أرقام مُضلِّلة... لماذا تقف مصر "محلك سر" في مواجهة مشكلاتها الاجتماعية؟

اضيف الخبر في يوم الخميس ٠٨ - سبتمبر - ٢٠٢٢ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: رصيف 22


أرقام مُضلِّلة... لماذا تقف مصر "محلك سر" في مواجهة مشكلاتها الاجتماعية؟

في دراسة أُجريت على مدار ثلاث أعوام من 2018 إلى 2021، ونُشِرَت في ورقة بحثية منتصف أغسطس/ آب الجاري، تحت عنوان "الاغتصاب بعلم المجتمع... سنوات من التواطؤ والإنكار"، تناولت مؤسسة قضايا المرأة ظاهرة غير جديدة أو خفية عن المجتمع المصري بمختلف فئاته ونطاقاته الجغرافية. لكن، وكما بدا من عنوانها، فإن "الإنكار والتواطؤ" كانا حاضرين بحكم ثقافة مجتمعية، يدعمها غياب المعلومات والبيانات الحقيقية التي توضح حجم الظاهرة دون مواربة وتكفل بحث أسبابها تمهيداً لوضع خطة العلاج.
مقالات متعلقة :


لهذا، كان "إنتاج دراسة كاملة" على رأس التوصيات التي أتت في ختام الورقة، متفقة مع صيحة بشأن "الأرقام والإحصائيات" أطلقها قبل حوالى الشهر استشاري سياسات الحماية الدكتور أشرف عبد المنعم، في فعالية نظمتها المؤسسة نفسها حول "الإتجار بالنساء".

يتفق الباحثون والمؤسسات الأكاديمية في العالم المتحضر على الصلة الوثيقة بين صحة ودقة الإحصاءات والبيانات، وإمكانية الفهم السليم لأبعاد الظواهر العلمية والاجتماعية والاقتصادية، علماً أن وضع النظريات والحلول لا ينفصل عن الاعتماد على بيانات دقيقة وشاملة تكفل ضبط القرارات المتخذة ورسم الخطط والسياسات، إلا أن المشكلات والظواهر الاجتماعية والاقتصادية المصرية باتت معروفة بين الباحثين ولا تزال عصية على الحل لغياب العلومات والبيانات الدقيقة والشاملة حولها، كما رصد رصيف22 عبر بيانات المؤسسات الدولية وشكاوى الباحثين.

الجهات الحكومية نفسها وهي تقدم التقارير الخاصة بأهداف التنمية المستدامة، ليس لديها معلومات كاملة عن الرجال والنساء في المجتمع" ما ينعكس على فهم أبعاد ووقع الظواهر والمشكلات على الأنواع الاجتماعية بدءاً من القضايا المتصلة بالصحة والغذاء والدخل وصولاً إلى القضايا المرتبطة بالنوع
أين الأرقام؟
سؤال يكرره استشاري سياسات الحماية أشرف عبدالمنعم منذ سنوات، بحكم عمله الذي خالط في ظلّه فئات مجتمعية عديدة، بعضها صدمته دراستها، كما كان في مسح أجراه عن تزويج مصريات لخليجيين وعرب في قُرى غرب النيل، ليكتشف أن نسبتها بلغت 35% وذلك "مع عدم دراية الأهالي بأن ما يفعلونه اتجار بالنساء" بحسب قوله. وهو ما يرجعه عبدالمنعم إلى "غياب التوعية" المبني على غياب الوعي بالحجم الحقيقي للمشكلة وأبعادها، بسبب نقص الابحاث المتصلة بها وغياب البيانات الدقيقة حولها.

إحدى القضايا التي يُعاني فيها عبد المنعم وزملاؤه من غياب الأرقام، كانت عمالة الأطفال، إذ قال عنها لرصيف22 إنها و"إن كانت أقل حساسية وليست محلّ الوصم نفسه المرتبط بختان الإناث أو الإتجار بهن، إلا أن أصحاب الأعمال "حين تُجرى بحوث ودراسات، أو تفتيش من مكاتب العمل، يُسَرّبون الأطفال، ما يترتب عليه غياب الأرقام الحقيقية الدقيقة".

بالمثل، تواجه مصاعب الأرقام المُحَدَّثة، الدكتور يسري موسى، الباحث في مجال دراسات النوع الاجتماعي، وذلك على ثلاثة محاور، فصّلها بقوله "الأول يتعلق بإنتاج المعرفة من المنبع، فيما يخص المعلومات والبيانات المرتبطة بالجنس أو ما يعرف باسم "gender aggregated data".

انتظر رصيف22 ما يزيد على 10 أيام ولم تصله أية إجابة على الأسئلة التي تقدم بها إلى الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء رغم تكرار الاتصال
ويضيف "حتى الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ورغم أنه بدأ فعلياً تقديم معلومات مُصنّفة جندرياً، إلّا أنها غير شاملة أو كاملة، ما يعني أن الجهات القومية وهي تقدم التقارير الخاصة بأهداف التنمية المستدامة، ليس لديها معلومات كاملة عن الرجال والنساء في المجتمع" ما ينعكس على فهم أبعاد ووقع الظواهر والمشكلات على الأنواع الاجتماعية، بدءاً من قضايا الصحة والدخل والغذاء وصولاً إلى القضايا ذات الأبعاد الجندرية.



المحافظات خارج المعادلة
مشكلات البحوث والدراسات القائمة على التصنيف الجندري، تعاني منها أيضاً الباحثة في قضايا النوع والمساواة، نهلة الضبع، ليس فقط بسبب تواضع محاولات تصنيف البيانات حسب الجنس، فللأمر بُعد آخر جغرافي، تقول عنه ابنة الإسماعيلية "نحن كأقاليم نعاني جداً من فكرة غياب الإحصائيات، خاصة أنه لا يوجد لدينا مراكز خاصة بالمحافظات وقضاياها".

الباحثة التي تشغل أيضاً منصب رئيسة مجلس إدارة جمعية "صبية" للمرأة والطفل، تضرب مثالاً على افتقار الأقاليم للمراكز البحثية، بقولها "يعني محاولة إجراء بحث في أي من المواقع المعروفة، خاصة بأي قضية نسوية أو بحقوق المرأة والطفل مخصصة بالموقع الجغرافي سنجد الموضوع صعب جداً".

ثانية المشكلات ليست بسبب المراكز، بل المجتمع نفسه، وفقاً لقول يسري موسى الباحث في قضايا النوع الاجتماعي: "هناك صعوبات وكبت لمعلومات معينة، يفرضها المجتمع وثقافة أهله. فمثلاً، ورغم أن العنف ضد المرأة من أخطر القضايا في مصر، لكننا لا نعلم مداه ومستجداته، كما هو الأمر في الختان وزواج القاصرات والتحرش الجنسي داخل أماكن العمل، فبعض جهات العمل لا تنشر هذا الأمر، كما لا يوجد من يتتبعه".إحصاء لمرة واحدة
أحدث أرقام رسمية شاملة وتفصيلية عن قضية العنف الأسري تعود لعام 2015، وذلك بناءً على "مسح التكلفة الاقتصادية للعنف القائم على النوع الاجتماعي" الذي أجراه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بالتعاون مع كل من المجلس القومي للمرأة وصندوق الأمم المتحدة للسكان.

أمام هذا الغياب، كان أشرف عبدالمنعم وزملاؤه يستندون إلى أرقام ولو كانت نسبية ولم تعد الأنسب الآن، كما بدا في حديثه: "هناك مؤشرات تصل لنا بإصدارات، مثل هذا الخاص بمسح التكلفة الاقتصادية للعنف"، مُعلّقاً "لكنّه قديم".

أحدث إحصاء عن الأثر الاقتصادي للعنف المبني على النوع يود إلى العام 2014، كذلك ظل الباحثون من 2014 حتى نهاية أغسطس/ آب الماضي مضطرون لاستخدام بيانات المسح الصحي السكاني للعام 2014
إصدارات قديمة
ثالثة مُشكلات موسى تتمثل في "منافذ المعلومة"، إذ يقول عنها "لا توجد منافذ كثيرة للإصدارات، وحتى المتوفّرة لا يمكن الوصول إليها بسهولة، فموقع رئيسي كالجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أو مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، لا تمدّه الوزارات بمعلومات مُصَنّفة على أساس النوع، إلّا بشكل محدود".

وحتى الجهات الأكاديمية، كانت المصاعب موجودة أيضاً في الحصول على بعض إصداراتها، وفقاً لموسى الذي يقول "في دوريات صادرة عن جامعات أو معاهد، غالباً ما يكون الباحث مُضطراً للالتزام باشتراك كي يحصل عليها"، مُعقّباً "إذن الأمر مُرهق للباحثين، فما بالنا بالصحافيين أو أي مواطن بصورة عامة".

مثلما هو مُرهق غياب الأرقام في ملفّ الجندر والمجتمع، فالأمر لا يختلف كثيراً في ملف لا يقلّ أهمية، وهو الصحة، حسبما كشف الدكتور أحمد عزب، الباحث في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، بناءً على ما يتعامل معه من قضايا، لا سيما في ظل انتشار أوبئة، فيقول "هناك مشكلتان كبيرتان، الأولى أن آخر مسح صحي سكاني في مصر كان عام 2014، بالرغم من أنه ملجأ الباحثين أو أي شخص مهتم بالحصول على بيانات أو التعرّف على الوضع الصحي وخططه".

وفقاً لعزب، وللخطط الحكومية نفسها، كان من المُفترض أن يُجرى آخر مسح من هذا النوع عام 2018، لكنه، والحديث للباحث، مؤجل منذ أربع سنوات، ما تسبب في أن "معظم البيانات الصحّية في البلد ترجع إلى أكثر من ثماني سنوات تقريباً".

عقب مقابلة مصادر هذا التقرير أصدرت وزارة الصحة المصرية بيانات المسح الصحي السكاني للعام 2021 في نهاية أغسطس/ آب المنتهي. لكنه لم يتح بعد بشكل معلن.

غياب المسح الصحي السُكاني كان محلّ انتقاد المبادرة المصرية، إذ وثّقت في تقرير عنه أنه "بعد نسخة 2008، كان من المفترض صدور التالية بعد خمس سنوات- على الأكثر- في 2012، لتتأخر حتى 2014"، ثم تعطّل صدور نسخة 2018، ليُعلن عام 2020 إلغاؤها "دون التصريح بعوائق التنفيذ"، ما أشارت المبادرة إلى ما يترتب عليه من آثار سلبية، أبرزها "الحكم على الواقع من بيانات جُمعت في النصف الأول من عام 2014".

المشكلة الثانية للباحث هي "الحسابات القومية للصحة"، التي تمدّه وغيره بالمعلومات حول حساب الإنفاق في الأوضاع الصحية بمختلف صورها من "فحوص، تحاليل، عقاقير، وغيرها" وما يتكلّفه الفرد مُقابل ما تنفقه الحكومة فيها، إذ يقول إن "آخر إصداراتها كان منذ أكثر من عشر سنوات".

الغياب ليس زمنياً فحسب، بل له بُعد آخر يتعلق بالتفاصيل، حسبما لمست نهلة الضبع خلال عملها "في مواقع رسمية كبيرة مثل جهاز الإحصاء أو مواقع الحكومة والوزارات، توجد معلومات، لكنها غير مُفَصّلة، وبالتالي لا يمكن للباحث الاعتماد عليها باطمئنان".

وتضرب الباحثة مثالاً هو الختان، قائلة "حين نتحدث مثلاً عن إحصائيات الختان في محافظة كالإسماعيلية؛ سنجد الأمر صعباً للغاية فيما يتعلق بمعرفة الحالات أو البلاغات، هذه من الأمور الصعبة التي كثيراً ما واجهتني".



وتتابع "حين نرغب في الحصول على إحصائية نحاول من خلال المجلس القومي للمرأة أو يونيسيف أو غيرهما، لكن- وفي تقديري البسيط- أرى أغلب هذه الإحصائيات تقريبية، وأحياناً أجد دلائل على كونها غير واقعية، بدليل عدم وجود إحصائيات صريحة وواضحة ومُفصّلة عن الختان مثلاً في محافظة كالإسماعيلية، بينما أنا حين شاركت في فعالية ما في مدرسة بمنطقة في المحافظة نفسها، وجدت تلميذات الفصل إمّا مُختّنات أو لديهن أخوات تعرّضن لهذا الأمر".

وتتبع الضبع تجربتها تلك ومقارنتها بين الرسمي والواقع بتساؤلات عديدة "فلنتخيل الأمر إذن فصلاً واحداً في مدرسة كاملة. كم فتاة إذن في هذه المنطقة تعرضت للختان؟ وأين الأرقام والتفاصيل الخاصة بهذا الأمر؟"، مُعَقّبة: "وحين نأتي للإحصائيات الرسمية لن نجد ما يدل على الوقائع، بل إن المتداول في الوعي الجمعي هو أن مُدن الصعيد هي الأعلى في الختان".

أسباب الغياب
لهذا الغياب أسباب كشف عنها الباحثون، منها ما يتعلق بأعراف وتقاليد مجتمعية صارت بمثابة قوانين في بعض المناطق، فحين تحدث يسري موسى – الباحث في قضايا النوع الاجتماعي- عن العنف الأسري، أشار إلى أن جزءاً من غياب أرقامه قد يعود إلى "قيود ثقافية تدفع النساء للصمت أمام الانتهاكات، باعتبار أن الأمر طبيعي ولا يجب عليهن الحديث عمّا يحدث في البيوت".

قيود مماثلة أشار إليها عبد المنعم في حديثه عن الختان أو الاتجار بالنساء، بتساؤله "مَن سيُبلغ؟ فهذه واقعة مُجَرّمة، تتم في طي الكتمان، وكل المُشاركين فيها- باستثناء الضحية- من صالحهم عدم العلم بها"، ما اتفق معه فيه موسى بالإشارة إلى أنه مثل هذه القضايا "لا يتم العلم بالأمر إلّا في حال حدوث نزيف ونقل الضحية للمستشفى أو وفاتها".

بخلاف القيود، هناك أيضاً عوامل تتعلق بطبيعة الظاهرة نفسها، حسبما ذكر عبد المنعم، مثل عمالة الأطفال، التي أشار إلى كونها "ظاهرة ديناميكية متحركة؛ وأرقامها تتغير أوتوماتيكياً، بحكم عودة البعض للمنازل أو خروج آخرين للشارع أو تحرّك الطفل من مكان لآخر. فحتى لو أجريت دراسة على كل محافظات الجمهورية طيلة الوقت، سيصعب بصورة كبيرة تثبيت رقم دقيق ومُحدّد".

وثمة مصاعب أيضاً تتورط فيه بعض المؤسسات الأهلية، يوضح الاستشاري "البعض لا يُشارك أرقامه إلّا مع مانحيه ومموليه، وهو ما يقال عنه أحياناً إنه للحفاظ على سرّية المتعاملين"، ويردّ "هذا رغم أننا لا نطلب بيانات شخصية، بل أرقاماً ونتائج، فربما نساعد في تقديم حلول. لكن، قلّما نجد منشورات تتعلق بجهود جمعية في ملف ما، إلّا إذا كان في بنود مشروعهم شرط بوجوب الإعلان".



الدعاية أهم من العلم
بخلاف الجمعيات الأهلية، غابت الأرقام والإحصائيات الحديثة المنتظرة من جهات رسمية أيضاً، يكشف تصفح مواقعها أن الأمر يعود لأولويات أخرى طغت على دورها البحثي والاستقصائي .

أحد أبرز المواقع، التي يفترض أن تقدم معلومات عن مصر وما يجري بها، هو موقع الهيئة العامة للاستعلامات، التي تُعَرّف نفسها بأنها "مركز للدراسات السياسية والاعلامية، وبنك للمعلومات". لكن عند تصفح الموقع -ورغم تحديثه يومياً بالأخبار- كان ما حواه قسم الدراسات مجرد مجموعة من المواد التي تعود لأعوام مضت، تتعلق بملفات رسمية مصوغة بإشادة وتمجيد من هذه الجهة، والتي تُعَرّف نفسها أيضاً بأنها "جهاز العلاقات العامة للدولة".

باحث: المجالس المتخصصة في مختلف دول العالم لها دور محدد هو إجراء دراسات وبحوث عن ظواهر مرتبطة بطبيعة عملها، ثم رفع توصيات بشأنها إلى الحكومة. لكن هنا، تخلت المراكز عن دورها الأصيل لصالح أنشطة دعائية
جهة رسمية أخرى هي المجلس القومي للمرأة، التي يُفترض أنها الأبرز فيما يخص قضايا النساء، غابت عنها الأرقام والإحصائيات المُحَدّثة، فآخر ما نشره موقعها الرسمي كان عام 2020 ومصدره الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، لكنه يعود إلى أكثر من عقد كما كشف عنوانه "وضع المرأة والرجل في مصر 2011"، أمّا أحدث إصدارات المجلس نفسه عن أمر طارئ كجائحة كورونا وما يخص احتياجات المرأة خلالها، فصدر قبل عام.

هذا التعامل من المجلس المتخصص كان له تفسير وانتقاد من الاستشاري عبد المنعم، بقوله "جميع المجالس المتخصصة في مختلف دول العالم لها دور محدد هو إجراء دراسات وبحوث عن ظواهر مرتبطة بطبيعة عملها، ثم رفع توصيات بشأنها إلى الحكومة. لكن هنا، تخلت عن دورها الأصيل لصالح أنشطة تنفيذية؛ لهذا نجد الأرقام قليلة ومن مصدر واحد هو حالات الإبلاغ التي تتم من قِبَل الأفراد لنظام العدالة الجنائية".

عن هذا المصدر أيضاً، يقول "وهذه طبعاً- كما نعلم- وباعتبار بعضها جهات سيادية؛ فلديها نظامها الداخلي وقواعد البيانات الخاصة بها، والتي قلّما يتم الإشارة إليها ومشاركتها مع الآخرين"، مُضيفاً- بالقياس على ما تفعله الجهات الرسمية- أن للمجتمعات أيضاً أحكامها "فحين يأتي شخص من خارج نطاقها الجغرافي، يكون معروفاً ويحجم الناس عن التعامل معه".

نتائج مجهولة
الإحجام عن التعاون أمر قد يتم حله بإسناد مثل هذه المسوح إلى جمعيات أهلية قاعدية في النطاق الجغرافي للمجتمع محل الدراسة كونها "معروفة له، وأحياناً ما تُقَدّم له عوامل جذب لوجيستية" مثلما يقترح عبد المنعم، وهو ما ترجوه أيضاً نهلة الضبع، لخصوصية المجتمعات والمحافظات.

وإن كان الباحث نفسه يتحفظ على التعويل على تلك الجمعيات، "لأن الأمر لا يخلو من عراقيل"، يجملها في قوله: "عدم تمتع أغلب هذه الجمعيات بالحرفية لإجراء دراسات. بجانب مشكلات تنسيق وتمويل، لأن هذا الأخير نادر بندرة المانحين، كما أنه أحياناً يكون حسب التريند، فينحسر الاهتمام بالقضايا ومتابعتها بحثياً بمجرد خفوت التريند وتوجيه التمويلات لقضايا أخرى".



الجهل بنتائج المجهودات المبذولة، والاكتفاء بالإعلان عما يخدم الاهداف الدعائية منها هما أمر يعانيه الباحثون، ويضرب عزب مثالاً بتعثر الحصول على بيانات حملة "100 مليون صحة"، ويقول "كان يمكن أن تكون- نوعاً ما- بديلاً مؤقتاً للمسح الصحي السكاني، لأنه تم إجراء فحوص وتحاليل لـ50 مليون مواطن؛ فكنا سنحصل على بياناتهم على الأقل، وإن كانت أولية".

ليستدرك "ولكن، أين النتائج؟ لا أحد يعلم. فلو تم نشر أن هناك مثلاً مليون مريض بالسكر أو غيره؛ فكانت ستظهر خريطة للأمراض. لكننا لا نعلم بنتائج هذه الحملات من أين أتت أو إلى أين انتهت".

غياب النتائج أو تأخّر تحديث المعلومات أمر تبيّن وجوده في واحدة من الجهات المعلوماتية الرسمية، ربما تعد الأبرز بينها، وهي الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فرغم وجود أخبار تصدر عنه أولاً بأول بشأن إحصائيات يجريها، كما بدا في أحد أقسام موقعه الرسمي، إلّا أنه في ملفات أخرى حيوية غابت التحديثات.

وبتصفح موقعه الرسمي، كان على سبيل المثال مما تأخر تحديث بياناته وأرقامه، ملفان مهمان، أولهما يتعلّق بالتعداد بما يتضمنه من مؤشرات عديدة تتعلق بـ"الأسرة، والإناث، والذكور، والريف والحضر، وغيرها"، إذ كان المنشور عنه يعود لعام 2017، وكذلك في ملف الرعاية الصحية توقّف المنشور عنها على الموقع - بمختلف مؤشراتها- عند عام 2020.

الانتقادات للجهاز ليست جديدة، فقبل عقد كامل توقفت مؤسسة حرية الفكر والتعبير عند بعض المشكلات المتعلقة بإصداراته، في تقريرها حول أزمات إنتاج وإتاحة المعلومات في مصر، وكان أبرزها النتائج المجهولة، إذ تناولت المؤسسة "صعوبة النفاذ إلى المعلومات، والاحتفاظ بقواعد بيانات ومعلومات غير منشورة، ووجود فجوة زمنية وتأخير بين تاريخ الفترة التي يغطيها الإحصاء وبين تاريخ إصداره وإتاحته للجمهور، ما من شأنه إضعاف القيمة المضافة للمعلومات بالنسبة للمجتمع".

عواقب وحلول
التأخّر في إصدار دوريات رسمية، يُفترض أنها ذات مواعيد مُحددة، هو من الأمور ذات العواقب السيئة، كما يتحدث الدكتور يسري موسى، خاصاً بالذكر المسح الصحي السكاني "نعاني فجوة معرفية حول الأوضاع الصحية للنساء منذ 2014، ولا مصدر يمكنه أن يعلن عن معلومة علمية دقيقة وقاطعة في هذه المسألة؛ ما من شأنه التأثير على السياسات والقرارات".

أمّا عبد المنعم، فيُحَذّر من "التعتيم والضبابية في الأرقام"، كونهما "سيعيقان رصد موازنات التدخل لحل القضايا، أو قياس الوضع ومدى تحسّنه أو سوئه"، ويضرب مثالاً على هذا الأمر بقوله "عملت في مجال رصد ودراسة ظاهرة أطفال الشوارع حوالي 20 سنة، وتمويلات التصدي لهذا الظاهرة بالمليارات. لكن حين نحاول تقييم إذا ما أتت هذه المليارات ثمارها أم لا، لن نعرف. فليس لدينا خط أساسي للقياس عليه".

التمويل يوجه البحث العلمي الاجتماعي حسب "الترند"
تحدث هذه الوقائع رغم ما ينصّ الدستور المصري من "كفالة حرية البحث العلمي"، وتحديد نسبة له من الإنفاق الحكومي "لا تقل عن 1% من الناتج القومي الإجمالي، تتصاعد تدريجياً حتى تتفق مع المعدلات العالمية"، بينما تُشير بيانات البنك الدولي إلى أن الإنفاق عليه عام 2020 كانت نسبته 096% من إجمالي الناتج المحلي.

الدستور نصّ أيضاً على "التزام الدولة برعاية الباحثين والمخترعين"، وهم مَن بلغ عددهم 838 باحثاً لكل مليون مواطن، وفقاً لإحصائيات اليونسكو عام 2020، بينما كانت نسبتهم في دولة عربية أخرى هي الإمارات، بحسب المؤشر نفسه 2443 باحثاً لكل مليون مواطن.

في محاولة للحل، يقترح الدكتور يسري "إتاحة البيانات والإحصائيات عبر الوزارات والمؤسسات المختلفة، على أن تكون مبنية على أساس جندري"، مُعلّقاً "فهو أمر ليس موجوداً الآن للأسف، فحتى في وحدات تكافوء الفرص في مواقع الوزارات المختلفة، لن نجد مثل هذا الأمر، رغم أن هذه الوحدات مهمتها تقديم دراسات وبيانات لها علاقة بتوازن الجنسين داخل هذا القطاع أو هذه الوزارة".

وبخصوص النتائج البحثية ودوريات الأكاديميات والمؤسسات العليمة، طالب موسى بـ"إتاحتها أولاً بأول على مواقعها الإلكترونية"، ما أشار إلى أنه أمر "له علاقة بفكرة التحوّل الرقمي".

أمّا نهلة، ولأن شكواها كباحثة في أقليم فهي "عدم وجود مراكز بحثية سواء داخل المحافظات أو أخرى مهتمة بمتابعة ودراسة المناطق البعيدة عن العاصمة بقوة عمل كبيرة من الباحثين"، فكان اقتراحها هو تخصيص مثل هذه المراكز "لأن لهذه المناطق طبيعة جغرافية ومجتمعية تتطلب المتابعة كي يمكن الوصول لإحصائياتها بكل سهولة، ما يترتب عليه معرفة مشكلاتها واحتياجاتها".

دكتور أشرف عبد المنعم الذي شدد على أهمية نشر المعلومات، اقترح أيضاً "وجود جهة مسؤولة عن الأمر، وآليات من خلالها تُمكّن كل مَن لديه أرقام أن يصبّها في هذه الجهة، فتصبح المصدر الأساسي للمعلومات في هذه القضية". هذه الجهة، ربما تكون الجهاز المركزي الذي امتدحه دكتور يسري موسى بفضل "توفيره معلومات كثيرة مُصَنّفة على أساس الجنس"، وإن استدرك "لكنها في مجالات يكون قادراً على الوصول إلى معلومات بشأنها كالبطالة والعمل والتعليم، وليس بما يتعلق بالأسرة وما هو داخلها".

هذا الغياب للمعلومات والإحصائيات، وكذلك ما تم توجيهه من تساؤلات وانتقادات، توجه بها رصيف22 للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء حول آليات جمع البيانات ومعوقاتها خاصة في المجالات المتصلة بالنوع الاجتماعي والقضايا "الحساسة"، وذلك إعمالاً لحق الردّ وإحاطة القارئ بالمعلومات.

انتظر رصيف22 ما يزيد على 10 أيام ولم تصله أية إجابة على الأسئلة التي تقدم بها إلى الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء رغم تكرار الاتصال.
اجمالي القراءات 147
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق