علم الفضول".. ما الذي يقوله علماء الأعصاب عن السلوك الذي يميز العباقرة ومهاويس الإنترنت على حد سواء؟

اضيف الخبر في يوم الخميس ١٠ - نوفمبر - ٢٠٢٢ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: الجزيرة


علم الفضول".. ما الذي يقوله علماء الأعصاب عن السلوك الذي يميز العباقرة ومهاويس الإنترنت على حد سواء؟

مقدمة للترجمة
لا نبالغ إذا قلنا إن الفضول هو الدافع الرئيسي الذي يحرك معظم أفعالنا. هناك دائما فضول وراء كل شيء بداية من اكتشاف أي اتجاه تضع به "الفلاش ميموري" في الحاسوب ووصولا إلى اعتناق أي نظرية مؤامرة مثيرة. إنه كذلك السبب في أعظم اكتشافاتنا العلمية والفلسفية التي طورناها على مدى تاريخنا الممتد إلى مئات الآلاف من السنوات، لذلك كان على علماء النفس والأعصاب دراسته. ما الفضول؟ ولمَ ينشأ؟ وإلى أي حد يمكن أن يكون مفيدا أو ضارا؟ دان جونز من مجلة "نيوساينتست" يبحر معنا في عالم علم نفس وأعصاب الفضول بهذه المادة المبسطة والمفصلة.
مقالات متعلقة :


نص الترجمة
في أحد الأيام الثلجية من شهر إبريل/نيسان عام 1626، كان فرانسيس بيكون، الفيلسوف ورائد المنهج العلمي، يتجول في شوارع لندن التي تكتنفها الثلوج، وبينما هو على هذه الحال، طرأ على ذهنه فجأة سؤال غريب ظل يحوم على غير هدى في رأسه: هل يمكن للبرودة أن تساعد في حفظ الدجاجة المذبوحة يا تُرى؟ ولإيجاد إجابة عن هذا السؤال، عقد عزمه على الذهاب فورا والحصول على إحدى الدجاجات من أسرة تقطن بمنزل قريب منه، وبالفعل شرع في حشو الدجاجة بالثلج. لكن أثناء هذه العملية، التقط نزلة برد، وأُصيب على إثرها بالتهاب رئوي، وسرعان ما لفظ أنفاسه الأخيرة.

تُشير هذه القصة التي نشرها الفيلسوف توماس هوبز ولا يزال مشكوكا في صحتها إلى أن الفضول قد يكون سلاحا ذا حدين، أحيانا يظهر بوصفه فضيلة، وأحيانا أخرى قد ينقلب إلى رذيلة. يغدو فضيلة عندما يكون هو القوة المحرِّكة للعلم والاستكشاف، ويظهر دوره المهم في نجاة جنسنا البشري واستمراره منذ قديم الأزل. كما يقودنا الفضول على المستوى الفردي إلى حياة مفعمة بالشغف وزاخرة بالمعنى، فكِّر في ليوناردو دافنشي على سبيل المثال، الذي لو لم يسيطر عليه الفضول لما وصل إلى شيء في النهاية.

(شترستوك)
لكن عندما ينقلب الفضول إلى "شهوة عقل"، كما يقول هوبز، فإننا ننتقل إلى الجانب المظلم له، وهو جانب الرذيلة الذي يقودنا إلى إهدار الوقت في البحث عن أخبار مزيفة، أو الانغماس كليا في تصفح مواقع التواصل الاجتماعي أو مشاهدة فيديوهات تنطوي على تجارب شديدة الخطورة، على غرار القفز من مسافات بعيدة بالمظلة، في محاولة لمعرفة ماهية الشعور الذي يتسلل إلى هؤلاء المغامرين أثناء خوض هذه التجارب. وفي خضم انهماكنا مع هذه الأشياء كلها، وبسبب هذا الفضول، قد ينتهي بنا المطاف إلى سبيل محفوفة بالمخاطر.

في ظل عالمنا الحديث المُنسَحِق تحت وطأة هذه الإلهاءات والمُشتتات، سيكون من الجيد أن نتمكَّن من توجيه فضولنا نحو الجانب الأصح لتحقيق أقصى استفادة منه. لم تسلِّط الأبحاث التي أُجريتْ مؤخرا حول طبيعة الفضول باعتباره سلاحا ذا حدين الضوء فقط على فوائده للتعلم والإبداع، بل استثارت الانتباه حول الطرق التي قد يدفعنا بها الفضول إلى الهاوية، ولِمَ قد يتعيّن علينا أحيانا كبح فضولنا.

فجوة في المعلومات
على الرغم من أن الفضول هو بلا شك حالة سيكولوجية مُعقدة، فإن معظم الباحثين يُعرِّفونه بأنه نوع من الشرارة التي توجد داخل كل واحد منا تجعلنا نتوق إلى تعلُّم الأشياء وجمع المعلومات حول ما يحيط بنا في عالمنا، وهو أمر يتعيّن على جميع الكائنات الحيّة القيام به. تقول جاكلين غوتليب، عالمة الأعصاب الإدراكية من جامعة كولومبيا بنيويورك: "إن المعلومات التي تستقيها الكائنات الحية من البيئة حولها شأنها شأن الطاقة التي تلعب دورا أساسيا في النجاة والاستمرار". والفضول ليس شيئا نملكه ونمتاز به على غيرنا من المخلوقات الأخرى، فالكائنات الدقيقة على غرار الديدان الخيطية أو الأميبا تُبدي أيضا فضولا حول بيئتها، حتى وإن كان محدودا ومباشرا للغاية مثل أين يمكن أن تجد الطعام.

على الجانب الآخر، نجد أن فضول البشر، وبالأخص أولئك الذين يتمتعون بدرجة عالية من حب الاستطلاع، يكون أكثر اتساعا وانفتاحا وقوة. فعندما يدرك الناس أنهم يفتقرون إلى المعرفة المطلوبة، سرعان ما يُخلِّف ذلك وراءه شعورا باللا يقين، ولأن طبيعة الإنسان تنجذب بقوة إلى السعي لمعرفة الأشياء وإضفاء طابع ذي مغزى عليها عند التعامل مع اللا يقين، فإنهم يلجؤون إلى الفضول باعتباره القوة الأساسية التي تدفعهم إلى بلوغ مسعاهم.

(شترستوك)
تُشير الدراسات الحديثة إلى أن الفضول عند الأطفال أساسه الرغبة في المعرفة، ولا يمكن اعتباره علاقة جيدة تربط الأطفال بهذا العالم الجديد فحسب، بل هو أداة عظيمة أيضا لإزالة الجهل الذي وُلدوا به. لذلك ابتكرت سيليست كيد، عالمة النفس بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، سلسلة من مقاطع الفيديو لاستكشاف فضول الأطفال وقدرتهم على التنبؤ. أظهرت مقاطع الفيديو صورا للعبة تشبه سيارة إطفاء تختفي بصورة متكررة وراء شاشة تستمر في الهبوط والصعود فتحجب وراءها اللعبة. وفي كل مرة تُرفع فيها الشاشة من أمام اللعبة، ستكون السيارة موجودة باحتمالية معينة.

في بعض الأحيان، كان احتمال وجود اللعبة عاليا جدا، فكلما ارتفعت الشاشة، وجدوا وراءها اللعبة، بينما في أحيان أخرى، كانت فرص ظهور السيارة من وراء الشاشة أكثر عشوائية، ما تسبَّب في انخفاض قدرة الأطفال على التنبؤ. بعد ذلك، تعرَّض الأطفال إلى سيناريو ثالث يتأرجح بين الحالتين. قاستْ "كيد" انتباه الأطفال المشاركين باستخدام أدوات تتبع حركة العين لمعرفة المكان الذي كانوا يبحثون فيه، وتوصلتْ الدراسة إلى أن الأطفال الذين تقل أعمارهم عن سبعة أشهر أظهروا حماسا وفضولا أكبر تجاه سلسلة التنبؤات متوسطة الصعوبة، فلا هي بالتنبؤات السهلة حد الضجر، ولا بالتنبؤات المُربِكة فائقة الصعوبة.

ترى "كيد" أن هذه النقطة اللطيفة التي تقع في المنتصف بين قدرة المرء على التنبؤ من ناحية وشعوره بعدم اليقين من ناحية أخرى هي أفضل مساحة يمكن للمرء أن يوجِّه إليها فضوله، وهذه المساحة من المواقف التي تُثير فضولنا بنسبة معينة توفر أفضل فرص مفيدة لتعلم شيء عن العالم المحيط بنا. في شهر يوليو/تموز من هذا العام، أبلغتْ كيد عن العثور على نوع من القردة يُسمى "المكاك ريسوس" أظهر النمط ذاته من الفضول الذي ينتاب البشر، وعلقت بالقول: "نحن نملك آلية ذاتية تبحث عن المعلومات التي يخيّم عليها قدر مناسب من الغموض أو اللا يقين حتى نتمكَّن من دمجها مع فهمنا الحالي للعالم".

(شترستوك)
كلما تقدم البشر في العمر، ساقتهم روح المغامرة إلى مواضيع أبعد بكثير من مجرد التعرف على ماهية الأشياء في العالم المحيط بهم، إذ نغدو بمرور الأيام مفتونين بشدة بموضوعات مجردة على غرار الرياضيات أو الفلسفة مثلا، وربما نكتشف في كثير من الأحيان أن الأشياء التي قد تُثير فضولنا لا تحمل بالضرورة ميزة تطبيقها فورا على حياتنا اليومية. تقول عالمة النفس غوتليب: "إننا نقضي الكثير من الوقت في الحصول على معلومات دون معرفة قيمتها أو وجه الاستفادة منها، لذا فإن أفضل طريقة لقياس أهمية هذه المعلومات بالنسبة إلينا هي ببساطة سؤال الناس إلى أي مدى لا يستطيعون تحرير أنفسهم من الفضول إزاء موضوع أو حقيقة معينة!".

تُشير إحدى النظريات إلى أن سبب شعورنا بالفضول يرجع إلى ما يُسمى "فجوة المعلومات"، وهي الفجوة التي نشعر بها بمجرد أن نقابل سؤالا لم تزل إجابته غامضة عن العقل. إذا كان حجم هذه الفجوة كبيرا للغاية، فسيبدو السؤال الذي يُحيِّرنا خارج نطاق سيطرتنا ومُنهِكا للغاية، وإذا كان حجم الفجوة صغيرا جدا، فسيُجبرنا الملل على تجاهل الأمر برُمَّته. يزداد فضول البشر تجاه أشياء تقع في مكان ما في المنتصف، أشياء مفاجئة ومفيدة، ولكن في الوقت ذاته لا يحفّها الغموض لدرجة يتعذر علينا فهمها.

الأمر ذاته انطبق على الدراسة السابقة التي شملت الأطفال، فلم يجذب فضولهم إلا المشاهد التي تقع درجة تنبؤها في المنتصف، لا هي بالدرجة اليسيرة حد الضجر، ولا بالعصيبة حد الإنهاك. لذا فتحقيق هذا التوازن أمر بالغ الأهمية للجميع، إذ أظهرت العديد من الدراسات أنه كلما ازداد شعور الناس بالفضول تجاه إجابة عن سؤال معين حتى وإن كان تافها، ازداد تذكُّرهم لإجابة هذا السؤال بدرجة أفضل.
اجمالي القراءات 154
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق