شادي طلعت Ýí 2026-07-27
في الثالث والعشرين من يوليو لم تسقط الملكية وحدها، بل سقط معها الحلم المصري بدولة دستورية تتطور بالإصلاح لا بالإكراه، وبالصندوق لا بالدبابة، وبالقانون لا بالبيان العسكري.
يسمونها ثورة، ولكن الثورات تسقط الحاكم وتُبقي الوطن، أما ما جرى في يوليو فقد أسقط النظام واستولى العسكر على الدولة.
الثورات تطلق الحريات، أما يوليو فقد أطلقت المراسيم.
الثورات تفتح أبواب السياسة، أما يوليو فقد أغلقت الأحزاب وفتحت السجون.
الثورات تنهي حكم الفرد، أما يوليو فقد دشنت عصر الزعيم الأوحد والصوت الواحد والرأي الواحد.
لقد خرج الضباط من الثكنات بحجة إنقاذ الأمة، فانتهت الأمة رهينة للثكنات.
ومنذ ذلك اليوم لم تعد مصر تُحكم بالدستور، بل بالبيان رقم واحد، ولم يعد المواطن شريكاً في الوطن، بل صار متلقياً للأوامر والتعليمات.
اختفى البرلمان الحقيقي، وغابت المعارضة الحقيقية، وصارت الديمقراطية ضيفاً ثقيلاً لا يسمح له بالبقاء.
كان الملك يرحل وتبقى المؤسسات، فإذا بالحاكم الجديد يبقى وتغيب المؤسسات.
ولعل أكبر مأساة يوليو أنها نجحت في صناعة الأسطورة أكثر مما نجحت في صناعة الدولة، فكلما تعاظمت الإخفاقات، ازداد حجم الدعاية، وكلما ضاقت مساحة الحرية، اتسعت مساحة الهتاف.
أما الأرض، وهي شرف الأمم وعنوان سيادتها، فحدث ولا حرج :
كان السودان جزءاً من التاج المصري ووادي النيل الواحد، فإذا بعهد يوليو ينتهي إلى انفصال السودان، وخروج مصر من أقدم وحدة جغرافية وسياسية عرفتها المنطقة.
ثم جاءت مغامرات الخارج، فاستنزفت الدماء والأموال في جبال اليمن وصحاريها، حتى دخلت مصر حرب يونيو منهكة مثقلة بالأوهام والشعارات.
ثم كانت الكارثة التي لا تزال آثارها محفورة في الوجدان المصري، في ستة أيام فقط ضاعت سيناء كاملة، وارتفعت أعلام إسرائيل فوق أرض سالت من أجلها دماء الأجداد.
لم تكن هزيمة عسكرية فحسب، بل كانت سقوط مشروع كامل ادعى امتلاك الحقيقة المطلقة، ثم عجز عن حماية حدود الوطن.
أي إنجاز يمكن أن يعادل ضياع سيناء ؟
أي خطبة يمكن أن تمحو عار النكسة ؟
وأي شعارات يمكن أن تعيد الأرض التي ضاعت تحت وقع الهزيمة ؟
لقد أرادوا من الناس أن تحفظ الخطب، بينما كانت الجغرافيا نفسها تنتزع من الخريطة.
ثم حدثونا طويلاً عن مجانية التعليم، حتى كاد الناس يظنون أن المصريين قبل يوليو كانوا يتعلمون في الكهوف.
والحقيقة أن مجانية التعليم وتوسيع فرصه لم تكن اختراعاً ناصرياً خالصاً، بل كانت سياسات بدأت جذورها في العهد الملكي وتطورت قبل قيام حكم الضباط.
لكن التاريخ الرسمي اعتاد أن يمحو ما قبله ليبدو وكأن الشمس أشرقت لأول مرة يوم دخل العسكريون قصر الحكم.
إن أخطر أنواع الكذب ليس تزوير الحاضر، بل تزوير الماضي.
وفي الاقتصاد تكرر المشهد ذاته :
ورث نظام يوليو عملة قوية واقتصاداً يملك فرص النمو، لكن الدولة تحولت شيئاً فشيئاً إلى رب عمل وحيد وتاجر وحيد ومصنع وحيد وموزع وحيد.
تمددت البيروقراطية حتى ابتلعت الكفاءة، وتضخمت الأجهزة حتى أرهقت الخزانة، وتكاثرت الشعارات حتى اختفت الحقائق.
وحين رحل عبد الناصر بدأت الفاتورة الحقيقية تظهر على الطاولة، فاتورة الحروب، وفاتورة التأميم، وفاتورة الإدارة المركزية التي خنقت المبادرة الفردية وأضعفت قدرة الاقتصاد على المنافسة والإنتاج.
لقد كان من السهل أن تؤمم مصنعاً بقرار، لكن من الصعب أن تدير اقتصاداً بأكمله بالأوامر العسكرية.
وكان من السهل أن تخيف المعارض، لكن من المستحيل أن تخيف قوانين السوق وحقائق الأرقام.
أما الحرية، فقد كانت الضحية الدائمة في جمهورية يوليو :
امتلأت السجون بالخصوم، واختلط المعارض بالخائن، والناقد بالمتآمر، حتى صار الاختلاف جريمة، وأصبح التصفيق فضيلة وطنية.
وفي ظل غياب الديمقراطية لا أحد يحاسب، وفي ظل غياب المحاسبة لا أحد يعترف بالخطأ، وفي ظل غياب الاعتراف بالخطأ تتكرر الكوارث حتى تصبح أسلوب حكم.
وهكذا ولدت جمهورية جديدة، لا جمهورية المواطن، بل جمهورية الحاكم.
لا جمهورية المؤسسات، بل جمهورية التعليمات.
لا جمهورية القانون، بل جمهورية الولاء.
قد يختلف الناس حول حجم إنجازات جمال عبد الناصر، وقد يتفقون أو يختلفون حول نواياه، لكن التاريخ لا يوزن بالنوايا، بل بالنتائج.
والنتائج تقول إن مصر خرجت من عهده بلا ديمقراطية، وبلا حياة حزبية حقيقية، وباقتصاد مثقل بالأعباء، وبأرض محتلة بعد أكبر هزيمة عسكرية في تاريخها الحديث.
وحين توضع الإنجازات في كفة، وتوضع النكسة والاستبداد وإلغاء السياسة وتقديس الفرد في الكفة الأخرى، فإن السؤال يبقى قائماً رغم مرور العقود :
هل كانت يوليو بداية نهضة أم بداية دولة اعتادت أن تحكم الشعب باسمه لا بإرادته ؟
ذلك سؤال لم يغلق ملفه بعد، لأن التاريخ مهما طال الزمن لا ينسى، ولأن الأوطان قد تغفر الهزيمة، لكنها لا تغفر تحويل الهزيمة إلى أسطورة، ولا الاستبداد إلى إنجاز، ولا الانقلاب إلى ثورة.
وعلى الله قصد السبيل
شادي طلعت
#شادي_طلعت
#جمال_عبدالناصر
#انقلاب_يوليو
#ثورة_يوليو_1952
بالونة حمزة عبد الكريم وجمهورية النفخ الرياضي
"يوليو" جمهورية الظلم والانقلاب الذي سمي ثورة
الحوار المتوسطي الدائم مع أوروبا | حين تمد الجسور فوق أمواج الأزمات
دعوة للتبرع
الديوث: ما هو المفه وم الحقي قي لكلمة الدّي وث ...
صعاليك الانترنت: فيه رأى غريب قرأته فى الفيس ، واحد عامل نفسه...
الأعياد: عيد الفطر ،وعيد الاضح ى هل صحيح أن تلك...
من هجص المستشرقين: مكان تواجد الرسو ل : ألا تدل الآيا ت ...
إعادة السجود: انسى بسبب الكبر عدد السجد ات ، هل سجدت مرة أو...
more