثمن عفوًا شاملًا عن مسبّبي الكارثة، مثلما حدث في نهاية الحرب الأهلية.

علاوةً على ذلك، وفيما يُعتبر اعتماد نظام مالي جيّد أساسيًّا من أجل اقتصاد ديناميكي، سيتعيّن اتّخاذ مزيدٍ من الخطوات لاستعادة وظائف الدولة التي تتدهور سريعًا.

وبعدما تراجعت موارد الدولة اللبنانية بمقدار عشرة أضعاف، لا بدّ من الحصول على جرعة دعم كبيرة من الجهات المانحة الخارجية كي تتمكّن البلاد من الوقوف على قدمَيها من جديد، وهذا يتطلّب إجراء حدٍّ أدنى من الإصلاح السياسي.

ويعلق التحليل على كل ذلك بالقول: "من أجل إحراز تقدّم اقتصادي حقيقي، لا بدّ من إرساء مناخٍ من الحرّية والعدالة، فحماية الامتيازات، وممارسات الفساد، والاحتكارات، وكذلك الخوف من التغيير، يجب أن تُستبدَل كلها بالإدماج والتنافس العادل، ما من شأنه أن يُطلق العنان للإبداع والمجهود الفرديَّين".

ويضيف: "يمكن الشروع في عملية تدريجية من أجل التقدّم، خصوصًا أن الإصلاحات الاقتصادية والسياسية قد تؤدّي إلى تحسين الثقة بالمؤسسات وبالمستقبل، وتسهيل عملية التحرّك الجماعي، وإرساء أسس ائتلاف يعمل بتفانٍ من أجل تحقيق تغيير شامل أكثر".

ويختتم: "من شأن هذا الائتلاف التفاوض على عقد اجتماعي يؤدّي إلى الحدّ من معارضة الإصلاحات من خلال توفير قدر من الحماية لأولئك الذين يتوقعون أن يتعرّضوا للخسارة بسبب هذا التغيير، مع حشد دعم ناشط من خلال بثّ الأمل بمستقبل أفضل لدى أولئك الذين يتوقّعون الاستفادة من التغيير".


اجمالي القراءات 161
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق