وشددنا ملكه وآتياه الحكمة وفصل الخطاب!

نسيم بسالم Ýí 2010-10-23


 

    استَوقَفتني هذه العِبارة القُرآنيَّة الرَّائِعة وَأنا في حَلقَة ذِكر في الأصِيل؛ فسنَحَت في ذِهني بَعضُ خَواطِر حَولَها؛ فقُلتُ أجتَهِدُ أن أُقيِّدَها حتَّى لا تَنفَلِت مِنِّي؛ فإنَّ الخَواطر و (بَنات اللَّحظَة) أسرَع تفلُّتا مِن الإبِل في عِقالِها!

   أورَد الباري عزَّ وجل هذه الكَلمات الجامِعة الأخَّاذَة في سياقِ حديثِه عَن عبده ورَسُولِه داوود عليه السَّلام.

يقول تع&Ccedتعالى: {اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ (19) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (20)} سورة "ص".

   يُثبِّت الله تعالى رسُوله الكريم مُحمَّد (عليه أفضَل الصَّلاة والسَّلام)، ويُصبِّره على أذَى المُشركين وقَدحهم في نُبوَّتِه، ويُذَكِّرُه بِقصَّة نبي مِن قَبلِه مِن أولي الأَيد والعَزم؛ إنَّه داوود عليه السَّلام!

   إنَّه حقا لَتناغُم كَوني ساحِر بينَ ذَلك النَّبي المُسبِّح الأوَّاب؛ وتِلك الجبال التي تُؤوِّب مَعه، وتِلك الطَّير المَحشُورة التي تَصدَح حناجِرَها بالذِّكر طَرفي النَّهار في وقتَين هادئين مُجلَّلين بِصَمت مَهيب؛ لا تَسمَع فيه إلاَّ ذِكر لذي العزَّة والمَلكُوت يملأ الآفاق والأَرجاء!

{ وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ}[الرعد: 15].

{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} [النور : 41].

   أينَ نُور أمثالُ تِلكَ المَجالِس والرَّاحة النَّفسيَّة التي يَجدُها المَرء فيها؛ مِن مَجالس اللَّغو الفارغة، ومَجالِس النِّقاش والجَدل العَقيم، ومَجالِسُ ذِكر الأَمراض والمَشاكِل والأدواء؟! شتَّانَ بينَ الثَّرى والثُّريَّا، وشتَّان بينَ اللَّجينِ واللُّجين كَما يقُولون!

   فماذا كانَ جَزاءُ هذَا النَّبي الأوَّاب؟! لقَد أكرمَه الوهَّاب المنَّان بثلاثِ مكرُمات!

أوّلها:أنَّ الله تعالى شَدَّ مُلكَه، بكلِّ ما تَحمِل هذه الكَلمة مِن دلالات؛ الأمن والاستِقرار، وجريان الأُمور على أحسَن ما يَكُون، وانقياد الرَّعيَّة لَه، وتَمكين دِين الله في مملَكتِه...الخ

ثانيها:آتاه الله الحِكمَة؛ والحكمَةُ وَضع الأشياء المُناسِبة في محالِّها المُناسبَة لها؛ زمانا ومَكانا، وكيفيَّة، وتسييرا!

ثالِثُها:أعطاهُ الله سَدادا في الحُكم على القَضايا والوَقائِع المَطرُوحَة عَليه ليفصِل فيها، ويقُولَ فيها كَلمة الحق مِن غير وَكس ولا شَطط!

كلُّ هذا مِن برَكات ذِكره وتسبيحِه لربِّه بالعَشي والإشراق!

    اندَلقَ إلى خَاطري وأنا أتكلَّم في هذه المَعاني للإخوة الأكارم؛ ما كُتِب ويُكتَبُ في الحَضارَة والتمكين الحَضاري، والنَّهضَة الحِضاريَّة، ومعايير الحَضارات المُتقدِّمة؛ وكَذا ما يُكتَب في الدَّولة والسِّياسَة، وأنظِمة الحُكم، وأسباب قُوَّتِها وضُعفِها وما إلى ذَلك؛ فقُلتُ في كلِّ ذَلك: أين محلُّ الذِّكر والتَّسبيح مِن مُعادَلة الحَضارة والسياسَة، وقيام الأُمم وزوالِها، وقُوَّة النِّظام الحَاكم وضُعفه؟!

   ألقَيتُ إطلالَة سَريعَة على بَعض ما كُتِبَ في الشَّأن؛ فألفَيتُ الحديثَ عَن المادَّة طاغيا، ولا يُتطرَّق إلى الغَيب إلا لِماما! في حينِ نَجِد أنَّ كِتابَ الله عزَّ وجل يُركِّزُ أوَّل ما يُركِّزُ (في شَتَّى مَواضيعه وقضاياه) على الغَيبِ أوَّلا، ويُولي لَه مِن التَّذكير الشَّيء الكَثير؛ مِن غَير إهمالِ قَوانينِ المادَّة والتَّهوين مِن شأنِ نَواميسِ الكَون التي أقامَ الله ميزانَها بالقِسط، وأمرَنا أن لا نُخسِر الميزان !

   وبيَان ذَلكَ في موضُوعِنا أنَّ تكوينَ إنسان ذَاكر مُسبِّح أوَّاب؛ مُخبت قاتِت مُنيب؛ عارِف بربِّه؛ مستنير بوَحيه؛ مُدرِك لِمصيرِه، بصير بِالقَوانين الإلهيَّة التي تَحكُم عالَمي الغَيب والشَّهادة؛ هُو أوَّل لَبِنة مِن لبِنات الحَضارة بِمعناها القُرآني الأصيل؛ لا البَشري الدَّخيل!

   لو لَم يُضِف الذَّاكِر المُسبِّحُ إلى الحَياة الحَضاريَّة شيئا يُذكَر؛ إلاَّ أن أُمِن مِنه الشَّر والسَّعي في الأَرض فسادا؛ لكانَ هذا في حدِّ ذَاتِه إسهاما كَبيرا في قيام الأمَّة ورُقيِّها وازدِهارِها؛ فكيفَ إذا كانَ يُصلِح، ويُعلِّم، ويأمُر بالمَعروف ويَنهى عَن المُنكَر، ويحُضُّ على طَعامِ المِسكين، ويَدفع غائِلة الشَّر، ويسعى لأَن يكُون خَليفَة لله في أرضِه بتَجسيد مَنهجه على أتمِّ الوُجُوه وأكمَلِها؟!

      إنَّ مِن أعظَم ما يُعيقُ قِيام الحَضارات والمدنيَّات (باعتراف زُعمائِها وُمنظِّريها) هي الشُّرور والجَرائِم والتَّصرُّفات السِّيّئة التي تَصدُر مِن أُناسِ تِلك الحَضارة... قتل، عُنف، صراعات طائفية، تكتُّلات عِرقية، نزاع على السُّلطة، رشاوى الحُكَّام، خمور ومُخدِّرات، فساد إداري، بيروقراطية، تهريب أموال، شبكات بغاء، تمزق أسَري، اغتصاب... وهلُمَّ جرا، والقائِمة لا تَنتَهي؛ ولَعمر الحقِّ إن جلسات خاشِعات؛ كتِلك التي حَكاها الله تَعالى عَن عَبده ونبيِّه داوود بالعَشي والإشراق؛ وفي ذِكر النِّعم والاعتِراف للمُنعِم الوهَّاب بِها فقَط "لا نَبرَح" لكفيلَة بِاجتثاث تِلك الأَمراضِ كلِّها في وَقت وَجيز؛ إن صَدقت العَزائِم، وصَفت السَّرائِر، وأخلَصت القُلوب وأدامَت العَهد مَع ربِّ الأَرض والسَّماوات! فهلاَّ اختَزلنا تِلك الحُلول التَّرقيعيَّة التي جرَّبناها ونُجرّبُها ليلَ نَهار في حَيرَة عجيبة، وسَكرة مُبينَة؛ وألقَمنا أفواهَنا الحَجر عن الشِّعارات تِلو الشِّعارات التي لَم تَزِدنا إلا حَسرة ونَكبة، وتقهقرا، ومَزيدَ وَبال وخَسار، وحَرِصنا على إقامَة حلقات الذِّكر لأهالينا وأبناء مُجتَمعِنا، والعالَم أجمَع!

مُستَحيل وألفُ مُستَحيل أن تَقُوم حَضارة أو مَدنيَّة أو أن تُستَرجَع أرض مَسلُوبَة، أو يُمكَّن لإنسان أو  أمَّة في أرض؛ والمَعاصي تَنخُر كَيانَها، وبيُوتُ الله خاوية على عُروشِها بُكرة وأصيلا!

{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء : 105].

{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [الأعراف : 96].

   ما بالُ بَعض القَوم لا يَفتأ يَعتَبِر الذِّكر والخُشوع مع آيات الله انتشاءً واستِحلاء، وتِلاوَة البيِّنات استِرقاء! ويلمِزُ التَّائبين الباكينَ على ذُنوبِهم؛ المُجدِّدين العَهدَ مع ربِّهم؛ بأنَّ هذا لا يعدُو أن يَكُون بُركانَ مشاعِر، وتأجُّجَ عَواطِف! ويَرى مَجالِسَ الذِّكر فراغا وعطالَة، وشُغلُ مَن لا شُغلَ لَه! وَلو استَبانَ الإِنسان الفَوائِد (الحَضاريَّة) التي يَجنيها المُجتَمع لَو أنَّ أُناسَه ذَاكِرين؛ لتَواصَت الحكُومات بإجبارِ سُكَّانِها على مُلازَمة حلقاتِ الذِّكر بُكرة وعَشيا؛ كَما تُجبِرهُم على الضَّرائب والالتزامات الوطنيَّة المَعهُودَة!

   لا أَدري أيُّ سبيل يرى أولئك لإخراجِ المُجتَمع مِن دائِرة التَّخلُّف إلى رَكبِ الحَضارَة غَير البِداية بَتزكية الأَنفُس وحلَقات الذِّكر، لتَتصافى القُلوب، وتُردَّ المَظالِم، وتُمحى الآثار السَّالِفة، ويُبدَأ عَهد جديد مَع الله لِلتَّمكين لِدينِه، وعِمارَة أرضه! بل لا أَدري ماذا يُريدُون أن يُحققوا في أُمَّتِهم، ويَرَوا في مُجتمعم حتَّى تَطمئنَّ نُفوسُهم إلى أنَّهُم وصلُوا إلى الحَضارة؟! أبُنوك كبُنوك سويسرا؟ وعمارات شاهقات كعمارات نيويورك؟! أم أنفاق كأنفاق بريطانيا، ومتاحف كمتاحف فَرنسا، وحدائق كحدائق النَّمسا؟!  لا أدري أيَّ مِعيار للحضارة والتَّمكين لَديهِم!

   يحضُرني الآن للتَّدليلِ أكثَر على ما أقُول - على سَبيلِ المِثال لا الحَصر- حَوادِث السَّير والمُرور التي لا تُوجَد دَولة في العالَم إلا وتَشتِكي مِنها، والاحصائِيات السَّنوية مَهُولة؛ وهذه الحَوادِث عِندَ التَّحقيق ليسَت (في أغلَبِها) إلا نتيجَة عربَدة أو إفراط جُنوني في السُّرعَة، أو قَلق نَفسي، أو طَيش شَبابي، أو  استِعراض للمَهارات في القِيادَة؛ وكلُّ هذه الأُمور لا يُمكِن أن تصدُر مِن إنسان ذاكِر خاشِع؛ فانظُر كَم سيُوفِّر المُجتَمع على نَفسِه مِن أرواح وأموال ب (مُجرَّد) حلقات ذِكر يُقزَّم مِن شأنِها!

   وانظُر كَم ستُوفِّر الدُّول على نَفسِها؛ لَو استَعاضَت بالسُّجون والمُؤسسات العِقابيَّة – المُرهِقة المُكلِّفة لخَزينة الدَّولة- مستَشفيات قُرآنيَّة مُغلقَة؛ تُتلى فيها آياتُ الله آناءَ اللَّيل وأطرافَ النَّهار؛ لمُدَّة أُسبُوع أو نِصفَ شَهر إجباريَّا؛ فستَكُون حينئذ تِلك المُؤسسات " إعادة تربية" فِعلا  لا شِعارا؛ فَمن لَم يُربِّه القُرآن فلا مُربّي لَه؛ ومَن لَم تَزجُره مَواعِظُه فَلا زاجِرَ له؛  لا أن يُزجَّ المِسكينُ في غيابات السِّجن سِنين عَددا في ظُلمات بَعضُها فَوقَ بعض (حسا ومَعنى)؛ يتعلَّم فيه مِن أسلافِه في الإجرَام ما لَم يَعلَمه مِن قَبل، ويَخرُج ناقِما حاقِدا يَفعَل في المُجتَمع ما لم يُفكِّر أن يَفعَله قَبل أن يُقادَ إلى السِّجن! ولا أعني طَبعا بِكلامي –طَبعا- إلغاء التَّعازير المُختَلفة لمَن أصرَّ واستَنكَف ولَم يَرعَوِ، ولَم تَنفعه الذِّكرى؛ ليَذُوقَ وَبالَ أمره!

   أظنُّ أنَّه قَد باتَ مِن الوُضوح بِمكان؛ أنَّ أوَّل خُطوَة جادَّة فاعِلة في سَبيلِ الحَضارَة؛ لا يُمكِن بِحال تَجاوزُها والقَفز فَوقَها أن نَتعاوَن على إقامَة مُستَشفياتِ ذِكر دائِمة؛ بُكرة وأصيلا؛ في بُيوتِ الله عزَّ وجل أولا؛ وفي أيِّ مَكان جَامِع يُحقِّقُ المَقصُود، ونَجتَهد في دَعوَة النَّاس جَميعا إليها- سيَما الشَّاردين والنَّادِّينَ عَن مَنهج الله- ليسمَعُوا كَلامَ الله، وتُشفى صُدُورُهم بِنُورِه!

   هذا أوَّل عَمل حَقيقي جاد لِمَن أرادَ أن يخرُجَ مِن دُنيا الشِّعارات والبَريق والبَهارِج والنَّظريَّات، إلى دُنيا الحَقيقَة والأَثر الواقِعي المَلمُوس؛ وإنَّه لَصعب على كَثير مِن النُّفوس على بَساطتِه وفِطريَّتِه!

      كَم يسهَلُ أن أجلِس في مَكتبي أو مَكتبَتي، وأُدبِّجَ العبارات، وأُنمِّق الألفاظ، وأتفنَّن في الأساليب والتَّعابير إلى حدِّ الإلغاز (كَما يحلُو لبعض مَن يُسمَّون بالمُفكِّرين)، وأُصدِر كِتابا زاهيَ الطِّباعَة؛ مليء بالأَحلام والاقتراحات؛ تَنفدُ مِنه طَبعات تِلوَ طبَعات... ولَكن أن أجلسَ مع البُسطاء والعَوام أصبِر مَعهم وأُذكِّرُهم بأحسَنِ الحَديث، وأُعاهِد نَفسي على حَلقات يَوميَّة في عشيرتي أو في مَسجد بلَدي بُكرَة وأصيلا، وأسافِر في الآفاق لتبليغِ نُور الله؛ وأتعلَّم اللغات لمُخاطَبة إخواننا الأعاجِم؛ فذَلِك هُو المَحك الذي قلَّ مَن يسلُكُ صُعُداتِه، ويَصبِر على أوعارِه!

   كَم استَغربتُ من إنسان اشتَكى إليَّ مِن عهد قريب صُعوبَة تواصُلِه مَع زَوجِه، وعَدم قُدرَتِه على إذابَة الجَليد مَعها مُنذُ زواجِه بِها؛ وأنا أعرِف مِن سيرَة هذا المَخلُوق أنَّه ممَّن مَلأ الدُّنيا ضَجيجا في هذه المواضيع (الحضارة، التقدم، العَصرنة، الحداثة... ما بعد الحداثة، موش عارِف إيش)؛ فقُلتُ في نَفسي سُبحان الله: رجُل لَم يفكَّ اللغز بينَه وبينَ أقرَب الناس إليه؛ يُريدُ أن يُقيمَ حضاااااااارة، ويُواكب العَصر، ووو!! بماذا؟!

   الخطوَة الثَّانية (أو لِنقُل الشِّطر الثَّاني) مِن خُطواتِ الحَضارة؛ هي اتِّباع الأَسباب، والأَخذ بنَواميس الكَون والمادَّة وِفق مَعاييرالقُرآن وضَوابِطِه دَوما؛ فالقُرآن كَما فصَّل الغَيب وبيَّنه؛ قنَّن المادَّة وأحكَمها؛ والصِّبغة العامَّة في القُرآن المُزاوَجة بينَ عالَمي الغيب والشَّهادة، وعَدم فَصل أحدهما عَن الآخر؛ ولِذا وَصفَ الباري المُعرِض عَن الوَحي بأنَّه لا يَعلَم إلا ظاهِرا مِن الحياة الدُّنيا؛ أي لا يَعلمُها على سَبيلِ الحَقيقَة؛ لأنَّ العالِم لَها حقيقَة هُو جَمع بين القِراءَتين؛ قِراءة كتاب الله المَسطُور، وقراءة كِتابِه المَنظُور!

{يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم : 7].

وهَذه الخُطوَة نستَلهِمُها مِن مَقطَع آخَر في القُرآن يَحكي عَن نبي الله داوود دائما؛ فسنَلفاهُ هذه المَرَّة في بَحر الحياة كادِحا عامِلا، مُشمِّرا عَن ساعِديه لإثارة الأَرض وعِمارَتها!

يقول تعالى في سورة سبأ: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ. أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [سبأ: 11].

   البداية دَائما بالتَّسبيح الذي بِه يُنزِل الله البَركة التي تَطالُ حتَّى المادَّة ولَو كانَت حديدا!

لاحِظ هذا التَّقابُل الرَّائِع بينَ المادَّة والغَيب؛ الذي لَو أدرَكه الحِرفيُّون والصِّناعيُّون لَذهبُوا بَعيدا!

{يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} [سبأ : 10].

ولَكن لا يَعني إلانتُنا لَك الحَديد يا داوود أن تتَواكَل، وتُهمِل الأَسباب! لا! بل اعمَل سابِغات وقدِّر في السَّرد وأتقِن صَنعتَك وحِرفَتك؛ ولَكن اعلم أنَّ عنايتنا، ومَعُونتنا لَن تتخلَّف عَنك ما دُمت مُسبِّحا ذَاكرا! وتحرَّ الصَّلاح والإصلاحَ (بكل ما تحملان مِن مفاهيم) في مُستَهل أمرِك وعاقبتِه، لأنَّ الخالِق سميع بصير لا تَخفى عَنه خافِية!

أيُّ مَنهج – غير كِتاب الله تعالى – يُوجِز لَنا هذه المَعاني في عبارات حِلوة، غزيرة الدَّلالات؛ لا تَطويل فيها ولا تصديعَ للرؤوس!

   ويُذكِّرُني الحَديدُ والقِطر بِقصَّة أُخرى حكاها لَنا الباري عزَّ وجل في كِتابه عَن مَلك مكَّن الله لَه في أرضِه وآتاه مِن كلِّ شَيء سَببا؛ فاتَّبعَ الأسباب، وطافَ في مَشارِق الأَرض ومَغاربِها؛ قوَّاما بالقِسط حاكما بالعَدل!

{وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (84) فَأَتْبَعَ سَبَباً (85) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (86) قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً (88) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (89)} الكَهف.

ولَكن يتبادَر مِن خلال تتبع قصَّتِه ظاهِرا، سُؤال أنَّ الله تَعالى لَم يذكُر لنا سببَ تمكينِه نصا!

إلا أنَّ القارئَ المُدرِك لِقوانين القُرآن يُدرِك سرَّ التمكين مِن غير كَبير عَناء! إنَّه في الذِّكر والتَّسبيح!

تأمَّل معي هذه العبارات التي لا تشمُّ مِنها رائِحة غَطرسة أو تعال أو جبروت؛ إن هُو إلا مَحض الاستسلام والانقِياد، وإرجاعِ الفَضل إلى أهله سُبحانَه!

{قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} [الكهف : 95] .

{قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي} [الكهف : 98].

{فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً} [الكهف : 98].

يستَحيلُ  أن تصدُر هذه العبارات مِن قَلب فارغ مِن ذكر الله تعالى!

   ولا تَسَل عَن نبي الله سُليمان؛ وما وَهبه الله مِن مُلك ومال، وما سخَّر لَه مِن أشياءِ الكَون تَخدُمه وتُطيعُ أمرَه؛ ولا نَستَغرب هذا العَطاء حينَ نقِف مبهُورين أمام مَوقِفه العَجيب الذي نَقله الله تعالى إلينا في سورة "ص".

{وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33)} ص.

   عشيَّة واحِدة أخي الكَريم غفَل فيها نبي الله سُليمان عَن ذِكر ربِّه لم يَضنَّ أن يُقدِّم فِداء لَها جيشا مِن الصَّافنات الجِياد! ونَحن لا زِلنا نُناقِش بعَقليَّة قاصِرة ضيِّقة: ما حُكم البُكرة والأصيل؟! وما حُكم من أفضَى إلى ربِّه ولَم يَجلس في حلقات البُكرة والأصيل هل يُعتَبر هالِكا؟! وهكذا!!وكأنَّ هذه الآيات لَيسَت قُرآنا مُبينا يُتلى، وتَنطبِق علينا قَوانينُه!

يُمكِنني في الأخير أن أصُوغ بكلِّ أريحيّة مُعادَلة الحَضارة في القُرآن الكَريم:

ذكر كثير وتسبيح كثير بالبُكرة والأَصيل + اتباع الأسباب والنَّواميس وِفق ضوابِط ومعايير قُرآنية

أسأل الله أن يُوفِّقني وإيَّاك أخي العَزيز إلى التَّعاوُن على تَجسيدِ هذه المُعادَلة في مَيدان الحياة بكُلِّ أنواعِ التَّعاوُن وأشكالِه، وأن يُوفِّقَني وإيَّاك إلى صالِح القَول والعَمل، وأن يَجعلنا حضاريين حقيقَة لا شِعارا؛ إنَّه سَميع قريب مُجيب، والحمد لله رب العالمين.

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور : 55].

#بقلم الطَّالب: نسيم بسالم

اجمالي القراءات 13535

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (3)
1   تعليق بواسطة   زهير قوطرش     في   السبت ٢٣ - أكتوبر - ٢٠١٠ ١٢:٠٠ صباحاً
[52268]

عزيزي نسيم

 مقالتك هذه تنبع من قلب سليم,يريد الخير له ولمن حوله ,وللعالم بأسره,وهذا القلب السليم رأى أن مشكلة تدهور وزوال الحضارات الأنسانية في ابتعادها عن التسبيح وذكر الله تعالى,واقترحت بناء مستشفيات لتعليم وتدبر القرآن.


أحب أن تقبل مني أحياناً بعض النقد ,لأن النقد هو مرآة الإنسان التي لا يرى فيها الوجه الأخر له ,حيث يراه الأخرون ,وأجمل ما في النقد ,هو في كونه نقد بناء.


عزيزي ....نحن نريد أن نطبق الإسلام العملي ,وليس إسلام الشعارات والأحلام والنظريات ,نريد أن نجد في الإسلام أسلوب حياة له وجود في مفردات الحياة اليومية ,وخصوصاً من أمثالك الذين يحملون رسالة دينية  صادقة.


لهذا وكونك ,وأصدقك القول أنك مخلص وتغار على الدين ,فلا بد لنا من نطرح المسائل والحلول التدريجية المقبولة من البشرية , فالتسبيح الذي ذكرته في معانيه القرآنية القيمة ,هو العمل ,العمل في سبيل بناء هذا الكون ,بالجهد ....نحن ما ينقص امتنا ,ليس المساجد ,ولا المستشفيات التي تعلم القرآن....عدد الذين يحفظون القرآن في ليبيا مليون شخص ...ماذا قدموا هؤلاء عملياً للإنسانية وبناء الكون الذي هو عبادة.


الملك سليمان عليه السلام ....إلى جانب إيمانه وتسبيحه ,لين الحديد (الصناعة) وبنى المدن ...وهكذا ....


دعنا نتفق معاً في أن نوازن مابين المادي والرحي ...شكراً لك


2   تعليق بواسطة   غريب غريب     في   الأحد ٢٤ - أكتوبر - ٢٠١٠ ١٢:٠٠ صباحاً
[52314]

لنرى وجه الجمال تصبح ذواتنا جميلة

 اقرأ سورة الكهف لكن لم اكن الاحظ لسان ذو القرنين كيف ان اسم ربه على لسانه. جزاك الله خير. فكلامك حكم




 


3   تعليق بواسطة   عباس حمزة     في   الأحد ١٤ - نوفمبر - ٢٠١٠ ١٢:٠٠ صباحاً
[52790]

لابد من ثورة من اجل البشر

ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم


ولكم مني السلام


حمزة


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2010-03-23
مقالات منشورة : 7
اجمالي القراءات : 278,882
تعليقات له : 9
تعليقات عليه : 14
بلد الميلاد : الجزائر
بلد الاقامة : الجزائر